دحض مزاعم تفكيك «الدَّولرة»

18 يوليو 2023
ترجمة: قاسم مكي
18 يوليو 2023

الدولار الأمريكي حقا عملة العملات، ذلك يعني أنه بالنسبة للعملات الوطنية الأخرى وبطرائق عديدة مثل النقود عموما للسلع والأصول الأخرى.

في معظمنا، نادرا ما ندخل في مقايضة تجارية، فنحن نبيع سلعا أو خدمات للحصول على دولارات، ثم نستخدم تلك الدولارات لشراء سلع أو خدمات أخرى.

على نحو شبيه بذلك هناك حصة كبيرة من المعاملات الدولية خصوصا في الأسواق المالية تتضمن مدفوعات بالدولار بدلا من العملات المحلية.

السؤال: ما أهمية هذا الدور الخاص للدولار؟ من المهم لاقتصاد العالم أن تكون هنالك عملة مقبولة على نطاق واسع كما هي الحال مع الدولار. وما ليس واضحا إلى حد بعيد أن أمريكا تحصل على ميزات كبيرة من حقيقة أن عملتها هي التي يقع عليها الاختيار.

حاولتُ في غير هذا المقام تفكيك بعض الأساطير حول الدور المركزي الذي تلعبه هيمنة الدولار على المعاملات الدولية بالنسبة لنفوذ الولايات المتحدة. عموما اعتقادك بالأهمية البالغة للدور العالمي للدولار يتناسب عكسيا مع مقدار ما تعرفه فعلا عن هذا الموضوع.

مع ذلك هل يتراجع الدور الخاص للدولار؟ هنالك الكثير من الضجيج الإعلامي الذي يشير إلى ذلك. فأي تلميح بأن بعض المعاملات الدولية قد تتجاوز الدولار كإيحاء السعودية بأنها قد تقبل سداد مبيعاتها النفطية باليوان الصيني تُثار حوله ضجة ضخمة.

(الملياردير) إيلون ماسك أيَّد وجهة النظر القائلة إن أمريكا بتحويلها الدولار إلى سلاح ضد روسيا ضمنت التفكيك السريع للدولرة. وهذا ليس غريبا على ماسك. فتلك هي شيمته.

لكن ماذا بشأن جلب بيانات تؤكد ذلك؟ يفحص تقرير جديد من بنك الاحتياط الفيدرالي عدة مقاييس لهيمنة الدولار ويجد أن هذه الهيمنة ظلت «مستقرة طوال فترة العشرين عاما الماضية»، ويستبعد التقرير تقلص مكانة الدولار في الأجل القصير.

لماذا يعتقد أي أحد بخلاف ذلك؟ لقد تركز قدر كبير من الجدل حول حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي. وهي المخزونات النقدية التي تحتفظ بها البلدان للتعامل مع مختلف الصدمات الاقتصادية.

حقا تدهورت حصة الدولار من مثل هذه الاحتياطيات تدريجيا مع مرور الوقت من 71% في عام 2000 إلى 58% في عام 2022. لكن هذا التدهور يعكس أساسا تنويعها الاحتياطيات إلى عملات أصغر كالدولارات الكندية والأسترالية وليس الانتقال إلى العملات التي تنافس الدولار بشكل جاد.

إلى ذلك، الموجودات الرسمية من عملات الاحتياط جزء بسيط من السيادة العالمية للدولار. فدوره في التجارة الخاصة بوصفه العملة التي تتم بها فوْتَرة الصادرات وتسوية المطلوبات والالتزامات المصرفية وسوى ذلك أهم بكثير.

من المؤشرات التي أفضِّلها حصةُ الدولار في معاملات الصرف الأجنبي والتي ظلت مستقرة عند حوالي 88%. تجدر الإشارة إلى أن هناك جانبين لمثل هذه المعاملات. لذلك تساوي جملة الحصص 200%. وهذا يعني أن سبعا من بين كل ثماني معاملات يكون الدولار طرفا فيها.

الورقة التي أصدرها بنك الاحتياط تجمع كل هذه المقاييس المختلفة في مؤشر واحد لاستخدام العملة العالمية. ولا يُظهر هذا المؤشر أساسا أي تحدٍّ على الإطلاق لسيطرة الدولار.

ماذا بشأن رد الفعل ضد تحويل الدولار إلى سلاح؟ تشير الورقة إلى أن كل عملات الاحتياط الكبيرة تقريبا يُصدِرها حلفاء للولايات المتحدة شاركوا أيضا في العقوبات المفروضة على روسيا. نتيجة لذلك حسب الورقة «ليست لدى الخصوم الجيو-سياسيين العديد من البدائل الجذابة التي يمكن أن تحل محل الدولار الأمريكي».

لماذا يهيمن الدولار بهذا القدر؟ ولماذا تستمر هذه الهيمنة؟

أنا أفضِّل في هذا الصدد مِثال معاملات الصرف الأجنبي والذي يسهل شرحه نسبيا.

تخيل أنك تريد استبدال عملتين صغيرتين نسبيا، لنفترض أنك ترغب في تحويل عملة البوليفيانو البوليفية إلى عملة الرينجيت الماليزية، هل ستبحث عن طرف مقابل يريد إجراء معاملة معاكسة (تحويل الرينجيت إلى البوليفيانو)؟ هذا سيأخذ منك وقتا طويلا. الأيسر والأرخص كثيرا أن تحوِّل البوليفيانو إلى الدولار ثم تستخدم الدولار لشراء الرينجيت.

دور الدولار في مثل هذه المعاملات يعزز نفسه بنفسه. فكلما زاد عدد المعاملات التي يجريها الناس بالدولار كلما صارت أسواق الدولار أكثر سيولة مما يعزز من الميزة التي تتفوق بها على أسواق العملات الأخرى.

كما أن هناك آثار تعزيز ذاتي مماثلة ترسخ هيمنة الدولار وتُدِيمُها في أدوارٍ أخرى.

سبق أن كتب شارلْس كِنْدَلْبيرجر أستاذ الاقتصاد بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مقالة قيِّمَة قارن فيها الدور العالمي للدولار بالدور العالمي الذي تلعبه اللغة الإنجليزية.

معظم الناس يتخاطبون في بلدانهم الأصلية بلغاتهم المحلية ويتاجرون بواسطة عملاتهم الوطنية. لكن عندما يتعاملون تجاريا في الخارج يتحدثون عموما اللغة الإنجليزية ويستخدمون الدولار لأن ذلك هو ما يفعله كل أحد آخر.

هذه المماثلة (بين الدولار واللغة الإنجليزية) ربما من بين أشياء أخرى تُخمِد الحماس لفكرة أن اليوان الصيني قد يتحول عما قريب إلى مهدد جاد للدولار.

نعم الصين قوة اقتصادية عظمى بالفعل. فهي تصدِّر أكثر مما نصدِّر، وناتجها المحلي الإجمالي أكبر ببعض المقاييس من ناتجنا. لكن ما مدى السرعة التي ستتخيَّل أن تتحول بها لغة الماندرين (يستخدمها عدد أقل نسبيا من الناس كلغة ثانية مقارنة بالإنجليزية) إلى لغة التجارة العالمية السائدة؟ حسنا. لا يستخدم العديد من الناس خارج الصين عملتها. لذلك عولمة اليوان تواجه حواجز شبيهة.

كما أن هناك أيضا بعض المشاكل الخاصة بالصين التي تعيق الدور العالمي لعملتها، فأي إيحاء بأن اليوان قد يصبح قريبا عملة عالمية كبرى يصطدم بواقع أن الصين تتمسك بضوابط على رأس المال، فالأموال لا يمكنها الدخول إلى الصين أو الخروج منها دون قيد.

في الواقع ضوابط رأس المال ليست دائما فكرة سيئة، لكنها حاجز كبير للبلد الذي يريد أن يمتلك عملة عالمية، فمن ذا الذي يرغب في الاحتفاظ بالكثير من الأصول عندما لا يعرف أبدا إذا كان في مقدوره سحبها عند الحاجة؟

لكن إذا عدنا إلى الدور العالمي للدولار يمكن القول إن هيمنة العملة الأمريكية لن تدوم إلى الأبد، ذلك لأن لا شيء يدوم، غير أن الضجة الإعلامية حول التخلي عن الدولار معركة في غير مُعترَك، وفي الوقت الحالي يسود الدولار لعدم وجود أية بدائل جيدة.