صناعة كفاءات أم تصنيع عقبات؟
28 يونيو 2026
28 يونيو 2026
تسترجع ذاكرتي بأدق التفاصيل مقابلتي الوظيفية الأولى، لن أدعي التوتر حينها ولا أدعي الثقة في الحصول على الوظيفة كذلك، لكني أذكر يقينًا كيف كانت مكثفة تفصيلية طويلة (حوالي ساعتين)، يحضرها ستة مختصين في مجالات مختلفة، استشعرت خلالها عناية اللجنة برفع سقف القبول للوظيفة، وحرصها على انتخاب الأفضل وفقا للمعايير الكثيرة المتنوعة الموضوعة لذلك بين مسارٍ تخصصي وآخر فني وثالث مهاري.
لكن صدمتي الحقيقية بدأت بعد ذلك بزمن من حصولي على الوظيفة فعليا واجتيازي تحديات القبول.
عرفت من زملاء كثر بأن مقابلة الزملاء غير العمانيين لم تكن كمقابلة العمانيين؛ حيث كانت أسهل بمراحل، حتى أن بعضهم اكتفت اللجنة بمقابلته هاتفيا (متعجبة حتى من وسيلة تأكدهم من شخص المرشح للوظيفة عبر الصوت).
كل تلك التفاصيل تعود للذاكرة كلما قرأت أو تابعت شروطا وظيفية جديدة تصاغ للباحثين عن عمل من العمانيين لا تكون هي ذاتها شروط التعيين لغير العمانيين في كثير من الأحيان. وفي الواقع ما استفز ذاكرتي مؤخرا صدور القرار الأخير من وزارة التعليم بشأن الشروط والضوابط الجديدة للالتحاق ببرنامج التأهيل التربوي.
يمثّل المعلم حجر الزاوية في أي منظومة تعليمية، وكما يقول هنري آدامز «المعلم يؤثر في الأبدية، ولا يمكن معرفة أين ينتهي تأثيره»، وهو ما تؤكده الأدبيات التربوية الدولية في أن كفاءة المعلم هي العامل الأكثر تأثيرا في تحصيل الطلبة؛ وضمن هذا الإطار اتجهت السياسات التعليمية الحديثة إلى رفع معايير القبول في البرامج التربوية استقطابا للكفاءات العليا نهوضا بهذه المهمة الجسيمة في تعليم وتربية الناشئة.
وفي سلطنة عُمان يأتي القرار الوزاري الأخير بشأن شروط القبول في التخصصات التربوية وبرنامج التأهيل التربوي مؤكدا هذا الاتجاه، من خلال تحديد معدلات أكاديمية مرتفعة (مثل اشتراط 80% لدخول التخصصات التربوية) وإضافة معايير نوعية كالاختبارات التحريرية واختبارات اللغة والمقابلات الشخصية واللياقة الصحية وغيرها، غير أن هذا التوجه، رغم وجاهته من حيث تحسين جودة التعليم، يثير إشكالية جوهرية تتعلق بالتوازن بين رفع جودة المدخلات البشرية وضمان العدالة في فرص العمل للشباب الباحثين عن وظيفة. وحيث تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن نظام التعليم يواجه تحديا دائما في تحقيق التوازن بين الانتقائية العالية لضمان الجودة والانفتاح في توفير الكوادر البشرية وهو ما دفع اليونسكو لوضع حد أدنى عالميا لمؤهلات المعلم(درجة البكالوريوس) شرطا أساسيا للتدريس، مع التأكيد على ضرورة التدريب العملي والاختبارات المهنية، فإن تحليل القرار بين مبرراته وجدواه يصل تحسين جودة التعليم بتنظيم مسار إعداد المعلمين عبر توحيد شروط برنامجي البكالوريوس التربوي ودبلوم التأهيل التربوي تقييدا لعشوائية القبول وتكدس الطلب على التعيين.
القرار يرتكز على فلسفة «النخبة المهنية»الساعية للارتقاء بمهنة التدريس إلى مستوى المهن ذات الانتقائية العالية (كالهندسة والطب)، كل ذلك خير نطلبه مبتغى مجتمعيا يحترم التدريس مهنة ترقى الدول برقيها، لكن الخوف من أن تكون تلك المنطلقات ضمن هذا القرار وسيلة لتصنيع العقبات في طريق الباحثين عن عمل من الشباب العماني الذي اختار التعليم مجالا لطموحه ومسارا لرؤاه.
يظهر ذلك من خلال إشكالية العدالة الانتقالية (Transitional Justice) حين لا يحدد القرار بوضوح الفئات التي يسري عليها: إذا طبق على خريجي الدبلوم العام الجدد كان قرارا منطقيا منسجما مع التخطيط المسبق، أما تطبيقه بأثر رجعي على خريجي التخصصات التربوية أو الملتحقين بالبرنامج فإخلال بمبدأ العدالة مصطدما بتوقعات قانونية ومهنية سابقة، وهنا يمكن استحضار مبدأ «الثقة المشروعة» في السياسات العامة، القاضي بعدم تغيير القواعد بشكل يضر بمصالح أفراد بنوا خياراتهم على معايير سابقة، فضلا عن البعد الاجتماعي متمثلا في إغلاق مسارات مهنية أمام الشباب، خاصة في مجتمعات ذات فرص محدودة، قد يؤدي إلى توترات اجتماعية متمثلة في تلاشي طموحات عائلية بنيت على التخطيط السابق، والأخطر من كل ذلك ضعف أو فقدان الثقة في السياسات التعليمية المتغيرة بعيدا عن الواقعين الاجتماعي والاقتصادي، وأخيرا استفزاز المواطنين برفع سقف شروط التعيين مع قبول غير العمانيين بشروط أقل ومرونة أكبر.
ولعل الاستشهاد بتجربتي كل من فنلندا وسنغافورة نافع هنا حيث الاتجاه نحو الانتقائية الصارمة للجميع مع إعطاء الأولوية للمواطنين مع التأكيد على الكفاءة البحثية والتمكين الوظيفي متضمنا مسارات الترقية والحوافز المالية مقابلا لرفع سقف التعيين.
أما المقاربة المتوازنة لهذا القرار فهي الجمع بين الجودة والعدالة؛ حيث التدرج في تطبيق المعايير الجديدة على خريجي السنوات القادمة من الدبلوم العام، واعتماد مسارات بديلة تتيح برامج تأهيل إضافية لغير المستوفين للشروط، مع العناية بالتمييز الإيجابي للمواطن في اعتماد معايير أعلى أو حتى مكافئة على غير العمانيين إن كان الهدف مرتبطا بالتجويد لا بالتوفير، ثم الربط بين الانتقائية والتحفيز في تحسين الرواتب ورفع المكانة الاجتماعية للمعلم، ليمكن حينها التأكيد على أن رفع معايير القبول في برنامج التأهيل التربوي خطوة استراتيجية نحو تحسين جودة التعليم.
قيمة القرار تكمن في كيفية تطبيقه وليس في مضمونه وحسب؛ فالمعادلة الدقيقة التي ينبغي تحقيقها هي اختيار النخبة دون إقصاء الطموحين، ورفع الجودة دون الإخلال بالعدالة، فلنرفع المعايير لكن لنرفع معها الجسور لا الحواجز، ولنصنع طريقا يمرّ منه الأكفأ دون أن يضيع فيه الطموح.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية
