الذكاء الاصطناعي .. ضوابط قبل فوات الأوان!
29 يونيو 2026
29 يونيو 2026
غابرييلا راموس / إميليا ستويمنوفا دوه
إن ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي قبل أقل من أربع سنوات قد أطلق بالفعل سلسلة من لحظات «سبوتنيك».
فكما أن إطلاق الاتحاد السوفيتي لأول قمر صناعي إلى المدار في عام 1957 قد هزّ الولايات المتحدة ودفعها إلى تطوير برنامجها الفضائي، فإن إطلاق نموذج ChatGPT في نوفمبر 2022، وهو نموذج لغوي ضخم يُظهر مستوى غير مسبوق من التعقيد، قد أثار في جميع أنحاء العالم مزيجا من الإعجاب والخوف. وتسارعت شركات التكنولوجيا الأخرى لتطوير أدوات مماثلة، في الوقت الذي حذّر فيه خبراء، من بينهم رائدا الذكاء الاصطناعي يوشوا بنجيو وجيفري هينتون، من أن هذه التقنية قد تشكل خطرا على الوجود.
جاءت لحظة «سبوتنيك» التالية في يناير 2025 مع إطلاق DeepSeek-R1، وهو نموذج متقدم طوّرته شركة ناشئة صينية بتكلفة حوسبة أقل بكثير من النظم الأمريكية التي ينافسها.
وقد شكّل ذلك تحديا لافتراض أن الولايات المتحدة تمتلك تفوقا تكنولوجيا لا يمكن زعزعته، وكذلك للاعتقاد بأن تقييد الوصول إلى الرقائق سيؤدي إلى إبطاء المنافسة.
لكن ربما كانت أكثر لحظات «سبوتنيك» إثارة للقلق هي ظهور نموذج ميثوس «Mythos» التابع لشركة أنثروبيك «Anthropic » في أبريل؛ إذ بدا هذا النموذج، القادر على تحديد نقاط الضعف في الأنظمة المالية وشبكات الدفع والبنية التحتية الحيوية الأخرى، كأنه يمثل تحولا نوعيا في ما يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي القيام به. فهو يقرّب الذكاء الاصطناعي من مفهوم «الذكاء الفائق»: حيث تبدو قدرات التعلم الذاتي في متناول اليد، ومعها تتلاشى حدود السيطرة البشرية.
إن كون شركة Anthropic، وليس جهة حكومية، هي التي اتخذت قرار إطلاقه بشكل تدريجي ومضبوط (ولم تتخذ الولايات المتحدة إجراءات إلا مؤخرا بعد إتاحته للعامة) يسلط الضوء على الغياب الصارخ لحوكمة الذكاء الاصطناعي.
وقد تكون العواقب وخيمة؛ خذ على سبيل المثال إيترنال بلو «EternalBlue»، وهو استغلال برمجي طوّرته وكالة الأمن القومي الأمريكية. وبعد تسريبه بفترة وجيزة في عام 2017، استخدمه قراصنة في تنفيذ هجوم الفدية الذي استهدف هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة، ما أدى إلى إلغاء ما يقرب من 7000 موعد طبي. كما كان EternalBlue أيضا وراء هجوم NotPetya السيبراني الذي طال شركة الشحن العالمية العملاقة ميرسك، متسببا في أضرار قُدّرت بنحو 10 مليارات دولار.
فإذا كان هذا هو أثر تسريب ثغرة واحدة، فتخيل ما قد يحدث إذا وقع Mythos، الذي اكتشف بالفعل أكثر من 10,000 ثغرة، في الأيدي الخطأ.
لقد كانت الاستجابة الحكومية لهذه التطورات غير كافية إلى حد كبير. ومع ذلك، سعت الهيئات الدولية إلى توجيه الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي. ومن بين هذه الجهود توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والاتفاقية الإطارية لمجلس أوروبا حول الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان، ومبادئ الذكاء الاصطناعي الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والميثاق الرقمي العالمي للأمم المتحدة. وتُقر هذه الجهود، التي ساهمنا فيها، بأنه لا جدوى من الابتكار إذا لم يكن متوافقا مع حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.
لكن حتى الآن، يُعد الاتحاد الأوروبي الجهة القضائية الوحيدة التي حوّلت هذا الدرس إلى قانون، من خلال قانون الذكاء الاصطناعي لعام 2024. إلا أن التنفيذ يسير بالفعل في مسار متعثر. إذ إن «مدونة الممارسات»، التي كان من المفترض أن تساعد شركات التكنولوجيا على الامتثال لقانون الذكاء الاصطناعي (بما في ذلك التزامات محددة لمزودي النماذج ذات المخاطر النظامية)، هي طوعية. علاوة على ذلك، قام «التشريع الرقمي الشامل» (Digital Omnibus) بتأجيل تطبيق الالتزامات الملزمة للأنظمة المستقلة عالية المخاطر من أغسطس 2026 إلى ديسمبر 2027.
أدّت قمم سلامة الذكاء الاصطناعي التي عقدتها المملكة المتحدة وفرنسا والهند إلى نتائج مفيدة، لا سيما إنشاء معاهد سلامة مُلزمة بالعمل معا ضمن شبكة عالمية. إضافة إلى ذلك، أدخل الأمر التنفيذي الصادر عن الرئيس جو بايدن عام 2023 سياسات معقولة لضمان السلامة والأمن داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي. لكن هذه الجهود تعرضت لانتكاسة خطيرة مع وصول إدارة ترامب، التي ألغت الأمر التنفيذي، وعمّقت في الوقت نفسه تلك الحوافز ذاتها «السعي وراء الربح والتنافس على الميزة الجيوسياسية» التي تغذي سباق الذكاء الاصطناعي منذ بدايته.
وقد أبرز ظهور نموذج Mythos نهج الإدارة غير المتماسك والمتغير.
ففي يونيو، وقّع ترامب أمرا تنفيذيا لتوسيع الإشراف الفيدرالي على النماذج المتقدمة (frontier models)، وهي خطوة معقولة؛ لكن الامتثال لإطار ما قبل الإطلاق، الذي يدعو إلى التعاون بين الوكالات والمطورين في اختبارات الأمن السيبراني، يظل طوعيا.
وبعد بضعة أسابيع، فرضت وزارة التجارة ضوابط تصدير على أحدث نماذج شركة Anthropic دون أدلة واضحة أو تشاور مسبق. وقد قُدّمت هذه الخطوة باعتبارها إجراء للأمن القومي، لكنها حدّت من الرقابة الديمقراطية، وأبعدت الشركاء، وعزّزت جاذبية النماذج مفتوحة المصدر في ما يُعد مكسبا للصين.
علاوة على ذلك، فشلت الحكومة في توضيح سبب استهداف نماذج Anthropic دون غيرها من نماذج OpenAI التي تُعد بالقدرة نفسها، ما يثير تساؤلات مع استعداد هذه الشركات لطرح أسهمها للاكتتاب العام.
في جميع هذه الأحداث، يبرز غياب التفكير الاستباقي بشكل لافت. فبدلا من الاستعداد للصدمات المستقبلية، ينشغل صانعو السياسات بالرد على الصدمة السابقة. لكن قدرات التعلم الذاتي في النماذج المتقدمة تشير إلى أن الاختراقات المقبلة لن تكون تدريجية؛ بل من المرجح أن تحدث فجأة وتُحدث آثارا تراكمية، مما يترك وقتا أقل للتكيف مقارنة بالماضي.
إن الأطر الطوعية، والتقييمات الذاتية التي يجريها القطاع الصناعي، والقمم التي تنتج بيانات إعلان أكثر من كونها التزامات ملزمة، لم تهيئنا لما هو قادم.
لقد أدت لحظة «سبوتنيك» الأصلية إلى إعادة توجيه حقيقية للأولويات والمؤسسات والموارد. فقد أنشأت الحكومة الأمريكية وكالة ناسا، وزادت الاستثمار العام في العلوم والتكنولوجيا، وبعد 11 عاما وضعت رجلا على سطح القمر.
وبطبيعة الحال، فإن الظروف الجيوسياسية اليوم لا تشبه على الإطلاق الحرب الباردة. لكن ينبغي على صانعي السياسات أن يستوعبوا دروس هذه التطورات في الذكاء الاصطناعي، والتي يزداد كل منها قوة عن سابقه. ولضمان أن تتماشى نماذج الذكاء الاصطناعي «وخاصة تلك التي يبدو أنها على وشك إحداث اضطراب في أسواق العمل وتحويل أنظمة الصحة والتعليم» مع القيم المجتمعية، يجب على الحكومات تعزيز النقاش الديمقراطي ووضع ضوابط فعالة وذات معنى. وأي تقصير في ذلك يعرّض العالم لمخاطر جسيمة.
غابرييلا راموس الرئيس المشارك لفريق العمل المعني بعدم المساواة والإفصاحات المالية المتعلقة بالجوانب الاجتماعية.
إميليا ستويمنوفا دوه أستاذة مشاركة في الهندسة الكهربائية بجامعة ليوبليانا.
