ما زلت أقف مشدوها، يائسا بائسا أمام لوحات فان غوخ، لا لعبقريتها وقدرتها وأثرها فحسب، بل لقدرتها على إعادة تمثيل المأزق الإنساني الأبدي، ولما تشفّ عنه من وعي يصعب على العالم تحمله. أدركُ منها، على تغاير موضوعاتها وألوانها وأشكالها، الأزمة الحقيقية التي يحملها المثقف الواعي عبر الأزمان؛ المثقف الذي يعي مشاغل الإنسان من حوله ويحمل هم أسئلة الوجود، المثقف الذي كان منكرا دوما، لا يُسمع صوته إلا إذا ما وافق السائد، وكان صوت السلطة القائمة، اجتماعيا أو سياسيا أو نفسيا.
وقد كثرت أيامنا هذه الحيرة السائلة عن انسحاب المثقف عن أداء دوره، وعن مكانته اليوم في المجتمع، وعن السلبية التي تبدو من المثقف في مواجهة أسئلة حارقة تُغير وجه الوجود الإنساني. لم ينسحب المثقف من دور ليس له، ولم يكن المثقف الحق مسموع الصوت، فاعل الأثر عبر التاريخ، ولم يحظ المثقف الحقيقي بمنزلة رافهة أو موقع مريح. ولم يُقدم لنا التاريخ صوت مثقف فاعل في آنه، صارخ في زمانه، مغير لواقعه، يُنصت إليه الناس إذا ما نطق، ويتبعون فكره ونهجه، بل النقيض تماما.
كان صوت المثقف الحقيقي كامنا دوما، شاذا، مرفوضا. ولذلك، فإن السؤال الزائف عن «انسحاب المثقف» من المشهد وركونه إلى الصمت هو سؤال ضال مضلل، وكأن المثقف -خاصة في عالمنا العربي- كان يوما في قلب المشهد ثم انسحب فجأة. والحال أنه لم ينسحب من دور لم يُمنح له أصلا، بل كان يجتهد بالنواجذ ليفرض رؤية ورأيا.
واقعنا العربي أنتج عبر التاريخ نوعين من المثقفين: مثقفي النسق ومثقفي خارج النسق. الأولون هم المتلونون مع السائد، الآكلون من كل الموائد، المستعدون دوما للبس هيئة المنتصر؛ يُحسنون التكيف مع المتغيرات، ويغيرون لغتهم ومواقفهم ورؤاهم مع تحولات السياق، يبتعدون عن الصدام ويؤثرون الوفاق والتوافق والرياء.
أما مثقفو خارج النسق، فهم وقود الحضارات، وشموع الأكوان؛ تُرفض آراؤهم، يُنظر إليهم شزرا، يخطؤون ويُكفرون ويُتهمون، ويظلون على مبادئهم ورؤاهم، يُقصون من كل أثر فاعل، لا لعجزهم بل لعسر تدجينهم وإدخالهم داخل النسق.
ولذلك فليس حادثا ولا بدعة أن يغيب المثقف اليوم عن المشهد، أو يُغيب قصدا، لإحلال نوع من ثقافة السائد اليومي، ثقافة «ما يطلبه المستمعون»، التي من المفروض أن يلفظها المثقف الحقيقي وينأى عنها. السؤال المطروح اليوم: أين أصوات المثقفين في ظل هذه المتغيرات الوجودية الفارقة؟ والحق أن هذا السؤال واهمٌ ومضلل، وأصله سؤال آخر: لماذا يُغيب المثقف الحقيقي عن المشهد، وعن الفعل، وعن التأثير؟ لطالما كان المثقف الصوت المرفوض، وفي تراثنا وواقعنا العربي مشاهد متراكمة عن الإعراض عن الإصغاء إليه وعن نكبات وصرخات أبان بها المثقف عن وجعه من نكرانه.
اليوم يطرح السؤال بعمق وشدة: لم هذا التكتيم والتبخيس لدور المثقف، الذي ما زال يقول ويكتب، لكنه يقصى كما كان دوما، في واقع لا يرى له منزلة فاعلة، ويتهمه بشتى النعوت تعاليا ومفارقة لواقع الحياة. ولعل صورة المثقف الانتهازي والمثقف المتعالي قد غلبت في وعينا العربي؛ فهو إما صامت، منغمس في كتبه وعوالمه، أو متقرب من ذوي الشأن، يحصد المناصب والمكاسب. وبين هاتين الصورتين يغيب المثقف الفاعل الذي يحترق وعيا وإدراكا ومحاربة للسائد الراكد. غياب المثقف عن المشهد العام -أو بالأحرى تغييبُه- ليس حادثا، بل هو نتاج طبيعي لتغير جذري في طبيعة المجال العام.
لم يعد كبتُ المثقف بالشكل المباشر هو الآلية المعتمدة، بل أُلقي به في جب التهميش، داخل واقع سطحي ساذج، لا يرتضي هو ذاته أن يكون جزءا منه. واقع يغلب ثقافة السائد اليومي، ثقافة الهشاشة والآنية، ثقافة تتعامل مع الفكر بوصفه بضاعة ومنتجا سهل الهضم. في هذا المقام يصبح المثقف ثقيل الدم، منبوذا، لأنه يرفض الاختزال والتسطيح ويسعى إلى طرح الأسئلة الحقيقية. ينسى أو يتناسى العقل السائل عن منزلة المثقف اليوم أن الثقافة الرصينة العميقة لم تكن يوما شعبية ولا ذات انتشار واسع، وإنما كانت دوما صوت النخبة. ومن هنا، فإن سؤال «أين صوت المثقف؟» لا يدرك العمق الوجودي والحضاري لدوره.
والأقرب إلى الصواب أن نتساءل: لماذا نُمعن في دفع المثقف الحقيقي إلى الهامش؟ ولماذا صرنا نشكك في جدارة الفكر والنقد، وفي قدرة المثقف على طرح أسئلة الواقع؟ اليوم يواجه العقل العربي مصاعب وجودية حادة في ظل متغير كوني لا يؤمن بالخصوصية ولا بالذاتية، ولا يحترم الأنا، ويفرض بالقوة واقعا غائما يزيد من اغتراب الوعي. صمتُ المثقف اليوم ليس اختياريا، بل واقعٌ جديد يعزله، ويفرض ثقافة هشة، سريعة، مائعة.
المثقف لا يختار الصمت، بل هو مُصمت، معزول، لا يسمع رأيه، فصل عن عالمه وزُج به في عالم لا يعترف به. الواقع اليوم لا يقبل الأصوات غير القابلة للاستهلاك، الأصوات التي تؤسس لرؤية وتُخالف السائد. ومع سيادة ثقافة المنصات ووسائل التواصل الافتراضية، وفقاعات «المؤثر الاجتماعي»، أصبحنا نروج لمصطلحات خطيرة. فما معنى «المؤثر الاجتماعي»؟ أهو من يبني وعيا، أو من يراكم مشاهدات؟ أهو من يعمق الفهم، أو من يُنتج وعيا زائفا؟ هل من يسخر من أقرب الناس إليه، أو يبسط حياته اليومية، أو يتقلب بين المطاعم والأمكنة، هو صوت المثقف الجديد الذي يُفترض أن يقود الوعي ويُعدل اختلاله؟ إن مطرقة الواقع المعاصر تُرسخ عزل المثقف الواعي، وتُسيد التدجين وتسطيح العقول والمفاهيم.
فالمثقف الممتلئ لا مكان له في الخريطة الفاعلة، ويُعلى شأن أشباه المثقفين. ما يرعبني اليوم أن النماذج الثقافية المؤثرة في الأجيال الصاعدة نماذج هشة، تؤسس لثقافة السطح والأصداء.
بل أحيانا يصير هؤلاء الفاعلون الفقاقيع قدوة ومطلبا، يتحدثون في الأدب والسينما والفن التشكيلي، ويبيعون كل شيء، ويُقاس النجاح بعدد المشاهدات والترند. ليس الخطر في تغييب المثقف، بل في التطبيع مع هذا الغياب، وفي اعتباره واقعا طبيعيا. إننا نتجه نحو عالم لا يحتاج إلى المثقفين، بل يستبدلهم بالمؤدين. عالم بصوت واحد، يقصي كل من يخالفه، ولو كان صاحب دولة أو فكر.عودا إلى فان غوخ، نجمع صورته مع صوت المتنبي، ونحن نعي الفُرقة التاريخية العميقة بين الفكر والواقع، ذلك الاغتراب الذي عبر عنه المتنبي بقوله: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله/ وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ- والناسُ قد نبذوا الحفاظ فمُطلقٌ/ ينسى الذي يولى وعاف يندمُ.
أيكون مثقف اليوم صوت كاساندرا المكتوم، يعلم الخراب ويحذر منه ولا سامع ولا قارئ ولا مجيب، في كبت لرؤيته ولصوته ولقلمه في كون يميل إلى السطح ويفر من العمق؟ هي لعنة الوعي التي رافقت البشرية، مثقف ممسوس بلعنة كاساندرا، يصدح في عالم يقذفه إلى الصمت.