الشراكة العمانية الفرنسية

27 يونيو 2026
27 يونيو 2026

منذ قرون عدة ارتبطت سلطنة عمان والجمهورية الفرنسية بعلاقات تجارية ودبلوماسية وطيدة؛ حيث بدأت هذه العلاقات باكرا كما ترصدها الأدبيات في القرن السابع عشر، حينما وصل الفرنسيون بحرا قبالة سواحل عمان للاستفادة من الموانئ العمانية؛ حيث كانت عمان مركزا مهما للتجارة البحرية بين الشرق والغرب، مما عزَّز العلاقات التجارية بين البلدين، ووفَّر مساحة مهمة للتعاون التجاري والدبلوماسي المشترك.

وترسَّخت العلاقة العمانية الفرنسية من خلال التبادل الدبلوماسي وتوقيع معاهدة (التجارة والصداقة) في العام 1844 في عهد السيد سعيد بن سلطان، ثم تأسيس قنصلية فرنسية في مسقط العام 1896م، في عهد السلطان فيصل بن تركي.

ومنذ ذلك الحين توطدت هذه العلاقات، وامتدت على المستوى السياسي والتجاري والاقتصادي، عبر مجموعة من الاتفاقيات والعمل المشترك، وقد تميَّزت بالتفاهم المتبادل، والاحترام الدبلوماسي المشترك، الذي انعكس على مجالات مختلفة وامتد إلى العصر الحديث؛ إذ وقعَّت حكومة سلطنة عُمان والجمهورية الفرنسية اتفاق التعاون المشترك في العام 1979م، من أجل ترسيخ المفاهيم المشتركة بين البلدين في تعاون يهدف إلى تطوير المجالات التجارية والاقتصادية، إضافة إلى دعم قطاعات الثقافة والتعليم والتدريب وغيرها، مما يُعزِّز التبادل والتعاون، وتحقيق الأهداف المشتركة.

إن العلاقات التاريخية العمانية الفرنسية، تطوَّرت من علاقات تاريخية إلى شراكة استراتيجية تعزِّزها توافق الرؤى السياسية بين البلدين وفق مرتكزات ومبادئ قائمة على الدعوة إلى السلام وحل النزاعات والحوار الإيجابي، كما أن التعاون العسكري الميداني الذي يهدف إلى حماية الملاحة البحرية ومكافحة القرصنة، والشراكة الاقتصادية خاصة في مجالات الطاقة المستدامة والهيدروجين الأخضر وغيرها، كان له الأثر البالغ في دعم أواصر هذه العلاقة وامتدادها إلى القطاعات الثقافية والتعليمية وغيرها.

فلقد ترسخَّت هذه العلاقة عبر مجموعة من الاتفاقيات والبرتوكولات المشتركة؛ إذ يذكر الباحث سليمان الحسيني في دراسته (نشأة العلاقة الثقافية والتعليمية العمانية الفرنسية وتطورها)، أن العديد من المؤسسات الأكاديمية والثقافية العمانية وقعت اتفاقيات تبادل ثقافي وعلمي مع نظيراتها الفرنسية. إضافة إلى الأدوار الدبلوماسية الثقافية التي تقوم بها الملحقيات الثقافية من خلال دعم آفاق التعاون الثقافي والفني، وتعزيز التبادل بين الخبرات التعليمية والبحثية مع المؤسسات الأكاديمية والتدريبية، كما أن المركز العماني الفرنسي في مسقط يقدِّم فرصا لتعزيز ذلك التعاون من خلال ما يوفِّره من أنشطة متنوعة وبرامج وفعاليات واستضافات مختلفة تهدف إلى دعم تلك التوجهات التي ينشدها البلدان، وتحقِّق ما تصبوان إليه.

كما أن الزيارات الرسمية المتبادلة أسهمت في توطيد العلاقات الثنائية؛ إذ كانت زيارة السلطان قابوس بن سعيد - طيَّب الله ثراه - ، إلى فرنسا في مايو 1989، أول زيارة رسمية يقوم بها سلطان عماني إلى الجمهورية الفرنسية، حيث وضعت الإطار العام الحديث للتنسيق السياسي والتعاون المشترك في مجالات الدفاع والاقتصاد بشكل خاص، تبعها بعد ذلك زيارة للرئيس فرانسوا ميتران في يناير 1992، الذي شارك بمعية السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ افتتاح (المتحف العماني الفرنسي)، ليكون معلما ثقافيا شاهدا على تلك العلاقة التاريخية.

لقد أسهمت هذه الزيارات في تأسيس العديد من المشروعات الثقافية والتعليمية والاقتصادية، كما رسَّخت المبادئ المشتركة بين البلدين، بما عزَّز تبادل الزيارات الخاصة بالوفود الرسمية خاصة في القطاعات الاقتصادية والاستثمار والمشاورات الدبلوماسية، التي أسفرت عن جلسات (الحوار الاستراتيجي العماني الفرنسي)، المتعلِّقة بأمن الممرات المائية الحيوية وحرية الملاحة في مضيق هرمز، والتنسيق المشترك بين البلدين في الأزمات الإقليمية.

لذا فإن العلاقات العمانية الفرنسية لما تتسم به من مبادئ أساسية ومرتكزات قائمة على التعاون المشترك، وتأسيس المشروعات الاقتصادية، وحماية المصالح المتبادلة خاصة في ظل التطورات الأخيرة في المنطقة، فإنها تخطو اليوم نحو آفاق أكثر رحابة واتساعا، فزيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق - حفظه الله ورعاه - تُعد زيارة تاريخية كونها الزيارة الرسمية الأولى لجلالته إلى فرنسا، تلبية لدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

إنها زيارة تهدف إلى توسعة آفاق التعاون، والشراكة الاستراتيجية واستدامتها.

حيث تعِد هذه الزيارة بنقلة نوعية في الشراكة بين البلدين، والتوسُّع في تحقيق مجموعة من الأهداف السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية والتعليمية وغيرها، من خلال حزمة من المشروعات الاستثمارية المشتركة وتوقيع مجموعة من الاتفاقيات وبروتوكولات التعاون، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا وإنتاج الهيدروجين الأخضر، إضافة إلى أهميتها في ربط مؤسسات القطاع الخاص العمانية بالمؤسسات الفرنسية النظيرة، مما سيُسهم في تعزيز الاستثمارات المشتركة، وجذب المشروعات المختلفة التي تدعم أهداف رؤية «عمان 2040»، وتُسهم في تحقيقها.

إن هذه الزيارة سيكون لها أثر بالغ الأهمية في تعزيز التشاور والتنسيق السياسي في مجموعة من الملفات والقضايا الإقليمية والدولية، خاصة بعد ما أنتجته التحديات الجيوسياسية الأخيرة من تداعيات مهمة على المستوى التجاري والاقتصادي وحرية الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، كما أنها تمثل دورا بارزا في إرساء التفاهم وتقريب وجهات النظر وتعزيز الحوار المشترك بما يدعم السلام في منطقة الشرق الأوسط، خاصة لما تتميَّز به عُمان من مكانة وما تقوم به من دور فاعل باعتبارها (وسيطا موثوقا للسلام).

كما أن هذه الزيارة سيكون لها دور فاعل في توسعة التعاون الثقافي والعلمي المشترك بين البلدين، من خلال دعم المشروعات المتحفية خاصة الشراكة الأكاديمية مع (متحف عُمان عبر الزمان)، أو تطوير (المتحف العماني الفرنسي)، وتوسعة آفاق التعاون في البرامج التدريبية ودعم البعثات الأكاديمية سيما في المجالات العلمية مثل التكنولوجيا المتقدمة وإدارة المتاحف الحديثة، والتحوُّل الرقمي وغيرها من المجالات الثقافية والعلمية التي يمكن تطويرها وفقا لما يتميَّز به البلدان من إمكانات.

إضافة إلى تلك الإمكانات التي سيوفِّرها التعاون المشترك في القطاع الثقافي، سواء على مستوى الأنشطة الثقافية المشتركة، أو الاستفادة من التجارب الفرنسية الرائدة في مجالات الصناعات الإبداعية خاصة في الأزياء والموضة، والفنون البصرية والسمعية بشكل عام، وكذلك تجارب التوثيق التاريخي والمُتحفي، وإدارة المؤسسات الثقافية، وحوكمة القطاع الثقافي وغيرها، مما سيُسهم في تمكين هذا القطاع وتعزيز آفاق الاستثمار في الفرص التي يوفرها لسوق العمل.

إن زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق - حفظه الله ورعاه - إلى فرنسا، تأتي ضمن تلك الجهود التي يقودها جلالته لدعم العلاقات الدبلوماسية العمانية وتوسعة الشراكات الاستراتيجية القائمة على مبادئ الحوار والسلام والتفاهم من ناحية، وتعزيز أواصر التبادل الاقتصادي والثقافي والتعليمي من ناحية أخرى، لذا فإنها زيارة تاريخية تهدف إلى ترسيخ الرؤى السياسية والاقتصادية، وفتح منافذ جديدة للاستثمارات والشراكات الاقتصادية التي تعزِّز الثقة في الاقتصاد العماني، وتدفع إلى فتح فرص جديدة لسوق العمل، وتدعم التنمية البشرية والانفتاح على العالم.

عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.