تتويج شعبوية مقاومة للاستبداد

29 يونيو 2026
29 يونيو 2026

تقول الحكمة التقليدية إن هناك ردّ فعل استبداديا إثنيا-قوميا ضد الرأسمالية العالمية والديمقراطية الليبرالية يقود سياسات القرن الحادي والعشرين، ومع ذلك، أظهرت التطورات الأخيرة أن هذا التمرد السياسي أكثر تعقيدا ودقة مما يبدو.

ففي عصر التغير التكنولوجي والاقتصادي السريع، يتجه الناس حتما إلى الماضي. لكن الحنين إلى الماضي يمكن أن يُلهم في الوقت نفسه القوميين الإثنيين وكذلك أولئك الساعين لمقاومة الاستبداد.

قد يساعدنا هذا المنظور على فهم سبب وصول دونالد ترامب إلى السلطة مرتين في الولايات المتحدة على أساس وعد باستعادة العظمة الوطنية.

وبينما يحاول كثيرون استيعاب المفارقة المتمثلة في رئيس مناهض للعولمة يواصل في الوقت نفسه السعي إلى إبرام «صفقات» في مختلف أنحاء العالم، قد تكون أوروبا الوسطى والشرقية هي المفتاح لإعادة تأطير هذه المسألة.

بين عامي 1989 و1991، أنتجت هذه المنطقة أكبر زلزال سياسي في أواخر القرن العشرين.

فقد تعبّأ الناس خلف رؤية تجمع بين الليبرالية والديمقراطية ممزوجة بالقومية، من أجل رفض الأممية الشيوعية في الحقبة السوفييتية.

اليوم، تشكل هذه المنطقة بؤرة تأكيد جديد للقومية في مواجهة الاستبداد، وكذلك في مواجهة التعديات الأجنبية. ومن أبرز علامتين على هذا الاصطفاف السياسي الجديد الهزيمة التي مُني بها فيكتور أوربان أمام بيتر ماجيار في انتخابات المجر في أبريل، ومقاومة ألبانيا لخطط عائلة ترامب لتحويل جزيرة ساسان إلى وجهة سياحية صاخبة ومبالغ فيها.

ورغم أنه لا يوجد تفسير واحد لانتصار ماجيار، فإنه لا يمكن تجاهل تركيزه على الهوية الوطنية، والفساد، والتدخلات الأجنبية في السياسة المجرية.

فقد كان من الواضح أن ترامب، ونائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، وتاكر كارلسون، وغيرهم من الشعبويين اليمينيين الأمريكيين، يرغبون في استخدام المجر لتدويل حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» (MAGA).

كما لم يكن تدخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الشأن المجري سرّا.

وقبيل الانتخابات، أعاد متظاهرون مجريون إحياء هتاف مرتبط بالانتفاضة المناهضة للسوفييت عام 1956: «روسكيك هازا!» (أي: الروس، عودوا إلى دياركم!).

في ألبانيا، يتعبأ الرأي العام ضد خطة إيفانكا ترامب وجاريد كوشنر لبناء منتجع شاطئي فاخر على جزيرة ساسان، وكذلك لتطوير شواطئ تقع حاليا ضمن محمية ساحلية للحياة البرية في بيشِه بورو-نارتا.

إن أمل إيفانكا في استقطاب النخبة العالمية يستحضر فورا اقتراح والدها غير المبرر بتحويل غزة إلى منتجع شاطئي راق.

وقد لاحظ الألبان ذلك، وأطلقوا حملة شعبوية لحماية شواطئهم البكر وقيمهم في آن واحد. فهم يرون في مشاريع التطوير السياحي الموجهة للأثرياء جدا لعنة لا نعمة. وينبغي أن يخدم أي تطوير واستثمار جديد رفاه الألبان، بدلا من أن يعود بالنفع على صناعة أحادية استغلالية.

إن هذه الانتفاضات الأخيرة ضد التعديات الأجنبية الفاسدة قد تشير إلى نموذج جديد للتعبئة السياسية. وما نشهده ليس تعبيرا عن ذلك النوع نفسه من القومية الإثنية العدوانية التي يروج لها كثيرون في حركة «ماغا» (MAGA)، بل هو شيء مختلف.

يمكن النظر إلى موازاة تاريخية أخرى؛ ففي عاصمة ليتوانيا، فيلنيوس، حيث يخشى كثيرون أن تكون الهدف التالي للكرملين، سيُعرض الشهر المقبل معرض يضم تيجان دفن أُعيد اكتشافها مؤخرا تعود إلى دوقية ليتوانيا الكبرى في القرن السادس عشر، وهي دولة كانت تمتد من منطقة البلطيق حتى أعماق أوكرانيا الحالية.

وتتمحور هذه المعروضات حول ثلاث شخصيات بارزة: ألكسندر ياغيلون، ملك بولندا والدوق الأكبر لليتوانيا، ووالدته إليزابيث النمساوية، التي أنجبت في نهاية المطاف أربعة أبناء أصبحوا ملوكا، وباربرا رادزيفيل، الزوجة الثانية لسيغيسموند الثاني أوغستوس، ملك بولندا والدوق الأكبر لليتوانيا. ومن ثَم فإن التيجان الثلاثة تعود إلى العصر الذهبي لسلالة ربطت جزءا كبيرا من وسط أوروبا.

ولكل من هذه الاكتشافات تاريخها المثير الخاص؛ فعلى الرغم من العثور على جثث أفراد العائلة المالكة البولندية-الليتوانية مصادفة عام 1931 في ليتوانيا التي كانت آنذاك دولة مستقلة، فقد أُخفيت مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولم يُعاد اكتشافها إلا في عام 2024.

واليوم، لا تمثل هذه الرموز الملكية مجرد رموز وطنية فحسب، بل أيضا تذكيرا بماض مشترك. وعندما كانت مستخدمة، كانت التيجان تمثل السلطة الشرعية في ما يسميه الباحثون المعاصرون «الملَكيات المركبة» أي الشبكات المعقدة من الزيجات التي ربطت بين قشتالة وأراغون وكاتالونيا، أو إنجلترا وويلز واسكتلندا.

بالنسبة لماجيار، تُعدّ تاج القديس إسطفانوس الذي يعود إلى القرن الحادي عشر مرجعا محوريا أيضا.

فبعد أن انتشرت على نطاق واسع صورة له وهو يصلي أمام عرض التاج في قاعة القبة في البرلمان المجري، استغل تلك اللحظة ليصرّ على أن يؤدي جميع أعضاء البرلمان الجدد قسمهم الدستوري على هذه القطعة المقدسة.

كما يُعدّ تاج القديس إسطفانوس رمزا للملكية المركبة، ولصمود المجر في مواجهة الهزائم والانكسارات التاريخية.

فقد ارتداه آخر ملوك آل ياغيلون في المجر، لويس الثاني، عندما لقي حتفه في خندق خلال معركة موهاكس عام 1526. وبعد أن عثر خدمه على التاج في طين مجرى نهر تشيلي، أصبح لاحقا يُرتدى من قِبل جميع حكام آل هابسبورغ تقريبا حتى نهاية الملكية (باستثناء الإمبراطور جوزيف الثاني الذي كان شديد النزعة العلمانية ورفض هذا التقليد).

ثم تم تهريب التاج خارج المجر في نهاية الحرب العالمية الثانية، وأُودع في حصن فورت نوكس في ولاية كنتاكي مع احتياطي الذهب الأمريكي، قبل أن يُعاد إلى المجر عام 1978.

وفي كل حالة من هذه الحالات، تقوم دول أوروبية أصغر بإبراز فكرة أن الشرعية السياسية يمكن أن تُستمد من تاريخ مشترك. وقد وجدت هذه الدول أداة قوية لمواجهة مشروع قومي-إثني أجنبي تقوده في الحقيقة مصالح تجارية وسياسية وعسكرية.

وعندما يُقارن هذا التاريخ بتيجان العصور الوسطى الحقيقية التي ما تزال تحمل معنى سياسيا في عصر تسوده السخرية والريبة، فقد تبدو العروض الذهبية البراقة التي يقدمها ترامب أقل تأثيرا بكثير.

هارولد جيمس أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون، ومؤلف كتاب «سبع أزمات انهيار: الأزمات الاقتصادية التي شكلت العولمة».

خدمة بروجيكت سنديكيت