التضخم .. هل نشهد هبوطا ناعما؟

18 يناير 2023
18 يناير 2023

ترجمة : قاسم مكي -

في عام 1982 وصلتُ إلى واشنطن لأبدأ عاما من العمل في مجلس المستشارين الاقتصاديين بالبيت الأبيض. نعم كان ذلك في عهد إدارة ريجان وكنت وقتها ليبراليا سَلَفا. لكن المنصب الذي أشغله كان تكنوقراطيا وليس سياسيا. وكان مارتن فيلدستين الرئيس الجديد للمجلس، وهو جمهوري من النوع الذي اختفى في معظمه منذ ذلك الحين، يريد بعض الشبان النجباء في المجلس لفرز وإعداد البيانات (لأغراض التحليل).

كان من المفترض أن أركز في (عملي بالمجلس) على القضايا العالمية. والموظف الجديد الذي تم تعيينه لتولي قضايا الاقتصاد المحلي كان اسمه لاري سمرز. أين هو الآن؟ (سمرز اقتصادي أمريكي شغل منصب وزير الخزانة في الفترة من 1999 إلى 2001 - المترجم).

على أي اجتمعنا أنا ومارتن في عشاء عملٍ ليلة وصولي. وكان لديه سؤال واحد كبير هو «هل اقتصاد العالم يوشك أن ينهار؟»

هنالك سببان لشعوره بالقلق. أحدهما أن المكسيك كانت قد أعلنت لتوها عدم قدرتها على الاستمرار في سداد ديونها وذلك ما شكّل بداية أزمة الديون في أمريكا اللاتينية. السبب الآخر لقلقه هو أن جهود بنك الاحتياط الفيدرالي لمحاربة التضخم أفضَت إلى تدهور اقتصاد الولايات المتحدة التي عانت أسوأ انكماش لها منذ أعوام الثلاثينات ولم يعقبه أي انكماش آخر حتى اندلاع الأزمة المالية في عام 2008.

لكن كما اتضح لاحقًا لم يتداعَ اقتصاد العالم. لقد نتج عن أزمة الدين «عَقْدٌ ضائع» للتنمية في أمريكا اللاتينية مع تفشي المعاناة الاقتصادية على نطاق واسع. لكنها لم تتحول إلى عدوى عالمية. وإلى الشمال من أمريكا اللاتينية تمكن البنك المركزي الأمريكي من تحريك تعافٍ سريع بتحوله تحولا كاملا 180 درجة عن سياسته النقدية. وبحلول عام 1984 كان رونالد ريجان يفخر بالصباح في أمريكا. (يشير الكاتب إلى إعلان تجاري تلفزيوني كان جزءا من الحملة الانتخابية لرونالد ريجان المرشح الرئاسي للحزب الجمهوري في عام 1984.

كان الإعلان يبدأ بالعبارة التالية: إنه الصباح مرة أخرى في أمريكا- المترجم).

ذِكرَى ذلك الصيف لا تزال تشعرني بقليل من القلق إزاء التفاؤل الاقتصادي الشائع الآن، على الأقل في الوسائط الإعلامية. إذ تنتشر توقعات «الهبوط الناعم». بمعنى انخفاض التضخم إلى مستويات مقبولة وبدون انكماش اقتصادي.

من جانبي أتوقع أن يكون هنالك فعلا هبوط به شيء من النعومة. فالتضخم ينخفض حقا كما يبدو. وفي حين أننا قد لا نتجنب الانكماش تمامًا إلا أنه إذا حدث من المحتمل أن يكون خفيفا.

غير أن تجربة أوائل الثمانينات لا تزال تزودنا بسببين للحذر. أولا، السيطرة على التضخم في الثمانينيات كانت مؤلمة إلى حد بعيد. فعلا هبط التضخم من حوالي 10% إلى حوالي 4%. لكن عملية خفض التضخم انطوت على ارتفاع شديد ومستدام لمعدل البطالة. وبِلُغة أهل الاقتصاد كانت هنالك نسبة تضحية مرتفعة جدا (خسارة كبيرة في الإنتاج كثمن لخفض التضخم - المترجم).

في أواخر عام 1984 عندما كان ريجان يتحدث عن مدى عظمة الاقتصاد كان حجمُ البطالة أكثر من ضعف حجمها الآن.

يتحدث بعض الناس وكأننا بحاجة إلى خوض محنة مماثلة مرة أخرى. كان لاري سمرز على الأقل حتى قبل شهور قليلة يطرح سيناريوهات من النوع الذي يعود إلى أعوام الثمانينات لإبطاء التضخم.

ويقول بوجوب ارتفاع معدل البطالة إلى ما يقرب من 6% للسيطرة عليه.

أعتقد أنه مخطئ. فالتشوُّهات التي لها صلة بالجائحة زادت من صعوبة تقدير معدل التضخم الأساسي إلى حد أننا لا نعلم على وجه اليقين ما الذي يعنيه هذا المصطلح حقا. لكن العديد من المقاييس التي ابتدعت للتخلص من الضبابية تظهِر تضخما يتجه نحو الاعتدال على الرغم من أننا لم نشاهد بعد ارتفاعا في البطالة.

مثلا هناك مقياس لبنك الاحتياط الفيدرالي بولاية نيويورك يقيس استمرار التضخم في القطاعات الأساسية لمؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي.

ثقوا بي. إنه مقاربة ذكية ومعقولة رغم أنه ليس قاطعا. إذا قبلنا بنتيجة هذا المقياس أو ما يبدو أنه اتجاه هبوطي في نمو الأجور سيعني ذلك أن التضخم اعتدل بقدرٍ مهم. (مرة أخرى مع ارتفاع كبير في البطالة). لذلك، وكما قلت، لاري سمرز مفرط جدا في التشاؤم. لكن هل أنا متأكد؟ بالطبع لا.

السبب الثاني الذي لا يزال يدفعني إلى الشعور بالقلق من تجربة أعوام الثمانينات أن بنك الاحتياط الفيدرالي في عام 1982 ضغط على الكوابح بأكثر مما كان مقصودا. بمعنى أنه كان يحاول إبطاء الاقتصاد. في الواقع لقد تسبب عمدا في انكماش اقتصادي. لكنه لم يكن يقصد أن يكون الانكماش بتلك الشدة. الحقيقة هي واضعي السياسات وقتها، كما هي الحال الآن، كانوا يحاولون إدارة الاقتصاد بمعلومات محدودة وكثيرا ما تكون قديمة وباستخدام أدوات غير دقيقة.

تحديدا، يحاول بنك الاحتياط خفض التضخم بإبطاء الاقتصاد وهو ما يفعله برفع أسعار الفائدة. لكن هنالك جدل محتدم حول المدى المطلوب لتباطؤ الاقتصاد والمعدلات التي يلزم أن تبلغها أسعار الفائدة لتحقيق قَدْرٍ معيَّن من التباطؤ والمدة الزمنية التي تحتاجها ارتفاعات سعر الفائدة كي تحقق أثرها بالكامل.

أحيانًا أعتقد أن بنك الاحتياط يحاول تشغيل آلة ثقيلة في حجرة مظلمة وهو يرتدي قفازات ملاكمة (لا تتيح مجالا لتحريك واستخدام الأصابع).

لذلك إذا لم نكن بحاجة إلى انكماش شديد للسيطرة على التضخم قد نحصل على انكماش على أي حال إذا أفرط بنك الاحتياط في الضغط على الكوابح.

هنالك بالطبع الخطر العكسي. وهو ألا يفعل البنك شيئا يذكر وألا يخضع التضخم للسيطرة. لكني أعتقد أن أخبار التضخم ظلت جيدة بما يكفي لتبرير تلك المخاطرة بعدم الإفراط في رفع أسعار الفائدة على الأقل لبعض الوقت.

الخلاصة هي أن الهبوط الناعم صار أكثر احتمالًا إلى حد بعيد مما كان يبدو قبل شهور قليلة. لكنه ليس مؤكدا بأي حال.

كروجمان حائز على جائزة نوبل للاقتصاد في عام 2008 وكاتب رأي في صحيفة نيويورك تايمز.

ترجمة خاصة لـ«$»