حوكمة الذكاء الاصطناعي ليست بهذه الطريقة
28 يونيو 2026
28 يونيو 2026
ترجمة: قاسم مكي
يوم الجمعة قبل الماضي أصدرت حكومة الولايات المتحدة توجيها غير عادي أجبرت به عمليا إحدى شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة في أمريكا على سحب منتجها الأكثر تقدما من السوق.
حسب الأخبار، منحت الحكومة شركة أنثروبيك، صانعة نموذج الذكاء الاصطناعي الأحدث «ميثوس» وشقيقه المتاح تجاريا «فيبل»، مهلة قصيرة لا تتعدى 90 دقيقة للتقيد بذلك. (وجهت وزارة التجارة الأمريكية بعدم إتاحة استخدام النموذجين المذكورين للأجانب وتم لاحقًا استثناء الأجانب الذين يعملون في مؤسسات وشركات أمريكية محددة- المترجم). من المفهوم ألا ينتبه الناس لهذه الحكاية؛ لقد تكشفت خلال انسحاب الإدارة الأمريكية من حرب إيران. لكن في الأمد البعيد قد يتضح أن ذلك التصرف أكثر خطورة.
فالصراع بين واشنطن وأنثروبيك لا يتعلق في الحقيقة بشركة واحدة. إنه أول معركة واضحة للعيان حول الجهة التي تتولى حوكمة الذكاء الاصطناعي وما إذا كانت هذه الحوكمة تحدث عبر القواعد التنظيمية والمؤسسات أم ارتجالا ومن خلال القوة الغاشمة. (وفقا لتعريف منظمة يونسكو تشير حوكمة الذكاء الاصطناعي إلى إطار السياسات واللوائح والموجِّهات الأخلاقية التي تشرف على تطوير ونشر الذكاء الاصطناعي- المترجم).
يجب أن يكون واضحا الآن تحوُّل الذكاء الاصطناعي إلى تقنية متعددة الأغراض تنساب إلى كل شيء يفعله البشر من التجارة إلى الحكومة والحياة الشخصية. وتوجد باطِّراد مؤشرات على أنه قوي بالفعل وعلى نحو يطابق ما هو مُتخيَّل عنه.
مؤخرا، سرد مارك وارنر عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي عن ولاية فريجينا الأمريكية شهادةً أدلى بها الجنرال جوشوا رود الذي يقود وكالة الأمن القومي والقيادة السيبرانية الأمريكية.
مفاد شهادته أن نموذج الذكاء الاصطناعي الأحدث لشركة أنثروبيك «ميثوس» كان قادرا على اختراق كل الأنظمة الحكومية «المصنَّفة أمنيا» تقريبا ليس خلال أسابيع أو أيام ولكن في غضون ساعات.
السؤال الآن ليس تنظيم الذكاء الاصطناعي ولكن كيف. كانت مقاربة إدارة ترامب بالغة الإرباك. ففي هذا الشهر (يوم 2 يونيو) وقّع الرئيس ترامب على أمر تنفيذي يؤسس لعملية مراجعة طوعية لنماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدما ويمنح الوكالات الحكومية المعنية 60 يوما لتصميم إطار عمل يحدد الأنظمة التي تتطلب فحصا أمنيا معزَّزا. أشار الأمر التنفيذي إلى شيء معقول هو الإشراف المهَيْكَل والفحص المسبق للنماذج والعتبات الأمنية الواضحة (التي تتطلب فرض رقابة على نماذج الذكاء الاصطناعي عند تخطِّيها -المترجم). لكن حتى قبل تأسيس تلك العملية أعلن البنتاجون أن أنثروبيك تشكل خطرا على سلاسل التوريد. ووجهت إدارة ترامب، في لحظة ما، الوزارات الفيدرالية بالكف عن استخدام أنظمتها.
مخاوف الحكومة ليست تافهة؛ إذ يبدو أن أنثروبيك ارتكبت أخطاء حقيقية. يشير تقرير لصحيفة واشنطن بوست إلى أنها توسعت في إتاحة استخدام ميثوس بما يتخطى النطاق المصدَّق به حسب اعتقاد المسؤولين. ثم بعد ذلك تحركت ببطء في الاستجابة للمخاوف بشأن هوية مَن كان يسمح له باستخدام النموذج. وذُكِر أن الوكالات الاستخبارية فضلت ردا أكثر تشددا على الشركة.
لكن ذلك بالضبط ما يفسر أهمية العملية التنظيمية؛ فعندما تصبح تبعات التقنية بهذه الخطورة لا يمكن اتخاذ القرارات اعتباطا.
بمهلة 90 دقيقة التي مُنحت لشركة أنثروبيك وأجبرتها في الواقع على سحب نموذجها الجديد، كانت أمريكا تقول للشركاء حول العالم إذا صار اقتصادكم معتمدا على البنية التحتية الأمريكية للذكاء الاصطناعي يمكن للولايات المتحدة أن تسمح باستخدامها ومنعها عشوائيا ودون تحذير أو توضيح.
لسوء الحظ، يبدو أن التنظيم «بالأهواء» والمتعسّف والذي لا يمكن توقعه هو ما تتصف به مقاربة هذه الإدارة الأمريكية للعمل التجاري. فبدلا من وضع قوانين ومقاييس واضحة يمكن أن يتعامل معها الجميع تختار شركاتٍ فردية وتعاقبها. وكثيرا ما يكون ذلك على أساس قانوني غير واضح لتصرفاتها.
سارعت الحكومة لاقتناء حصة في شركة إنتل وأجبرت شركة إنفيديا على دفع ضريبة خاصة وأخذت «سهما ذهبيا» في شركة الصلب «يو إس ستيل.» وفي حالات أخرى بدت تصرفاتها مرتبطة بعلاقات واستثمارات لأصدقاء وعائلة الرئيس. هذه ليست طريقة لإدارة البلد الرأسمالي الأكثر تقدما في العالم.
من الواضح هنالك ضغينة بين إدارة ترامب وأنثروبيك. ففي بداية الصراع بين الشركة والبنتاجون اتهم وزير الدفاع بيت هيجسيث شركة أنثروبيك بالخيانة وازدواجية المواقف. وانتقد كبار مسؤولي الإدارة الشركة مرارا وذكروا أنها موالية لحركة «الاستيقاظ» وتغالي في توظيف الديمقراطيين. كما سخر ترامب علنا من الشركة. الذكاء الاصطناعي أهم من أن يُخضَع لهذا النوع من تسوية الحسابات.
هنالك طريقة أفضل للمضي إلى الأمام. إنها متجذرة في «ابتكار» أمريكي نجح على نحو غير عادي. لقد صارت البنوك بالغة الأهمية للنظام الرأسمالي. فهي تقدم رأس المال الذي يشكل شريان حياة الاقتصاد الأمريكي. لكن العمل المصرفي عُرضة للأزمات والتي تترتب عنها عواقب وخيمة، لذلك أوجدت الولايات المتحدة المؤسسات.
يظل بنك الاحتياطي الفيدرالي من أعظم المؤسسات التي «ابتكرتها» الولايات المتحدة؛ فهو يجمع بين السلطة العامة والخبرة الخاصة، وهو يتواصل باستمرار مع الأسواق وفي الوقت ذاته يحافظ على استقلاله. وهو ينفذ عمليات تفتيش ويجري اختبارات إجهاد (تُعرف أيضا باختبارات التحمُّل أو الضغط للتحقق من مدى قدرة البنوك على الصمود في وجه الأزمات- المترجم). كما يحدد البنك الفيدرالي متطلبات رأس المال وينشر توجيهات ويتدخل بخطوات متدرجة. والأكثر أهمية أن القواعد التي تحكم العمل المصرفي تُطبَّق بشكل واسع وبانتظام. هذا بالتقريب ما يحتاجه الذكاء الاصطناعي المتقدم.
لذلك المطلوب إنشاء (كيان) يماثل البنك الفيدرالي للذكاء الاصطناعي تحت إدارة خبراء في التقنية والأمن القومي والتجارة. وإلزام مطوري الذكاء الصناعي الأكثر تقدما بإتاحة نماذجهم للتقييم قبل إطلاقها. وتحديد عتبات (لا يمكن تخطيها) للقدرات الخطرة. وبناء سلَّم استجابات تبدأ درجاته بالتحذيرات ثم المعالجات فالإطلاق المشروط للنماذج ثم القيود، وذلك بدلا من الحظر الفجائي. ثم أخيرا جعل هذه القواعد قابلة للتطبيق بقدر متساوٍ على الجميع.
على أمريكا إنشاء مثل هذا النظام. ويمكن لأوروبا واليابان إيجاد مؤسساتهما النظيرة والخاصة بهما. على الديمقراطيات تنسيق المعايير، تماما مثلما تنسق البنوك المركزية الاستقرار المالي.
هذه ليست محاجَّة لإبطاء الابتكار؛ لقد هيمنت بنوك أمريكا على العالم لأنها جيدة التنظيم وليس على الرغم من تنظيمها. لكن السرعة (في تطوير ونشر الذكاء الاصطناعي) بدون وجود مؤسسات ليست دينامية. إنها تقلُّب خطير.
سيكون الذكاء الاصطناعي التقنية الأهم في عصرنا. وهو يستحق تنظيما ذكيا وشفافا ومرنا ومتَّسقا وليس محكوما بالأهواء الذاتية وعقابيا ومرتجلا.
التحدي ليس الاختيار بين الابتكار والإشراف. لقد أظهرنا أننا يمكننا بناء مؤسسات قادرة على الحفاظ عليهما كليهما.
فريد زكريا كاتب رأي في صحيفة واشنطن بوست ومقدم برنامج يتناول القضايا الدولية والشؤون الخارجية على شبكة سي أن أن.
