منطقة الخليج على فوهة بركان
27 يناير 2026
27 يناير 2026
في ظل المشهد السياسي المعقد الذي تعيشه منطقة الخليج، يترقب العالم لحظة تحول إيجابي لمنع كارثة تكاد أن تقع بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، في ظل حشود عسكرية بحرية أمريكية، وتهديدات متبادلة بين واشنطن وطهران.
وهناك الأزمة اليمنية التي دخلت مرحلة حاسمة، في ظل ترقب تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة، وفي ظل نغمة الانفصال التي تشكل تحديًا كبيرًا لجيران اليمن.
وفي تصوري إن المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران قد خفَّت حدتها إلى حد ما لكن لايمكن استبعاد اندلاع الحرب الكارثية في ظل ادارة ترامب التي سببت كوارث سياسية واقتصادية، ليس فقط على صعيد المنطقة والعالم، ولكن على صعيد الدول الحليفة في أوروبا، خاصة خلال مؤتمر دافوس؛ حيث أعطى رئيس الوزراء الكندي تحليلًا موضوعيًا حول فلسفة القوة والهيمنة التي تتبعها إدارة ترامب، وإن كانت العبارات غير مباشرة، ولكن الرسالة وصلت.
الكيان الصهيوني هو المحرك لكل أزمات المنطقة بعد أن ارتكب إبادة جماعية في قطاع غزة على مدى سنتين، وصدرت مذكرات اعتقال من محكمة الجنايات الدولية بحق المتطرف نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية، ووزير الدفاع السابق، المتطرف جالانت؛ وعلى ضوء ذلك حبس العالم أنفاسه من اندلاع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وسوف تكون منطقة الخليج العربي هي الساحة المباشرة لتلك الحرب، حيث وجود القواعد العسكرية.
ويمكن القول إن تدخل عدد من دول المنطقة قد أجبر ترامب على التراجع مؤقتًا، وقد يشن الحرب على إيران في وقت ما، وقد يكون الحشد العسكري البحري هو الضغط السياسي على إيران لإبرام اتفاق نووي يتوافق مع طرح الولايات المتحدة الأمريكية وأيضا الكيان الصهيوني، خاصة على صعيد التخلص من التخصيب، وأيضا تدمير الصواريخ البالستية؛ وهو الأمر الذي ترفضه إيران، وهي محقة في ذلك.
الرئيس الأمريكي ترامب أدخل العالم في نفق مظلم بسياسته المتسرعة وغير الموضوعية، من خلال إطلاق المزيد من التهديدات بفرض رسوم تجارية على الدول التي تتعامل تجاريا مع ايران، وأيضا فرض رسوم تجارية حتى على دول الناتو الأوروبية.
ولعل كلمة رئيس الوزراء الكندي التي ألقاها في قمة دافوس تعطي صورة واضحة عن عدم القبول والرفض لسياسة ترامب، والتي تعد سياسة تضر بمصالح الدول. كما أن لغة التهديد الأمريكية لا تساعد على خلق أجواء إيجابية للتوصل إلى حلول توافقية.
مجلس السلام الذي روج له ترامب حول ادارة قطاع غزة هو عملية غير موضوعية وتفتقر إلى المصداقية، خاصة وأن نوايا الرئيس الأمريكي هو جعل مجلس السلام بديلا عن الأمم المتحدة، خاصة وأن ترامب انتقد عمل المنظمة الدولية.
ومن هنا، فإن الأوضاع في منطقة الخليج العربي مقلقة، في ظل التوتر في اليمن وانتهاء التحالف العربي لدعم الشرعية على الصعيد الجماعي، وحتي الثنائي.
ومن هنا، فإن الأزمة اليمنية دخلت على خط التوتر في ظل وجود الممرات البحرية في باب المندب وخليج عدن والبحر الأحمر. ولاشك أن اندلاع الحرب بين واشنطن وطهران سوف يدخل منطقة الخليج العربي في دوامة من التدمير وإغلاق المضايق خاصة باب المندب ومضيق هرمز؛ وهنا، سوف ترتفع أسعار النفط والذهب والغاز الطبيعي إلى أرقام قياسية، وسوف تتأثر التجارة الدولية وسلسلة الإمداد، ويدخل العالم في ركود اقتصادي كبير.
السؤال الأهم: ألا تدرك الإدارة الأمريكية كل تلك المخاطر، حتى على الاقتصاد الأمريكي والدول الحليفة في المنطقة، وعلى الاقتصاد العالمي؛ علاوة على أن اندلاع الحرب سوف تكون كارثية على الجميع، سواء إيران، أو دول مجلس التعاون الخليجي، وأيضا على الملاحة البحرية، وارتفاع أسعار الشحن. كما أن القواعد العسكرية الأمريكية في عدد من دول المنطقة سوف تكون هدفًا للجانب الإيراني. إذن، منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط على فوهة بركان، ولا شك أن الدبلوماسية في مثل هذه الظروف المتوترة تعد حاسمة، ولا أشك لحظة بأن القيادة السياسية في بلادنا سلطنة عمان، ومن خلال الدبلوماسية، تلعب دورًا محوريًا على صعيد خفض التصعيد من خلال الحوار مع واشنطن، وطهران، والدول الشقيقة والصديقة؛ وهذا هو دور سلطنة عمان التاريخي في خفض التصعيد، وتجنيب المنطقة حربًا كارثية؛ ولعل دور سلطنة عمان في الملف النووي الإيراني لا يزال حاضرًا في الأذهان.
والعالم وهو يترقب التوتر الحالي بين واشنطن وطهران يأمل في نزع فتيل الأزمة والعودة إلى طاولة الحوار، والتي كانت جولاتها متواصلة في مسقط وروما، ولكن الرئيس ترامب انقلب بشكل سلبي واتجه إلى قصف إيران ومعه الكيان الإسرائيلي، مما أفقد الولايات المتحدة الأمريكية المصداقية، كونها دولة كبرى تحرص على إحلال السلام والاستقرار في العالم بدلا من إشعال الحروب.
كما أشرنا في مقال الأسبوع الماضي، فإن كل هذه التحركات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران تهدف إلى تغيير نظام الحكم، وتحريك المشروع الصهيوني العالمي، والذي يهدف إلى تنفيذ اتفاقات ابراهام مع الدول العربية والإسلامية، وسيطرة إسرائيل على الشرق الأوسط الجديد، وتمددها في الجغرافيا العربية من خلال خريطة إسرائيل الكبرى التي عرضها المتطرف نتنياهو.
إن الرئيس الأمريكي مدفوع بأجندة صهيونية أوصلته إلى البيت الأبيض، من خلال تبرعات مليونية كبيرة؛ ومن هنا، فإن الرجل يسعى بكل أدوات القوة الكبيرة التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية إلى تنفيذ المخطط الصهيوني، الذي نشهد بعض ملامحه وأحداثه في المنطقة العربية والقرن الأفريقي.. هذا المشروع هو من أخطر المشاريع على الأوطان والأجيال والهوية الوطنية. وهذه ليست مبالغة؛ فمراكز الدراسات والبحوث في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، لديها المرجعيات والخطط وحتى الخرائط الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط.
والسؤال مجددًا: أليس ذلك شرًا مستطيرًا يلوح في الأفق، ويهدد الأمن والسيادة والاستقرار لتلك الأوطان ومقدراتها وأجيالها؟
الإجابة دون أدنى شك هي نعم. والشواهد بعضها علني، والبعض الآخر يدار في الغرف المغلقة.
