من التطبيع مع العدو إلى تجميل صورته!
03 يناير 2026
03 يناير 2026
في الوقت الذي يتعرض فيه الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، صاحب أحد أكثر البودكاستات استماعًا في الولايات المتحدة، لهجوم من لوبيات مؤيدة لإسرائيل واتهامات بـ«معاداة السامية» بسبب طرحه أسئلة من قبيل: «ماذا لو كان كل ما قيل لنا عن أقرب حلفاء أمريكا خطأً؟» و«لماذا ندافع عن القتل الجماعي في غزة؟»؛ وفي الوقت الذي يراجع فيه بيرس مورجان، المذيع البريطاني الشهير، مواقفه العلنية من حرب غزة وينتقل من تبنّي الرواية الإسرائيلية إلى مساءلتها على الهواء؛ في خضمّ هذا كله، نتفاجأ ببودكاست عربي، في أواخر عام 2025، وبعد عامين مريرين من حرب إبادة خلّفت عشرات آلاف الضحايا في غزة، يختار أن يفتح منصته لشخصية عسكرية أمنية إسرائيلية مركزية، وأن يقدّمها لمتابعيه العرب والأجانب بلغة احتفائية أقرب إلى التعريف الترويجي منها إلى التقديم الصحفي النقدي.
الضيف هو الجنرال عاموس يادلين، الرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان). وقد قدّمه المُضِيف بصفته «رجلًا أمضى أربعة عقود في قمة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية»، معدِّدًا ما حققه من «إنجازات»: طيار شارك في تدمير مفاعل تموز العراقي عام 1981، ومخطِّط المهمة التي استهدفت تدمير مفاعل الكُبَر السوري عام 2007، قبل أن يَخْلُصَ إلى أن «قلّة من الناس شهدوا وشكّلوا وحلّلوا التحولات الاستراتيجية في المنطقة بعمق ووضوح مثل عاموس يادلين»!
ما غاب عن هذا التقديم - أو جرى تجاوزه - هو أن يادلين ليس «محللًا استراتيجيًا» مجردًا، بل شخصية كانت في قلب منظومة أمنية خاضت حروبًا وعمليات تركت سجلًّا ثقيلًا من الجرائم والانتهاكات. ويكفي التذكير هنا بأن اعتداء البحرية الإسرائيلية على سفينة «مافي مرمرة» المتجهة إلى غزة عام 2010 لمحاولة فك الحصار عنها، والذي أسفر عن استشهاد عشرة متضامنين مع القضية الفلسطينية، ارتُكِب في سياق كانت فيه هذه المنظومة - التي ينتمي إليها يادلين- مسؤولة مباشرة عن التخطيط والتقدير والقرار، وهو ما جعل هذا الاعتداء لاحقًا محل تحقيقات وانتقادات دولية واسعة.
السؤال هنا ليس أخلاقيًّا مجرّدًا، بل مهنيٌّ وثقافيّ: ما الذي يدفع صانع بودكاست عربي، يملك خيارات واسعة من الضيوف القادرين على تقديم مادة معرفية أو تحليلية نقدية باللغتين العربية والإنجليزية، إلى استضافة شخصية من هذا النوع دون أن يضع سجلها الكامل على الطاولة؟ وما الذي يجعل الحوار ينزلق - على امتداد ثلاثٍ وخمسين دقيقة - إلى مساحة أقرب إلى الاستماع المطمئن منه إلى المساءلة الصحفية؟
في الحوار، أُتيحت للضيف مساحة واسعة لتقديم سرديته دون ضغط يُذكَر. تحدّث مطولًا عن إسرائيل و«تفوقها على جيرانها» و«التزامها بالقانون الدولي»، وعن أن حرب غزة «هي الحرب الوحيدة في العالم التي اضطرت فيها إسرائيل إلى تزويد عدوها بالغذاء والوقود والطاقة»!، وعن أن إيران وحزب الله وحماس هي مصادر الخطر الأساسية في المنطقة، وأن قطر «ليست وسيطًا محايدًا». هذه الادعاءات الثقيلة - التي تشكّل جوهر الخطاب الرسمي الإسرائيلي - مرّت في معظمها دون تفكيك، أو مساءلة، أو حتى طلب توثيق.
وعندما أعاد يادلين تحميل حركة حماس المسؤولية الكاملة عن الكارثة الإنسانية في غزة، مدّعيًا أنها كانت «تضع مراكز قيادتها تحت المدارس والمستشفيات ومواقع الأمم المتحدة»، لم يُقابَل هذا الطرح بسؤال عن مسؤولية القوة القائمة بالاحتلال، ولا عن تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية التي وثّقت نمطًا واسعًا من الاستهداف المدني والتدمير الممنهج للبنية التحتية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. على العكس، جاء تعليق المُضيف متماهيًا مع جزء أساسي من هذا الخطاب، حين قال: «أتفق معك بشأن حماس. لقد انتقدتُها طوال حياتي. إطلاق هجوم السابع من أكتوبر لم يكن فقط غير قابل للدفاع عنه أخلاقيًّا، بل كان أيضًا تهورًا استراتيجيًا». وهي جملة - بغضّ النظر عن الموقف من السابع من أكتوبر- كان يمكن أن تُستتبع بسؤال موازٍ عن التهور الاستراتيجي والأخلاقي الإسرائيلي في تدمير غزة، لكنها لم تُستتبع بشيء.
هنا لا نتحدث عن «اختلاف في الرأي»، بل عن خللٍ في وظيفة الحوار نفسها. فحين يتحول ضيف متهم - بصفته جزءًا من مؤسسة - بجرائم واسعة النطاق إلى مرجع تحليلي يُمرِّر روايته دون مساءلة، نكون قد تجاوزنا التطبيع الثقافي مع العدوّ إلى مرحلة أخطر: تجميل صورته وتلميعها. أي نقل الخطاب الأمني الإسرائيلي من خانة التبرير إلى خانة «التحليل الرصين»، ومن موقع الدفاع إلى موقع الإنتاج المعرفي.
قد نفهم - ولا نتفهّم - أن يُروَّج لهذا الخطاب عبر منابر إسرائيلية أو أمريكية منحازة. أما أن يمرّ، بهذه السلاسة، عبر بودكاست عربي يقدّمه مثقف عُماني، فذلك يطرح أسئلة مُمِضَّة عن معنى المنصات الثقافية، وعن الحدّ الفاصل بين الحوار الإعلامي وشرعنة السرديات القاتلة. والأمر هنا لا يتعلّق فقط بطريقة إدارة الحوار: ماذا قيل؟ وماذا تُرِك بلا مساءلة؟ وأيّ أسئلة غابت في لحظات كان يفترض فيها أن تكون في صميم النقاش، بل بمجرد الاستضافة نفسها التي تُضفي الشرعية على العدوّ، وتجعل عدوانَه وجرائمه وانتهاكاته مجرد «وجهة نظر»!
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني
