عقيدة ترامب في فنزويلا
05 يناير 2026
05 يناير 2026
نيكولاس مادورو بات الآن الرئيس السابق لفنزويلا، وأسيرًا في قبضة الولايات المتحدة. غير أن إطاحته على يد قوات العمليات الخاصة الأمريكية تُفهم على نحوٍ أدق بوصفها «نهاية البداية» لا «بداية النهاية».
لا شك أن قلة في فنزويلا ـ أو في أي مكان آخر ـ ستنعى رحيل مادورو؛ فقد كان مستبدًا سرق انتخابات، وقمع شعبه، وأوصل اقتصاد بلاده إلى الحضيض رغم امتلاكها احتياطيات نفطية هائلة، واتّجر بالمخدرات.
لكن ذلك لا يعني أن هذه العملية العسكرية كانت مبرَّرة أو حكيمة، بل إن قانونيتها موضع شك. كما أن قيمتها الاستراتيجية موضع شك هي الأخرى؛ فمادورو لم يكن بالكاد يشكّل تهديدًا وشيكًا للولايات المتحدة. وكي لا يلتبس الأمر؛ كانت هذه عملية عسكرية جرى اختيارها، لا عملية فُرضت بالضرورة.
توجد بعض أوجه شبهٍ سطحية بين هذه العملية وتلك التي أطلقها الرئيس جورج بوش الأب عام 1989 لإزاحة رجل بنما القوي مانويل نورييغا من السلطة. لكن الحجة القانونية ضد نورييغا كانت أشدّ متانة؛ إذ لم تتعلق بالمخدرات وحدها، بل شملت أيضًا مقتل أحد أفراد الخدمة العسكرية الأمريكية. وكانت هناك كذلك مخاوف مشروعة من تهديدٍ قد يطال أفرادًا آخرين من العسكريين الأمريكيين المتمركزين في بنما، فضلًا عن أمن قناة بنما نفسها.
إن اختيار فنزويلا هدفًا يكشف الكثير عن دافع الرئيس دونالد ترامب؛ فقد ألمح ترامب خلال مؤتمره الصحفي الذي أعقب العملية إلى أن الأولوية الأساسية كانت ضمان وصول الولايات المتحدة إلى احتياطيات فنزويلا النفطية، وهي الأكبر في العالم.
وشملت الأهداف الثانوية وضع حدّ لتورّط فنزويلا في تجارة المخدرات، ومساعدة الذين غادروا البلاد على العودة إلى ديارهم، وتشديد الخناق على كوبا التي تعتمد بدرجة كبيرة على النفط الفنزويلي المدعوم لإسناد اقتصادها المتعثر الخاضع للعقوبات.
لكن سيكون من السابق لأوانه ـ إلى حدّ بعيد ـ إعلان العملية نجاحًا؛ فإزاحة فردٍ عن السلطة شيء، وإزاحة نظامٍ كامل واستبداله بشيءٍ أكثر اعتدالًا وديمومة شيء آخر مختلف جذريًا وأشدّ صعوبة.
وفيما يخص فنزويلا تنطبق مقولة وزير الخارجية الأسبق كولن باول المعروفة بـ«قاعدة متجر بوتري بارن»: لقد كسرناه، والآن صار ملكًا لنا.
وأعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستتولى «إدارة فنزويلا».
التفاصيل شحيحة، ولا يزال غير واضح ما إذا كان ذلك سيتطلب جيشًا احتلاليًا.
لكن ثمة أمرًا واحدًا يبدو واضحًا على الأقل في الوقت الراهن: إدارة ترامب تُفضّل العمل مع بقايا النظام القائم (إذ يبدو أنها توصلت إلى تفاهم مع نائبة مادورو التي تتولى الآن قيادة الحكومة) بدلًا من تمكين المعارضة، وهذا ينسجم مع سياسة يحركها أفق الربح التجاري، لا رغبة في تعزيز الديمقراطية وصون حقوق الإنسان.
يمكن افتراض تجاوز كل المشكلات المحتملة، لكن المشكلة الأساسية ـ انهيار النظام العام ـ ينبغي الاعتراف بها صراحة.
فالعناصر الموالية للنظام ستظل فاعلة، والمعارضة أبعد ما تكون عن الوحدة، وقد تقاوم أصلًا إقصاءها عن المشهد.
مثل هذه المجهولات قد تفرض على الولايات المتحدة خيارات سياسية شائكة بشأن ما ستكون مستعدة لفعله لتوجيه مسار التطورات إذا ما خرجت عن السيطرة.
تلتقط العملية جوهر سياسة ترامب الخارجية. كانت أحادية في عمقها، ولم تُعر اهتمامًا كبيرًا للقانونية أو للرأي الدولي، وأبرزت نصف الكرة الغربي بدلًا من أوروبا أو المحيطين الهندي والهادئ أو الشرق الأوسط.
كان الهدف تحقيق منفعة تجارية ـ في هذه الحالة الوصول إلى احتياطيات النفط ـ، وتعزيز أمن الداخل ما يعكس القلق من المخدرات والهجرة. وقد استُخدمت القوة العسكرية، لكن ضمن حدودٍ محسوبة.
قد يكون أكبر سلبيات العملية في فنزويلا هو السابقة التي تُرسّخها؛ إذ تؤكد ضمنًا حق القوى الكبرى في التدخل داخل «ساحاتها الخلفية» ضد قادة تعتبرهم غير شرعيين أو مصدر تهديد.
لا يحتاج المرء إلى كثير خيال ليتصور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يدعو إلى «نزع النازية» عن أوكرانيا وإزاحة الرئيس فولوديمير زيلينسكي، وهو يومئ موافقًا.
إن العملية العسكرية لترامب في فنزويلا تجعل التوصل إلى نهاية تفاوضية للحرب الروسية ـ الأوكرانية أبعد مما كانت عليه أصلًا.
ومن المرجح أن يكون رد فعل مماثل حاضرًا في الصين التي تنظر إلى تايوان بوصفها إقليمًا انفصاليًا، وترى حكومتها غير شرعية.
لا يعني ذلك أن الرئيس شي جين بينغ سيتحرك فجأة لتحقيق طموحاته تجاه تايوان، لكن ما جرى في فنزويلا قد يعزز ثقته بأنه سينجح إذا ما قرر الغزو أو الحصار أو ممارسة أي شكل آخر من الإكراه ضد الجزيرة.
وتُظهر عملية الإطاحة بمادورو أن «استراتيجية الأمن القومي» الأمريكية التي أُعلنت مؤخرًا ينبغي أن تُؤخذ على محمل الجد، وأن إدارة ترامب ترى في نصف الكرة الغربي منطقة تتقدم فيها المصالح الأمريكية على غيرها. وستستقبل روسيا والصين ذلك بترحيب باعتباره إشارة إلى أن ترامب يتقاسم معهما تصور عالمٍ مُقسَّم إلى مناطق نفوذ تكون فيه اليد العليا لحكومتي موسكو وبكين في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ على التوالي.
إن النظام العالمي الذي صمد طوال ثمانين عامًا يقف على أعتاب الاستبدال بثلاثة أنظمة إقليمية يُرجَّح أن تكون بعيدة كل البعد عن النظام، أو الحرية.
ريتشارد هاس: الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية، وكبير المستشارين في شركة «سنترڤيو بارتنرز»، و«باحث جامعي متميّز» في جامعة نيويورك
** خدمة بروجيكت سنديكيت
