كيف يمكن أن نعيش في عالمنا الجديد اللاهث؟

27 يناير 2026
27 يناير 2026

لا مراء في أن عالمنا الجديد يتسم بوجه عام بكونه عالمًا «لاهثًا»، وإن كنا لا ندرك ذلك أو نتأمله؛ لأننا نعيش في هذا العالم ونكون منغمسين فيه، وغالبًا ما ننصاع إلى السير معه في لهاثه. فما هو ذلك اللهاث، وما شواهده؟

اللهاث بالمعنى الطبي هي حالة من التعب تصيب المرء بضيق في التنفس من جراء الجهد الزائد كالجري بسرعة على سبيل المثال؛ ولذلك يُقَال أيضًا إن الكلب يلهث بأن يُخرج لسانه؛ حينما يعتريه التعب من شدة العناء والجهد الزائد.

ولكن هذه الحالة الفيزيقية أو البدنية من اللهاث تتبدى على نحو أكثر عمقًا حينما نتأملها على المستوى السيكولوجي، أعني على مستوي حياتنا الفكرية والنفسية: فاللهاث عندئذ يتبدى بوصفه حالة من السعي الدائم نحو ملاحقة شيء ما يتغير كل يوم، بل كل لحظة.

ومن ذلك على سبيل المثال: متابعة الأخبار اليومية في عالمنا الراهن الذي أصبح مليئًا بالصراعات المتجددة في كل مكان؛ ومتابعة ذلك الفيض من الأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تدعونا إلى المشاركة فيها أو اتخاذ مواقف منها، على الرغم من أنها تتغير على الدوام بين ليلة وضحاها، وربما في كل لحظة عابرة من الزمان.

يتورط معظم الناس في الانغماس في هذا العالم اللاهث الذي يفيض عليهم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ومن النادر جدًا أن ينخرطوا في قضايا ثقافية أو فكرية جادة، ويتصورون أنهم بذلك يحققون ووجودهم في هذا العالم! وبذلك فإنهم يختزلون مجمل وجودهم في هذا العالم الافتراضي، من دون أن يكتبوا أو يبدعوا شيئًا ما يبقى في ذاكرة الكتابة والثقافة والمعرفة عمومًا؛ ولذلك تراهم مشغولين دومًا بالتواجد في هذا العالم الافتراضي ولو من خلال صورهم وأخبارهم ومشاركاتهم التي ينشرونها عبر كل لحظة عابرة من الزمان، بدافع من السعي المحموم نحو تحقيق التواجد في هذا العالم «اللاهث» الذي يتجاوزهم باستمرار؛ إذ سرعان ما يتجاوز أخبارهم وصورهم العابرة التي ينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي!

وفي ذلك مناط الأزمة الحقيقة للموجود البشري حينما يسعى إلى التخلي عن أن يكون له وجود حقيقي في هذا العالم، وأن يبقى مجرد موجود عابر يمكن أن يتواجد هنا وهناك من دون أن يكون له وجود يبقى ولو حتى على المستوى الشخصي، أعني على مستوى حضوره كشخص أو كموجود أصيل في هذا العالم.

مثل هذا الموجود يصدق عليه وصف هيدجر البليغ: «الموجود في كل مكان، دون أن يكون في أي مكان»!

ومن هنا يمكن أن نفهم دلالة «كوخ هيدجر» الذي عاش فيه في الغابة السوداء بألمانيا، والذي يعبر عن ارتباطه بالعيش الحقيقي المرتبط بالأرض وبالمكان الحميم وبالناس البسطاء الذين نأنس إليهم وإلى حكمتهم في الحياة: لم يكن هناك في عالم هيدجر شيء من التكنولوجيا (رغم أنه كتب مقالات بالغة العمق عن التكنولوجيا)، ولم يكن هناك شيء من مواقع التواصل الاجتماعي؛ وحتى لو تخيلنا أنه كانت هناك مثل هذه المواقع في عصر هيدجر، فمن المؤكد أنه ما كان لينخرط بشخصه في مثل هذه المواقع.

ومع ذلك كله، فقد أبدع لنا هيدجرـ في أثناء إقامته المنعزلة في هذا الكوخ ـ فكرًا ذاع صيته وتأثيره في كل أنحاء العالم شرقه وغربه، وأصبح متحققًا بوصفه حضورًا دائمًا لا يمكن تجاهله.

ليس مقالي هذا بدعوة إلى أن نعيش حياة مماثلة لتلك التي عاشها هيدجر، وإنما هي دعوة لأن نعيش كموجودات حقيقية لا تحيا على هامش الوجود أو في الوجود الزائف. لم يكن هيدجر يدرك ما سيؤول إليه عالمنا، ولكنه ربما استشعر ذلك.

وكم تمنيت أن أعيش مثلما عاش هيدجر في كوخ صغير، ليس في الغابة السوداء، وإنما في مكان ما ناء على ساحل البحر الأحمر في جنوب مصر، أعني: في مكان أصيل أو حميم بمنأى عن العالم اللاهث! فلا يهم وأين ومتى تعيش، وإنما المهم أن تعيش في مكان أليف بالنسبة إليك، وأن تنتج أفكارًا أليفة أو نافعة تتعلق بحياة الناس والعالم الذي نعيش فيه.

قد يبدو كلامي هنا مسترسلًا في أحلام وأمنيات شخصية، ولكنه في الحقيقة غير ذلك. فليس المقصود من وراء هذا الكلام أن يلتزم كل امرئ بهذا النموذج أو الأسلوب في العيش الذي يستعصي على كثير من الناس في دنيا الواقع؛ وإنما المقصود هو أن يدرب كل امرئ نفسه على القدرة على عدم الانغماس في لهاث هذا العالم الذي تتسارع أحداثه كل يوم، وعدم الانغماس في أخبار وأحداث عالم التواصل الاجتماعي التي تتغير كل لحظة؛ لأننا ينبغي أن نحيا على مسافة من هذا العالم المتسارع الذي يطوي الأحداث باستمرار، مثلما يطوي الموجودات التي تنغمس فيه.

وهذا يعني في النهاية أننا لكي نحيا أو نبقى بشكل أصيل ما في هذا العالم كموجودات بشرية مثقفة، فإننا ينبغي أن نبقى على مسافة ما منه، بحيث يصبح هذا العالم نفسه موضوعًا لتأملنا، سواء في مجال الفكر والإبداع، أو حتى في الحياة المعيشة.