ديون أمريكا

04 فبراير 2023
04 فبراير 2023

ترجمة قاسم مكي -

أخر مرة حقَّقت فيها الحكومة الفدرالية الأمريكية فائضا في الموازنة كانت في العام المالي 2001. (العام المالي في الولايات المتحدة يبدأ في أكتوبر).

منذ ذلك العام اقترضت الحكومة 20 تريليون دولار تقريبا. إنه رقم كبير حتى لاقتصاد بحجم الاقتصاد الأمريكي. فقد تضاعف الدَّين الفدرالي لدى المقرضين (الأفراد والمؤسسات والحكومات الأجنبية) ثلاث مرات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 32% إلى 94%. وكنت قد حاججت في آخر مقال لي أننا على الرغم من كل هذا الاقتراض لسنا في أزمة مديونية.

في الحقيقة الدَّين الأمريكي من الناحية التاريخية ليس شيئا فريدا على الإطلاق. فمثلا خلال القرون الثلاثة الماضية كانت بريطانيا تخرج من كل حرب كبرى بمديونية أعلى من مستوى الدين الأمريكي الحالي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. واحتاجت إلى عدة عقود لخفض ذلك الدين.

جورج دبليو بوش أهدر إلى حد كبير فائض موازنة العام 2001 في تخفيضات ضريبية فضَّلت الأثرياء وأيضا في غزو العراق. وكلا القضيتين تم تسويقهما للرأي العام بدعاوى زائفة. وفرض دونالد ترامب خفضا ضريبيا كبيرا آخر ينحاز إلى الأثرياء وأيضا تحت مزاعم كاذبة بأن الخفض سيفعل الأعاجيب للاقتصاد.

لم يفعل الديموقراطيون أي شيء بمثل هذه الشناعة. ولن أدخل في تفاصيل مثل هذه المقارنة (بين الجمهوريين والديموقراطيين). لكن خطة الإنقاذ الأمريكية التي جاء بها بايدن بتكلفة تريليوني دولار تبدو لنا الآن متسمة بالغلوَّ وساهمت في تغذية موجة تضخم يبدو أنها تنحسر. لكنها سببت متاعب ليست هيِّنة.

مهما انتقدنا القرارات المالية التي قادتنا إلى هذا الوضع من المهم تذكُّر أن ذلك ليس تماما مثل القول بأننا كان يجب علينا اقتراض أموال أقل من تلك التي اقترضناها بالفعل.

يقينا من الممكن تخيل سيناريوهات (خيارات) بديلة كانت ستجعل مديونيتنا أقل بكثير. لكن في حالات عديدة كان خيار التقشف المالي سيوجد مشاكله الخاصة به. ولربما كانت تكاليف عدم استدانة الكثير من الأموال مرتفعة.

دعونا نناقش متى وكيف نشأت تلك المديونية. من الضروري قياس الدين إلى حجم الاقتصاد. مقياسي المفضل هو الدَّين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي الممكن. لأنه يتجنب بعض التشوهات المرتبطة بالانكماشات الاقتصادية. هذا الناتج عبارة عن تقدير لما يمكن أن ينتجه الاقتصاد عند التوظيف الكامل.

وفي حين لم يكن كل ذلك الإسراف في الإعفاء الضريبي مفيدا سنجد أن نشوء معظم الدين اقترن بحَدَثَين هما الانكماش العظيم بين 2007 إلى 2009 وآثاره اللاحقة ثم جائحة كوفيد-19.

في فترة الانكماش ارتفع العجز أساسا بسبب هبوط الإيرادات الضريبية إلى جانب تراجع الاقتصاد وارتفاع إنفاق شبكة الأمان الاجتماعي خصوصا فوائد البطالة. وكانت حزمة التحفيز التي أعدتها إدارة أوباما عاملا أيضا في ذلك. لكنها كانت فقط جزءا من الحكاية.

في الحقيقة، كان هذا الارتفاع في العجز شيئا جيدا. فقد ساعد على استدامة الإنفاق الذي بدوره عزز الاقتصاد. ويمكن القول إن ذلك كان سببا رئيسيا لعدم تعرضنا مرة أخرى لتجربة الكساد العظيم (في ثلاثينات القرن الماضي.) في الواقع، وكما جادل بعضنا بشدة وقتها، كانت مخصصات حزمة التحفيز أقل مما يكفي ونفدت بأسرع مما هو مطلوب.

لكن هل توجَّب أن يكون هنالك مجهود أكبر لضبط الموازنة بعد انتهاء الأزمة؟ المشكلة هي أن التعافي من الانكماش العظيم كان بطيئا. فقد احتاجت البطالة إلى ثمانية أعوام كي تعود إلى مستواها السابق للأزمة. وكان من شأن خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب للحَدّ من الدَّين أن يجعلا التعافي أبطأ من ذلك.

في العادة يمكن لبنك الاحتياط الفدرالي التعويض عن الآثار الانكماشية لتقليص الموازنة بخفض أسعار الفائدة. لكن بعد الانكماش العظيم لم يتوافر له ذلك الخيار لأنه سبق له أن فعل تقريبا كل ما يمكن أن يفعله بخفض أسعار الفائدة التي يسيطر عليها إلى ما يقرب من الصفر.

لذلك الارتفاع الكبير في حجم الدين من عام 2007 إلى أواخر العشرية الثانية كان في الواقع مبررا بالأحداث الاقتصادية. ومن شأن أية محاولة لتجنب ذلك الارتفاع أن يكون ضررها أكبر من نفعها وذلك بإبطاء تعافي اقتصادنا.

ثم حلَّ كوفيد-19. وهذه المرة ردَّت الحكومة بقوة من خلال تخصيص تريليونات الدولارات في شكل مساعدات للعائلات والشركات والعاطلين عن العمل والحكومات الولائية والمحلية. وكانت النتيجة تعافٍ اقتصادي رافقته مرة أخرى موجة تضخم. لكن يبدو أنها تنحسر. وبالطبع هنالك أيضا قفزة في الدَّين.

إذن هل يجب علينا الشروع في السداد لتقليل هذا الدين الآن؟ إذا تركنا جانبا حقيقة أن ذلك من الناحية السياسية لن يحدث سيكون السؤال: هل الشروع في السداد اقتصاديا فكرة جيدة؟

تعتمد الإجابة في جزء كبير منها على مدى قدرة بنك الاحتياط الفدرالي على موازنة آثار التقشف المالي الانكماشية على مستوى الطلب. في الوقت الحالي لن يكون هذا مشكلة بما أن بنك الاحتياط يرفع أسعار الفائدة لمحاربة التضخم. وكل ما سيحتاجه هو إبطاء هذه الزيادات في سعر الفائدة أو التراجع عنها. لكن كيف ستبدو البيئة الاقتصادية مثلا بعد سنتين أو ثلاثة؟

حسنا. في اعتقادي قد نعود مرّةً أخرى إلى حقبة انخفاض أسعار الفائدة. الأسواق أيضا تتوقع أن يُبطِل بنك الاحتياط الفدرالي العديد من الزيادات الأخيرة في سعر الفائدة ولكن ليس كلها.

ويمكن أن يكون كل هذا غير صحيح. لكن إذا وجدنا أنفسنا مرة أخرى في وضعٍ تتدني فيه أسعار الفائدة ستسبب محاولة خفض الدين الكثير من المشاكل الاقتصادية. وذلك في وقت يفتقر فيه بنك الاحتياط إلى أفضل أداة للتعامل معها.

إذن هل اقترضنا أموالا أكثر مما يلزم؟ ربما لا. في أثناء أزمتي الانكماش العظيم وجائحة كوفيد الاقتصاديتين كانت إضافة المزيد إلى الدين الموجود أكثر من مبررة. فقط كنت أتمنى لو أن بعض الأموال المقترضة استُخدمَت في أغراض أفضل مثل إنهاء فقر الأطفال بدلا من منح إعفاءات ضريبية للشركات وإعادة إنشاء البنية التحتية بدلا من غزو العراق.

لكن في حين كانت أولوياتنا أحيانا غبيَّة لم يكن اقتراضنا كذلك.

• بول كروجمان حائز على جائزة نوبل للاقتصاد في عام 2008 وكاتب رأي في صحيفة نيويورك تايمز.

** "خدمة نيويورك تايمز" ترجمة خاصة بجريدة عمان