هل السوق الأوروبية الموحدة للطاقة فكرة سديدة حقا؟
28 يونيو 2026
28 يونيو 2026
مهما تكن مآلات مسار السلام بين الولايات المتحدة وإيران، ومهما يكن اتجاه أسعار الطاقة العالمية، فإن التداعيات الاستراتيجية لاضطرابات الإمدادات التي شهدها هذا العام باتت واضحة بالفعل.
لقد أكدت هذه الأزمة، مرة أخرى، ضرورة التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، ليس فقط للحد من تغير المناخ، بل أيضا لتعزيز أمن الطاقة. غير أن أوروبا، التي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة، تواجه تداعيات أخرى أقل وضوحا، لكنها قد تكون في نهاية المطاف أشد أثرا. فإذا أرادت القارة وقف التراجع الحاد في حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي خلال هذا القرن، فلا بد لها من خفض تكاليف الطاقة.
لا يُعزى تراجع التصنيع في أوروبا إلى انحسار الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الكيماويات والأسمدة والصلب، فحسب، بل أيضا إلى أن الصناعات الأوروبية تدفع مقابل الكهرباء ما يعادل ضعف ما يدفعه منافسوها في الولايات المتحدة والصين. وما دام هذا الواقع قائما، فستواصل القارة التخلف عن ركب صناعات المستقبل، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد على قدرات حوسبية تستهلك كميات هائلة من الكهرباء.
لقد اعتدنا سماع الطرح المتفائل الذي يبشر بالانتقال من الوقود الأحفوري المستورد إلى طاقة متجددة تُنتج محليا وتتميز بقدرتها على المنافسة من حيث التكلفة. غير أن الصدمة الأخيرة، كما حدث مع أزمة الطاقة التي فجرتها الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، كشفت مرة أخرى عن القدر الكبير من التمنيات الذي ينطوي عليه هذا التصور. فصحيح أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يمكن توليدهما محليا، إلا أن الصناعة التي تقوم عليهما ليست محلية بالمعنى الحقيقي؛ إذ تعتمد مصادر الطاقة المتجددة على سلاسل إمداد ممتدة عبر العالم، تهيمن عليها الصين. ورغم أن تكلفة المعدات تواصل انخفاضها، فإن هذا الانخفاض لا يمثل سوى جزء يسير من التكلفة الإجمالية اللازمة لضمان استمرار إمدادات الكهرباء خلال مرحلة التحول إلى الطاقة المتجددة.
فعلى سبيل المثال، لا تزال أوروبا بحاجة إلى استثمارات ضخمة في شبكات نقل الكهرباء، نتيجة تزايد حصة الكهرباء في إجمالي استهلاك الطاقة، فضلا عن بُعد كثير من منشآت الطاقة المتجددة عن شبكات الكهرباء القائمة. وفي نهاية المطاف، سيقع عبء استرداد هذه التكاليف على عاتق مستهلكي الكهرباء.
وفوق ذلك، ارتفعت أسعار الكهرباء بفعل الطبيعة المتقطعة لمصادر الطاقة المتجددة، بما يستلزم توفير أنظمة لتخزين الكهرباء في البطاريات أو الاعتماد على مصادر بديلة عندما لا تشرق الشمس أو لا تهب الرياح. كما أسهمت في هذا الارتفاع سياسة الاتحاد الأوروبي، التي استمرت على مدى عقدين، لإنشاء سوق موحدة لتجارة الكهرباء بالجملة بلا حواجز داخلية. ويكشف هذا المزيج عن فجوة متزايدة بين أجندات الطاقة الوطنية للدول الأعضاء والأجندة الاتحادية على مستوى الاتحاد الأوروبي، وهي قضية مرشحة لأن تتصدر المشهد في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة العام المقبل. وتعمل سوق الكهرباء الداخلية في الاتحاد الأوروبي وفق نظام التسعير الهامشي، حيث يحدد سعرُ أغلى ميجاواط/ساعة مطلوب لتلبية إجمالي الطلب سعرَ الكهرباء في السوق بأكملها. وبما أن مصدر الإمداد الهامشي، الذي يُلجأ إليه لسد الفجوات عندما لا تشرق الشمس أو لا تهب الرياح، يتمثل في الكهرباء المولدة بواسطة توربينات الغاز، فقد شهدت الأسعار مؤخرا قفزة حادة بعد أن أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل صادرات الغاز القطرية.
توضح مبادئ الاقتصاد الجزئي التقليدية سبب كفاءة هذا النموذج بالنسبة لأوروبا ككل. والمنطق ذاته يقف وراء توصية الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، ماريو دراغي، بإزالة أكبر قدر ممكن من الحواجز الداخلية أمام أسواق السلع والخدمات الأوروبية. غير أن ما يعد نتيجة أفضل لأوروبا في مجموعها قد لا يكون بالضرورة صفقة رابحة للدول التي تنتج وفرة من الكهرباء منخفضة الانبعاثات الكربونية بتكلفة هامشية متدنية. وفي مقدمة هذه الدول إسبانيا والبرتغال الغنيتان بالطاقة الشمسية، وفرنسا التي تعتمد على الطاقة النووية.
ويعود بناء محطات الطاقة النووية الفرنسية وشبكات نقل الكهرباء المرتبطة بها إلى فترة سبقت بوقت طويل تصدر قضية تغير المناخ جدول أعمال سياسات الطاقة.
واليوم، فإن التركيز التاريخي لفرنسا على الأمن الوطني والاكتفاء الذاتي منحها موقعا متقدما في مسار التحول في مجال الطاقة. فهي تنتج كهرباء نظيفة وآمنة بتكلفة هامشية منخفضة، بعدما استوعبت بالفعل الجزء الأكبر من التكاليف الرأسمالية الثابتة. غير أن المكاسب التي يمكن أن تجنيها القدرة التنافسية الفرنسية تتآكل بفعل نظام التسعير الهامشي المعتمد على مستوى الاتحاد الأوروبي، وهو أمر لم يمر دون أن يلفت الانتباه.
وقد سارع حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف إلى استثمار هذه القضية، بينما يواصل تعزيز حضوره استعدادا للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027.
قد تكون أسواق الكهرباء المجزأة أقل كفاءة من الناحية الاقتصادية بالنسبة لأوروبا ككل، تماما كما أن وجود اتحاد نقدي من دون اتحاد مالي ينطوي على أوجه قصور جوهرية. لكن المضي في التكامل الاقتصادي وفق منطق الكفاءة، سواء في أسواق الطاقة أو في السياسات المالية، قد يثير ردود فعل سياسية عكسية تهدد المشروع الأوروبي برمته. وفضلا عن ذلك، حتى لو انتهى الأمر بأوروبا إلى تحمل قدر من الكلفة الاقتصادية بدافع الحذر السياسي، فقد ينطوي هذا الخيار على بعض الجوانب الإيجابية. فلكل إقليم ودولة أوروبية تحدياتها الخاصة في استبدال الوقود الأحفوري بالكهرباء، على نحو يحقق في الوقت نفسه انخفاض الانبعاثات الكربونية والقدرة على المنافسة في التكلفة مقارنة بالمنافسين العالميين.
ولذلك، فإن الطريق الأكثر ترجيحا للوصول إلى الحلول المثلى قد يمر عبر التجربة والخطأ، ومن الواضح أن مثل هذا النهج يكون أكثر فاعلية عندما يُدار على المستوى الوطني، لا على مستوى الاتحاد الأوروبي.
ومن خلال هذا النهج التصاعدي، الذي ينطلق من الدول إلى المستوى الأوروبي، قد تنخفض الكلفة الإجمالية للأخطاء بالنسبة للقارة بأسرها. كما أن وجود منافسة ضمنية بين الدول سيحفز كلّا منها على ابتكار الاستراتيجيات الأكثر ملاءمة لظروفها واحتياجاتها الخاصة. وقد قدمت المملكة المتحدة بالفعل مثالا على ما قد يحدث عندما يُراهن على خيار واحد دون غيره؛ إذ يرى خبير اقتصاد الطاقة ديتر هيلم أن البلاد أصبحت في وضع «مؤسف»، نتيجة اندفاع غير مدروس نحو الطاقة المتجددة أدى إلى ارتفاع أسعار الكهرباء الصناعية إلى ضعف مستواها في أوروبا، رغم أن أسعار الطاقة الأوروبية نفسها لا تُعد تنافسية عالميا. وفي المقابل، تُظهر إسبانيا والبرتغال ما يمكن أن تحققه التجارب التي تُدار على المستوى الوطني؛ فخلال ساعات النهار المشمسة، تنتج شبه الجزيرة الإيبيرية كهرباء تفوق احتياجاتها.
صحيح أن تعزيز خطوط الربط الكهربائي بين شبه الجزيرة الإيبيرية وفرنسا من شأنه أن يتيح للمستهلكين في بقية أوروبا الاستفادة بدرجة أكبر من الكهرباء الوفيرة والرخيصة. لكن فرنسا تعارض مثل هذه الترتيبات؛ حرصا على حماية محطاتها النووية من المنافسة الإسبانية، وغيره من الأسباب.
ففي ساعات الليل، لا سيما عندما تهدأ الرياح، قد يُطلب من المحطات النووية الفرنسية، التي توفر الكهرباء بصورة مستقرة على مدار الساعة، أن تتولى موازنة شبكة الكهرباء في شبه الجزيرة الإيبيرية، وهي شبكة كشفت أزمة انقطاع الكهرباء التي شهدتها العام الماضي عن هشاشتها. ورغم أن تخزين الكهرباء في البطاريات بات يمثل حلا واعدا بصورة متزايدة لمشكلة تقطع إنتاج الطاقة المتجددة، فإن تكاليف إنشاء هذه البنية التحتية والمدة الزمنية اللازمة لاستكمالها لا تزال غير واضحة.
وفي نهاية المطاف، يبدو من قبيل المثالية المفرطة الاعتقاد بأن الحكومات الأوروبية قادرة على الاتفاق على آلية عادلة ومقبولة سياسيا لتقاسم التكاليف داخل أسواق الطاقة الأوروبية. فمعضلة الطاقة تثير شكوكا حول المقولة التي ترى أن «المزيد من أوروبا» يمثل الحل السحري لتحديات القدرة التنافسية التي تواجهها القارة. ففي بعض الأحيان، يكون الأقل أكثر جدوى.
فإذا أُوكل إلى كل دولة تنفيذ تحولها الخاص في مجال الطاقة، ستصبح الحكومات أكثر حرصا على توفير كهرباء منخفضة الانبعاثات ومنخفضة التكلفة، فيما ستنجح الدول التي تطور النماذج الأكثر كفاءة في جذب الاستثمارات الأكبر والوظائف الأعلى قيمة. ومن المفيد هنا استحضار فكرة «العملات المتنافسة»، التي طرحتها المملكة المتحدة عام 1990 بوصفها مقترحا بديلا للاتحاد النقدي الذي كانت فرنسا تدفع باتجاهه. ففي هذا التصور، يُضمن تكافؤ الفرص اللازم لقيام منافسة فعالة على مستوى الاتحاد الأوروبي من خلال تطبيق سياسة صارمة لتسعير الكربون. ومن شأن هذه الإشارة السعرية أن تحول دون إفضاء سياسات الطاقة الوطنية إلى تقويض الأهداف المشتركة، وبذلك يظل أخذ القيود السياسية في الحسبان بعيدا عن الوقوع رهينة لمنطق القومية القائم على المكاسب والخسائر الصفرية. وكما هي الحال دائما، يبقى على أوروبا أن تحسن الموازنة بين مقتضيات الكفاءة الاقتصادية ومتطلبات الحكمة السياسية.
بريجيت غرانفيل أستاذة الاقتصاد الدولي والسياسة الاقتصادية في جامعة كوين ماري في لندن، ومؤلفة كتابي «تذكر التضخم»، و«ما الذي يعاني منه الاقتصاد الفرنسي؟».
خدمة بروجيكت سنديكيت
