«مش معقول»
06 يناير 2026
06 يناير 2026
ما الذي يحدث حقا؟ أنا لا أتوقف عن طرح هذا السؤال على نفسي. غالبا ما أستخدم تعبير «أكاد أجن» في التعقيب على أي مسألة. تضاعف هذا مع الإبادة في غزة والتي ارتكبها الكيان المجرم الإسرائيلي المحتل. لكن الأمر يتفاقم مع إعادة إنتاج ردات الفعل نفسها على ما يحدث في العالم. فها نحن بعد كل ما حدث نسأل في واقعة «غزو» فنزويلا، أين هو القانون الدولي؟
لست مشغولة في هذه المقالة بالحادثة نفسها، بل بردة الفعل هذه، لم يمض سوى أشهر على حادثة «البيجر» في لبنان، ولا عمليات الاغتيال الواسعة التي نفذها الاحتلال في إيران، لم نتعافى بعد مما حدث في قطر. هذه الانتهاكات على سيادة دول أخرى، والتي لم يتم غالبا مناقشة شرعيتها أصلا بل طرق تنفيذها أو وحشيتها أو ما أنجزته لصالح «السلام العالمي» ردّدنا فيها معا: أين هو القانون الدولي؟
عندما يمكنك وببساطة أن تصل إلى بيتي وبمسيّرات صغيرة لتغتالني بدقة ولا حدود جغرافية بيني وبينك مثل الوضع بين إسرائيل وإيران، ما الذي سنتوقعه بعد؟
إنني وفيما كتبته حتى الآن لم أشِر للفظائع التي ارتكبها الاحتلال في غزة خلال السنتين الماضيتين، كنا في كل مرة نتفاجأ من قدرته على الإمعان في الإجرام والوحشية، وكل مرة نسأل أين هو القانون الدولي! ما هو القانون الدولي أصلا؟ أليست أمريكا وإسرائيل هما القانون الدولي؟ حتى هذه الملاحظة الأخيرة، أتخمنا بها، حد أنها باتت الاستجابة الوحيدة التي تنزع عنا مسؤوليتنا الأخلاقية، في اقتصاد أخلاقي جديد قائم على استجابات مدروسة بمثابة «مرجعيات» ونقاط ارتكاز، لكنها لا تذهب أبعد من النطق بها أو كتابتها على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي على الإطلاق.
أظن بأننا بحاجة لنقطة ارتكاز جديدة، قوامها عالمٌ مقلوب، ليصبح واقعنا «سرياليّا» فيما عالم الأحلام أو ما فوق الواقع ما نعيشه الآن. لأنني وبصراحة لا أفهم على الإطلاق ما الذي نتوقعه بعد الشرعنة والتسامح مع العنف والعدوان والانتهاك أمام البث المباشر. لا أعرف حقا بعد فوز ترامب بالانتخابات الأمريكية كيف فاتنا التفكير في هذه اللحظة كذروة لهذه اللحظة التاريخية التي نعيش فيها، فهي تكريس للحماقة والغباء والتوحش وعبادة اليمينيين لهوياتهم الضيقة الخ الخ. أكاد أجن مرة أخرى لأن الشواهد كثيرة، وهي تحضر في ذهني مباشرة أثناء الكتابة، أزيح واحدة لأن أخرى كانت أكثر فظاعة وهكذا. بعد هذا كله عندما شاهدت مقطعا مسجلا (لا أعرف إن كان حقيقيّا) فالذكاء الاصطناعي أغرقنا تماما في هذا الجانب، في ذلك المقطع يجلس الرئيس الفنزويلي في مؤخرة شاحنة مفتوح بابها، ويطاف به للعرض في شوارع واشنطن، بينما يحتشد الناس لمشاهدة هذا «الديكتاتور» مقبوضا عليه، من دولتهم التي تقدّس وتحمي السلام والديمقراطية. لم أقل عند مشاهدته: «مش معقول».
إن الوظيفة الخطابية لـ«أين القانون الدولي؟» اليوم مثيرة للاهتمام وهي ليست حديثة بطبيعة الحال، لكن من الضروري أن نعيد النقاش حولها خصوصا عندما تتحول هذه الأحداث المروعة لمجرد «طقس» اجتماعي، ينزع عنا غضبنا الأخلاقي الذي ينبغي أن يتحول لاحتجاج فاعل. هنالك تنويعات لا حصر لها لهذا السؤال «أين هو القانون الدولي؟».
لا أعرف أين قرأت هذه الجملة «الإدانة قد تحافظ على الجرح بدلا من أن تنهي شروطه» لكنني أحاول أن أضعها نصب عيني، خصوصا وأنني لا أستطيع إخفاء اشمئزازي من هذا الطقس الذي يعاد فيه إنتاج هذا السؤال وتنويعاته بعد سنتين من التعامل معنا كحيوانات همجية، وكأجساد تختبر عليها الأسلحة. على الفور يخزني قلبي تماما ويعلن: أين هو الخزي؟ وما الذي علينا أن نفعله الآن؟
