أهمية توثيق الدور الحضاري العماني في المحيط الهندي

28 يونيو 2026
28 يونيو 2026

تمتلك عُمان واحدة من أقدم التجارب الحضارية البحرية في العالم؛ إذ لم تكن عبر تاريخها الطويل دولة منغلقة داخل حدودها الجغرافية، بل كانت مركزا حضاريا، انطلقت منه الهجرات وشبكات التجارة والعلم والدعوة والتواصل الإنساني إلى مناطق واسعة من آسيا وأفريقيا.

وتشير الشواهد التاريخية إلى أنّ التواصل العُماني مع السواحل المقابلة للخليج العربي يعود إلى ما قبل الإسلام؛ حيث نشأت روابط سكانية وتجارية وثقافية مستمرة بين عُمان وسواحل فارس وموانئ مضيق هرمز، ولا تزال بعض المجتمعات في تلك المناطق تحتفظ بروابط تاريخية وأسرية وثقافية مع عمان حتى اليوم.

ومع بزوغ الإسلام، شارك العمانيون في بناء أحد أهم المجالات الحضارية البحرية في التاريخ الإسلامي، فامتدت حركتهم التجارية والعلمية والدعوية من سواحل الخليج العربي إلى الهند والسند والصين، ومن شرق أفريقيا إلى جزر المحيط الهندي وعالم الملايو في شرق آسيا.

خلال زيارتنا مؤخرا للساحل الكيني -الذي كان يوما ما تابعا لسلطنة زنجبار- رأينا رأي العين آثار الوجود العماني القديم في تلك المنطقة؛ إذ تعود بعض الآثار إلى حقب قديمة جدا قدم التاريخ نفسه، وتسجّل المصادر التاريخية هجرات عمانية مبكرة إلى تلك المناطق، منذ العصور الإسلامية الأولى.

وتَعَزّز هذا الحضور عبر القرون التالية؛ فظهرت مجتمعات عُمانية مستقرة، وأسهم العُمانيون في تأسيس الموانئ والأسواق والمدن، ونشر الإسلام واللغة العربية، وإقامة المؤسسات الدينية والعلمية، ونسج علاقات حضارية عميقة مع شعوب تلك المنطقة.

واليوم لا تزال آثار هذا الحضور قائمة في أسماء المدن والقرى والأحياء، وفي المقابر والمساجد والأوقاف، وفي أسماء العائلات والقبائل، وفي اللغة والعادات والتقاليد والذاكرة الشعبية؛ ففي ممباسا مثلا، هناك مسجد المنذري، الذي بُني عام 1570م، وهو يدار حتى يومنا هذا من قبل المناذرة العُمانيين.

وهناك مسجد الشكيلي، والمسجد الإباضي، ومسجد المزروعي، وكذلك هناك مساجد عُمانية في ماليندي ولامو، تحمل أسماء عُمانية ويديرها عمانيون حتى يومنا هذا.

كما أنّ هناك بيوتا قديمة لعُمانيين هاجروا إلى هناك منذ أكثر من خمسة قرون، منها منازل ومساجد وقبور النباهنة في جزيرة «باتي».

وقد مررنا على قرية بين ممباسا وماليندي تسمى «الشرياني»، كما زرنا مقبرة في ممباسا تسمى «مقبرة الرستاق».

إنّ الإرث الحضاري العماني، لا يقتصر على السواحل الإفريقية فقط، بل يمتد عبر نطاق جغرافي واسع، يشمل السواحل والجزر المقابلة لعمان في الضفة الشمالية للخليج العربي، ومضيق هرمز وموانئه التاريخية، مرورا بسواحل باكستان والهند وسريلانكا وجزر المحيط الهندي. وهناك حاليا أعداد متزايدة من الدراسات الحديثة تسلط الضوء على إسهام البحارة والتجار والعلماء العُمانيين في حركة انتشار الإسلام عبر طرق الملاحة والتجارة في المحيط الهندي، ولا سيما في شرق إفريقيا وعالم الملايو في شرق آسيا؛ حيث شارك العُمانيون ضمن الشبكات الإسلامية البحرية الكبرى التي أسهمت في إيصال الإسلام إلى مناطق واسعة من جنوب شرق آسيا؛ وخير شاهد على ذلك مسجد عبد العزيز العُماني في «ملقا»، والذي يُعد شاهدا حيا على الدور الذي لعبه العُمانيون في نشر الإسلام بجنوب شرق آسيا، إذ أسسه الشيخ عبدالعزيز الملكاوي العُماني عام 1414م ليكون أول مسجد عُماني في المنطقة، ومركزا للتعليم الديني والتواصل الثقافي.

وارتبط المسجد بالبلاط الملاوي؛ حيث منح السلطان بارامسوارا، التجار والعلماء العمانيين مكانة بارزة في البلاط، مما عزز شرعية الدولة الإسلامية الناشئة.

وأذكر أننا في عام 2010، زرنا مسجد «قهوة خانة» في بومبي، وهو مسجد يعود لعام 1813، بناه العمانيون الذين مخروا العباب إلى شرق آسيا وشرق أفريقيا، وكانت بومبي وقتئذ محطة التوقف الرئيسية للسفن المبحرة.

لقد ساهم العُمانيون عبر تجارتهم البحرية الممتدة من الخليج إلى الصين في نشر الإسلام، بوسائل سلمية قائمة على الأخلاق والصدق، وأدخلوا الأبجدية العربية إلى لغات الملايو، وأسهموا في بناء شبكة من المراكز الدينية والتعليمية.

بهذا أصبح مسجد عبدالعزيز العُماني رمزا للتحالف بين التجارة والدعوة، وجسرا حضاريا يربط بين عمان وملقا (ماليزيا حاليا)، ويجسد كيف امتد تأثير العمانيين ليجعل من ملقا بوابة الإسلام في الملايو وركيزة أساسية في تاريخ المنطقة.

في زيارتنا لجزيرة «باتي» في كينيا، اكتشفنا وجودا عمانيا قديما، وتكاد الجزيرة أن تكون نبهانية بجدارة، بناسِها وقصورها وبيوتها ومقابرها ومساجدها. وأهل تلك الجزيرة يتحدّثون شفاهة عن تاريخهم، وقد أخبرَنا أحد أئمة المساجد أن السلطان سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني، سكن تلك الجزيرة وتزوّج من هناك من خديجة موانا كومبا، وله ذرية إلى اليوم، هو أحدهم، وأنه بنى لها مسجدا تقام فيه الصلوات حتى الآن.

وفي كل الأحوال، فإن الأمر بحاجة إلى التثبت والتحقق وتسجيل تلك الشهادات الشفوية؛ لأنّه بالرغم ضخامة الإرث العماني في أكثر من بقعة، إلا أنه لا يزال موزعا بين الوثائق والأرشيفات والروايات الشفوية والآثار الميدانية المنتشرة في عشرات الدول، ولم يُجمع حتى الآن في مشروع وطني شامل يوثق المجال الحضاري العُماني خارج حدود الدولة الحديثة.

في زيارتنا لممباسا، لاحظنا الجهود المشكورة التي بذلتها هيئة الوثائق والمحفوظات العُمانية للحفاظ على بعض الإرث العماني هناك، وعلمتُ أنّ فريقا يستعد للذهاب إلى هناك لتسجيل التاريخ الشهفي، لكني من المؤمنين بأنّه مهما كانت هناك مخطوطات ووثائق وشهادات شفهية، فإنها إن لم تر النور ولم تكن متاحة للباحثين والمهتمين، فوجودها كعدمه.

بعد زيارتنا لساحل كينيا وقبل ذلك لزنجبار، أظن أنّ هناك حاجة ملحة إلى إطلاق مشروع وطني استراتيجي لتوثيق الدور الحضاري العُماني عبر المحيط الهندي، يتجاوز حدود التاريخ السياسي، إلى دراسة الإنسان العماني وآثاره الحضارية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية في مختلف مناطق انتشاره، بهدف توثيق المجتمعات ذات الأصول العمانية وجمع التاريخ الشفهي وحفظه وتوثيق المقابر والنقوش والشواهد التاريخية، مثل: المساجد والأوقاف والمؤسسات العلمية وإنشاء قاعدة بيانات وطنية شاملة تكون مرجعا تاريخيا للأجيال والمهتمين.

ويمكن لنا أن نستفيد من تجارب دول أخرى عديدة، سبقت إلى تنفيذ مشاريع مشابهة لتوثيق حضورها الحضاري خارج حدودها، مثل أيرلندا التي أنشأت برامج واسعة لدراسة الهجرات الأيرلندية، وأرمينيا التي وثقت مجتمعاتها المنتشرة في العالم، والصين التي أسست مراكز متخصصة لدراسة الصينيين فيما وراء البحار، والهند التي اهتمت بتوثيق تاريخ جالياتها العالمية، (هنا لا بد أن أشير إلى أنّ سفير الهند في تنزانيا ذكر لأحد السفراء، أنّ السفارة الهندية هناك تحتفظ بعناوين كلِّ أفراد الجالية الهندية المهاجرة إلى تنزانيا)، وكذلك فإنّ البرتغال أطلقت مشاريع لرصد آثارها التاريخية والثقافية عبر القارات.

إنّ إطلاق مشروع من هذا النوع سيحفظ جزءا مهما من الذاكرة الوطنية العُمانية، ويوثق إسهام العُمانيين في الحضارة الإنسانية، ويقدم للأجيال القادمة صورة متكاملة عن الامتداد الحضاري لعُمان عبر آسيا وأفريقيا والمحيط الهندي على مدى قرون طويلة، وقبل أن تسبقنا إلى ذلك أياد تستهدف العكس؛ فممّا لاحظناه أنّ هناك من يدفع الأموال الآن لطمس التاريخ العُماني هناك، ولا يمكن أن يقال إنّ ذلك مستحيل ولن ينجح، فمن يملك المال والسلطة يملك التوجيه، فحتى في عصر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- كان للمؤلفة قلوبهم نصيب من الزكاة.

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.