مشروع مانهاتن الجديد وتخطيط الاقتصاد

05 يناير 2026
05 يناير 2026

يرى المراقبون أن سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب الاقتصادية، وفي مقدمتها التعريفات الجمركية ونقده الدائم للمؤسسات الأمريكية مثل الاحتياطي الفيدرالي، التي «يُفترض» أن تحمي من ارتفاع التضخم وتحفظ حقوق الدائنين وتحافظ على الوصول إلى أسواق رأس المال؛ توجّه «صدمة جديدة» للاقتصاد العالمي، لمحاولته إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي عبر الارتداد عن العولمة إلى نموذج أكثر حماية وتخطيطًا تحت عنوان زيادة تنافسية الصادرات الأمريكية.

لقد كرر الرئيس ترامب عدم رضائه عن سياسة جيروم باول، رئيس الفيدرالي الأمريكي، إذ أراد تخفيضًا أكبر للفائدة، بينما يرى المراقبون أن الدولار سيفقد 10% من قيمته الحالية مع نهاية عام 2026.

هناك شبه إجماع في الأسواق حاليًا على اقتراب تعيين كيفين هاست رئيسًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، خاصة بعد توليه رئاسة المجلس الاقتصادي في البيت الأبيض، ويؤكد البعض أن هاست صرّح بأن أسعار الفائدة يمكن أن تنخفض إلى ما دون 3%.

لقد دفعت دول الجنوب العالمي ثمن الوضعية الاستثنائية للدولار بعد فك ارتباطه مع الذهب، فقد اضطرت منذ الثمانينيات إلى تحرير اقتصاداتها من أجل جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وجلب العملة الصعبة من خلال الصادرات أو الديون. بعض الدول نجحت في القيام بقفزات اقتصادية من خلال بناء نموذج اقتصادي قائم على التصدير، ولكن جلّ دول العالم لم تستطع أن تنجز ما أنجزته دول مثل الصين، وظل اندماجها في السوق العالمية مقصورًا على أسواق الديون الدولية.

والجدير بالذكر أن الأجانب يمتلكون حاليًا أصولًا أمريكية تتجاوز قيمتها 30 تريليون دولار، منها 8 تريليونات دولار من السندات والأسهم الأمريكية يمتلكها المستثمرون الأوروبيون وحدهم.

يرى المراقبون أن هذا التدخل من الرئيس الأمريكي يأتي لأجل ما أطلق عليه «مشروع مانهاتن الجديد»، وهو مصطلح يُطلق على مبادرات تكنولوجية ضخمة تهدف إلى تحقيق اختراقات علمية واقتصادية كبرى، مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، بنفس روح التعاون السري والسرعة لمشروع مانهاتن الأصلي الذي أنتج القنبلة الذرية في الولايات المتحدة عشية الحرب العالمية الثانية.

ويقولون إن اليوم نحو 50% من نمو الاقتصاد الأمريكي يأتي من إنفاق 7 شركات فقط على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. هذه الشركات تمثل قرابة 40% من القيمة السوقية للأسهم الأمريكية. تنمو بسرعة، لكن دون مسار واضح للربحية خلال السنوات الخمس المقبلة، وسقوطها يعني سقوط الاقتصاد معها. فالذكاء الاصطناعي يحتاج طاقة، وشبكات كهرباء، وبنية تحتية، ولوجستيات بعشرات التريليونات من الدولارات. وتمويل ذلك لن يكون إلا عبر نموذج شبيه بالحرب العالمية الثانية: تناغم كامل بين الخزانة والفيدرالي، وضبط منحنى العائد، وتمويل نقدي واسع، وسيُموَّل عبر آلة طباعة الدولار.

يكتب بعض العسكريين الأمريكيين أنه في المستقبل القريب يمكن للجيش الأمريكي أن يعود ليصبح المساهم الرئيسي في دمج العلوم والابتكار الدفاعي في البلاد، تمامًا كما فعل مع مشروع مانهاتن الأصلي لإنتاج القنبلة الذرية. فبينما قدّم العلماء الإنجازات العلمية، لعب الجيش دورًا محوريًا في تهيئة وتأمين البيئة التي مكّنت الكفاءات العلمية من بناء القنبلة الذرية. إن القوة البرية تتجاوز مجرد السيطرة على الأرض، فهي تتعلق بتهيئة الظروف اللازمة لاتخاذ إجراءات لاحقة، بدءًا من الإنجازات العلمية وصولًا إلى الحملات الهجومية المشتركة الكبرى التي تغيّر العالم. فهل ما حصل مؤخرًا في فنزويلا هو البداية؟ وقد أكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت على ضرورة إحياء الطاقة النووية لدعم هذا المشروع.

ويكمل المراقبون أن الفيدرالي يمتلك اليوم نحو 10% من الدين الحكومي الأمريكي، وخلال 10 إلى 15 عامًا قد يمتلك 30%.

سنرى نموًا في الأرقام وارتفاعًا في الأسهم والكريبتو، لكن القوة الشرائية ستتآكل، فقد تصبح فاتورة البقالة الأسبوعية 1000 دولار. فاليوم واحد من كل عشرة أمريكيين مليونير، وقريبًا قد يصبح تسعة من كل عشرة «مليونيرات» اسميًا.

وكأننا في الخليج جالسون على صفيح ساخن، لا ندري هل هي الجولة الأخيرة للدولار التي ستنتهي بإنهائه واللجوء إلى بديل آخر كما يقول البعض، أم سيبقى منه شيء، فعملات دول الخليج مرتبطة بالدولار، وتمتلك دول الخليج كمًا هائلًا من سندات الدين الأمريكية.

كل ما نستطيع أن نقوله هو أن نعود إلى تخطيط الاقتصاد في الخليج، وأن نحتاط بأكثر من خطة احتياط لحماية أرصدتنا الوطنية، وأن نقلل البطالة، وأن نقلل الاستدانة الدولية، وأن نعمل معًا على ازدهار المواطن والوطن. ولنا درس بما حصل في سوريا وفنزويلا، فقد سقطتا بفعل الداخل وليس الخارج.