مستقبل السياسات الاجتماعية
27 يونيو 2026
27 يونيو 2026
في الحديث عن السياسات الاجتماعية، يستوجب بقدر ما تعمل غاية السياسة للحد أو حل المشكلات القائمة آنيًا أو تداركها، أن تعمل على مراقبة منهجية صارمة لما يُعرف بالإشارات الضعيفة (Weak signals)، وهي مؤشرات قد تكون في صيغة مؤشرات كمية، أو سلوكيات ممارسة، أو ظواهر محدودة الانتشار، أو أحداث متكررة تحدث في المجتمع - وقد تصنف كونها عارضة - لكن مع مرور الوقت تتخذ منحى الظاهرة أو الحالة الاجتماعية السائدة، وبالتالي تغير في مستقبل المجتمع وهياكله، وقد تغير في بنيته ونظمه القائمة.
على سبيل المثال؛ ظهور نمط جرمي معين في منطقة ما قد يكون (بعين راصد ما) مجرد سلوك عرضي، لكن تكرره إما في فترات زمنية لاحقة، أو في مناطق أخرى قد يشكل (إشارة ناشئة) تستوجب المراقبة والرصد المستمر، على مستوى الدوافع، والأنماط، والتأثيرات، ونطاق الانتشار.
من هنا فإن جودة السياسات الاجتماعية هي في القدرة على استيعاب تلك الإشارات بصورة منهجية وموضوعية (عدم إهمالها أو المبالغة في تضخيمها)، ووضعها في سياق أجندة ومعالجات السياسة، على مستوى برامجها ومبادراتها ورسائلها الموجهة لمختلف عناصر البناء الاجتماعي.
على سبيل المثال، انتشار تفسيرات شعبية للبيانات الرسمية الحكومية، ومحدودية تداول محتوى البيان الرسمي في مقابل التفسيرات العمومية هو في وجه قد يعبر عن خلل في منظومة الاتصال الحكومي، لكن تكراره، وانتشاره لدى فئات موسعة يعبر عن حالة أخطر من فقدان الثقة بالمؤسسات الرسمية، وبالتالي في هذه الحالة فإن الدول التي تريد أن تبني سياسة اجتماعية صائبة يستوجب عليها معالجة هذا الخلل في الثقة أولًا؛ لأن كل ما سيأتي لاحقًا من مستهدفات تلك السياسة وبرامجها سيكون محكومًا بهذه الإشارة الناشئة.
وكمثال آخر، العزوف الصامت عن المشاركة الاجتماعية؛ بمعنى أنه حتى مع توفر الوسائل (مجالس، مؤسسات، لجان، فرق، مبادرات أهلية ومجتمعية...) وتنوع أغراضها، وتنوع اختصاصاتها وأعمالها؛ إلا أن حضور الأفراد فيها يكون مجرد حضور اسمي أو شكلي دون فاعلية أو مبادرة أو قيادة للتغيير؛ فهذه إشارة ناشئة، والسياسة الجيدة هي التي تدركها وتضع من الآن المحكات اللازمة لضمان عدم تطورها أو تأثيرها على «الروح الجمعية» أو على المشاركة الاجتماعية كإحدى أدوات ووسائل حفظ الاستقرار المجتمعي وديمومة المجتمع.
هذه أمثلة مبسطة، ولكن على مستوى الحالة الاجتماعية (الديناميكية) - أي المتفاعلة والمتغيرة بشكل مستمر - تبرز عشرات الإشارات الناشئة دوريًا؛ ما يستحق مراقبتها والتنبه لها قطاعيًا ومكانيًا وفئويًا.
منظومة الرصد التي تعمل بشكل فعال هي تلك التي تجعل المربي في المنزل أبعد من كونه موجها، أو معيلا، إلى كونه مراقبًا للسلوكيات الناشئة، ومندمجًا في إطار الرصد، ومشاركًا في وضع السياسات بطريقة مباشرة وغير مباشرة.
والمعلم في المدرسة أبعد من دوره ناقلًا للمعرفة، إلى كونه مراقبًا اجتماعيًا لوحدة اجتماعية هامة تتفاعل فيها عديد الإشارات على السلوكيات والظواهر والمظاهر والمؤشرات، التي يستطيع من خلالها أن يصعدها ويدمجها في مستوى السياسة.
وإمام المسجد أبعد من كونه يؤدي وظيفة الإمامة أو الخطابة إلى كونه مراقبًا سلوكيًا للتغيرات في النمط الديني والاجتماعي ومدخلًا مهمًا لصنع السياسات الموجهة للمستقبل.
هناك العديد من الإشارات التي تنشأ في مختلف المجتمعات على حد سواء، قد نراها اليوم بعين الإشارة العرضية؛ لكنها تتحول مستقبلًا إلى واقعة وظاهرة وطبيعة، من مستوى تآكل درجات الانتباه العام لدى المجتمع (تزايد عوامل التشتيت الاجتماعي) إلى القياس الدقيق لمدى إمكانية تعرض المجتمع للمحتوى الزائف والأهم مدى البناء عليه معرفيًا وفكريًا -، مرورًا بارتفاع مستويات التنقل الوظيفي وضعف الانتماء لمؤسسة بعينها، وصولًا إلى زيادة الطلب على نمط إسكان معين، مع إشارات وجود الفجوة بين المكتسب التعليمي (الشهادات) وبين المكتسب التطبيقي (المهارات) وتوسع الفجوة باطراد، إلى ضعف المواجهة الاجتماعية لدى قطاع كبير من الأطفال والشباب لصالح المواجهة الإلكتروني، ولا يمكن إغفال ظاهرة «الانسحاب الاجتماعي»؛ بمعنى ميل الفرد للانزواء عن أي مكون اجتماعي (مناسبات، تجمعات، مبادرات، اتصال اجتماعي...) والذي أصبح نمطًا سائدًا لدى فئات عمرية مختلفة.
وإشارات من قبيل تأخر سن الزواج والتعزب الاختياري، وتآكل حالة الصبر الاجتماعي، وغيرها عشرات الإشارات، التي ربما أنها تحضر في أحاديثنا العامة، ونقاشاتنا عن المجتمع بصورة عفوية، لكنها لا تؤصل في سياق الرصد والتحليل باعتبارها مجرد ظواهر عابرة أو بتصنيفها اعتباطًا بأنها «سمة الجيل الجديد»؛ مع أن الكثير منها لم يعد مرتبطًا بجيل بعينه، بقدر ما هو سمة متداخلة بين أجيال وفئات ومجتمعات فرعية مختلفة.
ما يمكن الدعوة إليه هنا أو بالأحرى تكرار الدعوة إليه منظومة الرصد الاجتماعي، والتي نادينا بوجودها في سياق مقالات عديدة سابقة، غير أن الاستحقاق الذي يمكن القول به هنا، إن التعقد في المشهد العالمي يتزايد لحظة بلحظة، وأن التحولات الاجتماعية الكبرى التي كان من السهولة التنبؤ بحدوثها من خلال تتبع مؤشرات كمية، أو تتبع التطور الطبيعي للمجتمع، أصبحت اليوم تحدث بصورة مفاجئة، قد تبدأ عادةً بإشارات ناشئة ضعيفة ومتفرقة يصعب إدراك أهميتها في بداياتها، ثم تتراكم وتتفاعل مع متغيرات اقتصادية وتقنية وديموغرافية حتى تتحول إلى قضايا استراتيجية ذات آثار تحولية على المجتمع والدولة.
عليه، فإن منظومة الرصد الاجتماعي يستوجب أنها بقدر ما تنظر إلى القضايا الكبرى - التي ينظر لها من منظور كمي/ وقائعي غالبًا - يستوجب كذلك أن تتنبه إلى الإشارات الصغرى، عبر أدوات وأساليب لاكتشاف التحولات الاجتماعية في مراحلها المبكرة، وقياس سرعة تطورها، وتقدير احتمالات تعقدها، بما يتيح لصناع القرار التدخل الاستباقي عبر سياسات اجتماعية وازنة وناجعة قبل أن تتحول إلى تحديات يصعب احتواؤها أو ترتفع كلفة التعامل معها.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان
