غزة .. إنذار مبكّر يحدد مستقبل العالم

05 يناير 2026
ترجمة: بدر بن خميس الظفري
05 يناير 2026

في الأيام الأخيرة اعتمد 168 فلسطينيًا أطباءً رسميًا في مكان قريب من أنقاض مستشفى الشفاء في غزة، واحتُفي بخمسمائة شخص في مخيم الشاطئ لإنجازهم الاستثنائي في حفظ القرآن الكريم بينما توافد الآلاف إلى خان يونس؛ لمشاهدة أكثر من خمسين زوجًا يعلنون عقود زواجهم في احتفال جماعي علني.

في المقابل وجدت الشرطة الإسرائيلية في حيفا وقتًا لضرب واعتقال فلسطيني كان يرتدي زي سانتا كلوز. وبثّ التلفزيون الإسرائيلي مشاهد الدمار الكامل في جباليا من زاوية جندي يطلق النار مروجًا لذلك بوصفه «إنجازًا».

وتقدّم في البرلمان مشروع قانون يدعو إلى فرض عقوبة الإعدام على «الإرهابيين» على أن تُطبَّق فقط على الفلسطينيين الذين يقتلون إسرائيليين يهودا.

وفرضت قوات الاحتلال حصارًا على قباطية وبلدات وقرى أخرى في الضفة الغربية، فقتلت سكانًا، واقتادت معتقلين إلى معسكرات تعذيب، وصادرت الأراضي، وقطعت أشجار الزيتون، وقتلت المواشي، ودمّرت منازل.

ويموت رُضّع من البرد؛ لأن إسرائيل تواصل السخرية من كل بنود ما يُفترض أنه «اتفاق وقف إطلاق النار» في غزة مع مقتل أكثر من 400 فلسطيني في مئات الخروقات الإسرائيلية للهدنة. كما ظهرت شهادات جديدة عن مدنيين فلسطينيين تعرّضوا لاعتداءات وحشية بواسطة الكلاب بعد احتجازهم من دون تهم لدى قوات الاحتلال.

وتفيد تقارير بمقتل أكثر من 700 فرد من عائلات الصحفيين الفلسطينيين ضمن سياسة العقاب الجماعي الإسرائيلية. وقال محمد اللحّام من نقابة الصحفيين الفلسطينيين: إن الاحتلال في «حربه الشاملة على الحقيقة» لا يميز «بين الكاميرا والطفل، ولا بين القلم والبيت».

وعلى الصعيد الدولي توقّع إسرائيل صفقات كبرى للغاز والسلاح مع مصر وألمانيا والإمارات بينما تدرس أستراليا شراء تكنولوجيا مراقبة إسرائيلية. وأصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بـ«أرض الصومال»، ومن الصعب الجزم بما إذا كان ذلك تمهيدًا لخطة تهجير فلسطينيين، أو استطلاعًا متقدمًا لإنشاء قاعدة أمريكية.

وفي هذا السياق يبدو تكثيف القصف الأمريكي للصومال خلال العام الماضي أكثر قابلية للفهم.

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي تواصل الولايات المتحدة تزويد وكيلها الصهيوني بالسلاح والغطاء السياسي بينما تمارس قرصنة بحرية في الكاريبي، وتدّعي ملكيتها الحقيقية للنفط الفنزويلي. وتتواصل المناورات بشأن إيران في وقت يلتقي فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجددًا في مارالاغو. ويعيّن ترامب أوصياء صهاينة على «حدود التعبير المقبول»، ويوقّع أوامر تنفيذية تمنع دخول الفلسطينيين عبر لوائح تأشيرات جديدة.

وفي مقابلة تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك عن هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023 بوصفه حدثًا أشعل خيال الملايين في العالمين العربي والإسلامي قائلاً: «تخيّل أن مليون شخص يحملون الشوك والسواطير يبدأون السير نحو إسرائيل معًا. لقد اشتعل الخيال».

وبينما يقاتل الفلسطينيون من أجل البقاء لا تريد القوى العالمية سوى تمهيد الركام الذي ما تزال تحته آلاف الجثث غير المدفونة في غزة. وأي مسار آخر للأحداث يُعدّ غير قابل للتخيّل.

وعلى نحو قد يبدو مستبعدًا يناقش التقرير الرسمي للجنة أحداث 11 سبتمبر مسألة «الخيال» أيضًا؛ إذ خلص إلى أن أربعة أنواع من الإخفاقات ـ في الخيال، والسياسات، والقدرات، والإدارة ـ كشفتها الهجمات ما يقتضي «مَأسسة الخيال».

أي أن فعل اصطدام الطائرات بالمباني الشاهقة ـ رغم ظهوره مرارًا في ألعاب الفيديو والأفلام ـ كان «غير متخيَّل» قبل 11 سبتمبر 2001؛ ولذلك لم توضع سياسات لمنعه. ويضيف التقرير: «من الضروري إيجاد طريقة لجعل ممارسة الخيال روتينية، بل وبيروقراطية».

غير أن هذا لم يكن تصورًا لمستقبل من السيطرة الشاملة بقدر ما كان وصفًا لما كانت واشنطن ووكيلها الإسرائيلي قد شرعا في نمذجته بالفعل، وهو تقلّص الآفاق في التفكير والبحث والسياسات، وتقسيم العالم إلى «نحن» و«هم».

لقد اتسمت السنوات الخمس والعشرون التي تلت 11 سبتمبر بهستيريا «الحرب على الإرهاب» في الغرب، وبإسقاط شبح «الإرهاب» الإسلامي والعربي والفلسطيني الذي يتذبذب بوصفه مؤشر حرارة تبعًا للمناخ الجيوسياسي.

وخلفت «الحرب على الإرهاب» ملايين القتلى والمشرّدين، ودمّرت دولًا بأكملها. ومع ذلك فإن هذه السياسات ـ حروب أفغانستان والعراق، وتدمير الدولة الليبية، والعقوبات على إيران، والدور الأمريكي في سوريا ولبنان ـ بالكاد تشكّل ومضة في الوعي الأمريكي العام.

ورغم خطاب إدارة ترامب الرافض للانخراط في «حروب لا تنتهي»؛ فإن سياساتها الحالية القائمة على «إسرائيل أولاً» تقول شيئًا مختلفًا تمامًا، وتُبقي حزب الحرب الواحد ممسكًا بزمام الأمور.

لكن ما تغيّر بشكل كبير هو أن الوعي العالمي بفظائع إسرائيل، وبالظلم الصارخ الواقع على الفلسطينيين قد ترسّخ أخيرًا بعد قرن من المقاومة الفلسطينية والإقليمية للصهيونية، ومن النشاط السياسي والثقافي والأكاديمي بمختلف أشكاله.

يمثل هذا تحوّلًا عميقًا ينبغي البناء عليه بكل السبل الممكنة من الفعل السياسي إلى الأطر المؤسسية، ومن العلاقات المجتمعية إلى الروابط الشخصية.

غير أنّه يجب ألا ننسى ولو لوهلة أن ثمن هذا التحوّل يُدفع من دماء الفلسطينيين في خضم إبادة مستمرة في غزة سيحتاج استيعاب حجم فظائعها إلى أجيال طويلة.

في مراكز القرار لم نبدأ سوى في مقاومة البُنى التي تمكّن الإمبريالية والاستعمار.

كما أخفقنا إخفاقًا كاملًا في المهمة الجوهرية المتمثلة في تصوّر وتخيّل الغاية من أنماط الدمار التي يولّدها الجشع الإمبريالي الأمريكي.

إن إقامة مطعم «برغر كينغ» كما فعلت قوات الاحتلال الأمريكية في العراق قرب موقع أور- الذي يُفترض أنه مهْدُ أقدم أنماط الاستيطان البشري منذ آلاف السنين- لم يكن يومًا مجرد تجلٍّ لقوة جيوسياسية.

لقد بدا دائمًا محاولة عنيدة لإعادة تشكيل العالم على صورتنا النرجسية؛ لتدمير متواصل لسلسلة الحياة التي امتدت لآلاف الأعوام، وفرض نماذج جديدة تتمحور حول الاستخراج والاستهلاك تقطع الشعوب والأمم عن مواردها وعن ذاكرتها وأسس وجودها.

ومع استمرار المحاولة الرامية إلى إبادة شعب يتمسّك بأرضه بثبات، ويحافظ على هويته وتاريخه، لا يمكن لعدستنا في المرحلة المقبلة إلا أن تتركز على غزة وفلسطين. غير أن بؤرة التركيز ينبغي أن تكون قوى الإمبريالية التدميرية ودورها في تحويل معادلات المنطقة بأسرها من المقاومة إلى التعاون معها.

والمفارقة أن أولئك الذين يواجهون وحشية إبادة عالية التقنية قد يكونون الأقدر على ابتكار سبل مقاومتها. فمحمد أبو سل أحد أفراد مجموعة من الفنانين في غزة يسعون إلى إنتاج «فن غير قابل للتدمير» عبر الوسائط الافتراضية يكتب: «نؤمن إيمانًا راسخًا اليوم بأن القوة لا تستطيع هزيمة الخيال».

ويكتب أحمد عاشور، وهو محامٍ في غزة: «غزة اليوم ليست استثناءً. إنها إنذار مبكر». وإلى أي مدى سنصغي حقًا إلى هذا الإنذار، ونتحرك حياله بحسم سيحدّد إلى حدّ كبير قابلية مستقبل حياتنا السياسية للاستمرار.