كيف يمكن تجسير الانسداد في البرنامج النووي الإيراني؟
29 يونيو 2026
29 يونيو 2026
ترجمة: قاسم مكي
مذكرة التفاهم التي وُقِّعَت مؤخرا بواسطة الولايات المتحدة وإيران هَشّة وتواجه معارضة من متشددين شرعوا في العمل على تفكيكها، لكن ليس بالضرورة أن يكون مصيرها الفشل وعلى العالم التمسك بها كأساس لمدخل دبلوماسي حقيقي بما في ذلك إلى الملف النووي.
المعضلة النووية لأمريكا في إيران، وهي المبرِّر المتكرر للحرب، أبعد من أن تكون في طريقها إلى الحل. وستكون هنالك حاجة إلى مساعدة بلدان أخرى لتخليص طهران وواشنطن من عقلية «المجموع الصفري» التي قذفت بمفاوضاتهما مرتين إلى الحرب. (العقلية التي تتصور أن ما تكسبه إيران في المفاوضات خسارة لأمريكا وما تكسبه أمريكا خسارة لإيران- المترجم).
قطر وباكستان في الوضع الأفضل لقيادة الوساطة. وعلى فرنسا وبريطانيا والصين توظيف مكانتها كدول مسلحة نوويا لتقديم المساعدة الفنية.
لقد سبق رسم الخطوط العريضة للعناصر المفتاحية للاتفاق في محادثات ما قبل الحرب مما يوحي بأن التقدم (في المحادثات الحالية) ممكن.
بدلا من السعي وراء مساومة كبرى يجب التركيز في الأيام الستين التالية للمذكرة على «اتفاقات صغيرة» لبناء الثقة عبر خطوات متبادلة. ويجب أن يكون الهدف الفوري تعزيز عمليات التفتيش وإطالة الوقت الذي تحتاجه إيران لإنتاج مواد نووية كافية لصنع القنبلة.
مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى مستوى يقارب درجة التسليح النووي من بين «وثائقها التأمينية» القليلة التي تضمن لها بقاء الولايات المتحدة على التزامها بالمفاوضات (عدم نكوصها عنها). ومن المستبعد أن تتخلى طهران عن هذا المخزون كله دفعة واحدة.
بدلا من ذلك يمكن أن تعمل إيران مع المراقبين الدوليين والصين على استخراج المخزونات المدفونة في المنشآت النووية المدمرة والشروع في تخفيف تخصيب اليورانيوم المخصّب بدرجة عالية تحت مراقبة دولية.
وقد تصر طهران على أن يتولى طرف ثالث موثوق كروسيا مثلا الحفاظ الآمن على المخزون المخفف التخصيب وإعادته إذا تراجعت الولايات المتحدة عن تعهداتها.
في مقابل ذلك يمكن أن تزيد الولايات المتحدة تدريجيا الإعفاءات عن العقوبات التي وعدت بها بموجب مذكرة التفاهم وإتاحة حصول إيران فورا ودون عراقيل على حصيلة صادرات النفط والأصول المجمدة التي تحتفظ بها بنوك خارجية.سبق لوزارة الخزانة الأمريكية إصدار إعفاءات لطهران لبيع نفطها؛ لكن يجب أن يجد المتفاوضون طريقة لتمكين البنك المركزي الإيراني من الوصول إلى الإيرادات. ويمكن لطهران وواشنطن كلتيهما التراجع عن هذه الخطوات إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود.
على الوكالة الدولية للطاقة الذرية أيضا استئناف عمليات المراقبة والتحقق في المواقع النووية الإيرانية.
كانت الوكالة تعمل في ظل إعتام (غياب) شبه تام للمعلومات منذ بداية مهاجمة الولايات المتحدة لإيران في يونيو الماضي. وحتى إذا نجحت الولايات المتحدة في إزالة المخزون الحالي يمكن لإيران، حسب تقييم الخبراء، إعادة بناء تلك القدرة خلال ثمانية إلى تسعة أشهر.
فقط عمليات التفتيش السلمي للموقع يمكن أن تُطَمْئِن بشأن الأنشطة النووية لإيران. ويبدأ ذلك بإتاحة إيران للوكالة تفتيش كل موقع نووي تعرض للقصف، وربما ذلك في سبيله إلى أن يحدث. فنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس أعلن يوم الاثنين الماضي أن إيران وافقت على استقبال المفتشين، مع احتمال إجراء ترتيبات منفصلة بين طهران والوكالة.
يمكن للأوروبيين العمل في الوقت ذاته مع الصين والتي لديها تأثير كبير على القادة الإيرانيين لتأمين وفاء إيران بتعهداتها بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي والدفع نحو تعزيز مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفقا لبروتوكول إضافي للمعاهدة.
يعني ازدراء دونالد ترامب للمؤسسات الدولية وتفضيله المحادثات النووية الثنائية أن الولايات المتحدة قد لا تعتبر هذا أولوية. وإذا كان ذلك هو الواقع فعلى الدول الأوروبية توظيف احتمال رفع عقوبات الاتحاد الأوروبي المفروضة على إيران للحفز على مسار منفصل بين طهران والوكالة الدولية.
من الممكن أيضا أن يتفق الطرفان على تجميد التخصيب من أجل حفظ ماء الوجه. بذلك يستطيع ترامب الادعاء بأنه حقق «صفر» تخصيب لعدة سنوات قادمة فيما يمكن لإيران الإصرار على أنها لم تتنازل عن «حقها» في التخصيب.
على فرنسا وبريطانيا أيضا اختبار الكيفية التي يمكن أن يحظى بها اتفاق نووي في المستقبل على مباركة مجلس الأمن الدولي وكيف يمكن رفع العقوبات الدولية ثم احتمال إعادتها، خصوصا إذا لم ترضَ الصين وروسيا بتفعيل آلية العودة التلقائية إلى العقوبات المحصَّنة من النقض (الفيتو) والتي سبق لهما قبولها في عام 2015.
على الرغم من أن التخفيف واسع النطاق للعقوبات الأمريكية يظل المقايضة المفتاحية في المفاوضات إلا أن الأطراف الأخرى سيلزمها تقديم مكاسب ملموسة لإيران أولا. فالبلدان الآسيوية والشرق أوسطية يمكنها الضغط للحصول على إعفاءات أمريكية طويلة الأجل لمساعدة إيران على مقابلة احتياجاتها الضرورية لإعادة البناء في فترة ما بعد الحرب.
المستقبل النووي لإيران غير مكتوب حتى الآن. وإذا انهارت المرحلة التالية من المفاوضات قد تتوصل طهران إلى أن الاتفاق مع ترامب مستحيل.
وستجد أن من المغري لها التحرك نحو إنتاج السلاح النووي كرادع ضد الهجمات المستقبلية. وستكون الولايات المتحدة حينها عالِقَة في «حملة قصف» لن تنتهي أبدا.وبالسعي نحو هذا الاتفاق الإطاري أقرَّ ترامب باستنفاد الخيار العسكري وأدركت طهران أنها لا يمكنها حُكم بلد يسكنه 90 مليون نسمة عبر استراتيجية «بقاء» أو الاحتفاظ بمضيق هرمز «رهينة». وعلى الجانبين الآن لعب أوراقهما في المفاوضات بدلا عن ذلك.
إيلي جيرانمايه نائبة رئيس برنامج الشرق الأوسط وشمال افريقيا بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية -
الترجمة عن الفاينانشال تايمز
