حين فقد صندوق البريد معناه
06 يناير 2026
06 يناير 2026
لم تبذل موظفة بريد عُمان هذه المرة الثالثة معي أيّ جهد وأنا أطلب منها إلغاء رقم البريد. علقت فقط بكلمتين فيهما استعجاب : ما شاء الله! فهمت من نبرة صوتها أنني لم أكن الوحيدة التي طلبت ذلك. لا شك مرّت بكثيرين قرروا أخيرا إلغاء أرقام صناديق بريدهم، أو اعتادت عليهم منذ سنوات.
في المرة السابقة قبل سنتين عندما زرت البريد قلت للموظف: أريد إلغاء رقم صندوق بريدي. استغرب وحاول ثنّي عن القيام بذلك متسائلا: لماذا يا أختي؟
سألته: ولماذا لا أفعل؟
قال: لأن هناك زبونا جاء قبلك وطلب إلغاء بريده.
سألته: وما النتيجة؟
قال: لا أنصحه بذلك، لقد أثنيته.
سألت: هل وافق؟
قال بخيلاء واضح: بالطبع. تركته يخرج إلى خارج المبنى ثم عاد مسرعا يطلب تجديد اشتراكه.
سألته: ولماذا تفعل ذلك؟ هل هذه وظيفتك الجديدة ثني الزبائن عن إلغاء صناديق بريدهم التي لم نعد نستفيد منها شيئا حقيقيا باستثناء فواتير الكهرباء والمياه والهاتف؟ وحتى هذه صرنا نسددها عبر هواتفنا. فهل تقل لي سببا يُقنعني ويثنيني.
قال بنبرة الواثق: هذا أمر يعود إليك أختي. لكنني أنصحك بالإبقاء على رقمك البريدي. كثيرون يأتون لهذا الغرض ثم يتراجعون، من المهم أن يكون للمرء صندوق بريد.
لم يقنعني. شعرت فقط أنني أواجه دفاعًا غامضًا عن شيء لم يعد له معنى.
قلت: لم أعد بحاجة إليه. سأتفادى زحمة المرور في الذهاب لتفقده، سيقل بحثي عن موقف لسيارتي إيزيس. لكن دعني أفكّر لدقائق قبل أن أقرر. استعنت بصديقتين. الأولى ألغته منذ سنوات دون أي ندم. الثانية قالت: البريد الإلكتروني غيّر كل شيء، والطرود تصل إلى باب البيت باللوكيشن. أغلقت الهاتف وأنا أشعر بتناقض غريب: لماذا يمنحني صندوق بريد شعورًا بالتفرّد، رغم أنني لا أستعمله؟
منذ قرأت رواية ساعي بريد نيرودا عن رواية سكـارميتا، أجدني أتردد كلما ذهبت إلى مبنى البريد لإلغاء صندوق بريدي. يا ترى كم مرة كررت ذلك؟ أسحب رقما من قائمة المراجعين وأجلس مع المراجعين، أحاسب نفسي مرات عدّة وأسألها: هل حقا ستفعلين ذلك؟ ثم حينما يحين رقمي أجلس أمام الموظف وينظر في وجهي يلمح ترددي ولخبطة مشاعري فيجهز عليّ، فإذا بي أناوله بطاقة البنك ثم أخرج من المبنى منتصرة على «التقنية» الحديثة مزهوة بنفسي، فرحة بمنظر الطوابع البريدية على أغلف بيضاء وأخرى ملونة.
لكن هذه المرة لم يمر الحال كالسابق. كُنتُ قد اتخذتُ قرارًا نهائيا بإلغاء الصندوق. فذهبت إلى المبنى في داخلي يصرخ ذلك الصوت: لن تأتيك رسالة البريد الإلكترونية: شكرًا، تم تجديد اشتراك في بريد عُمان بنجاح... ستفقدين منظر تفقدك لصناديق البريد المصفوفة وأنت تتخيلين في داخلها رسائل العشاق والمساعدات والإعلانات والخدمات... وستفقدين منظر الممر الذي تمشين فيه وبه حاوية تُرمى فيها الرسائل التي فتحها أصحابها وتخلصوا من أثرها... لن تكرري سلوكك كل مرة تذهبين للبريد وتفتحين صندوقك وتشعرين بخيبة أمل عندما لا تجدين أي نوع من جميع أنواع الرسائل... ثم تتذكرين بلطف ماضي علاقتك بصندوق بريدك الأول في صلالة...
في محاولة يائسة أتذكر حقيبتي السمراء التي أحتفظ فيها برسائل وهدايا تعود إلى أزمنة بعيدة. ثمة رسائل تبادلتها مع أهلي وأصدقاء في الكتابة وصديقات. رسائل أخرى كانت تصلني عبر البريد الإلكتروني فكنت أنسخها وأشتري لها مظروفا مميزًا وأضمها إلى الحقيبة. لم تنج ذاكرتي كما نجت تلك الحقيبة. أتذكر شيئًا بعيدا كيف اشتريتها من شارع 23 يوليو في صلالة، وتعليق أمي على لونها وحجمها. لكني على الرغم من عودتي إليها في رحلات سفري إلى صلالة، وتنظيفها مما لحق بها من غبار، أراني لا أستطيع تذكر زمن اقتنائي لها.
على عدد الساعات والسنين تبادلتُ في رسائلي مع «يمامة» أفكارا تصلح لكتابة مجلدات في الفلسفة. كنا لا نكف عن الكتابة. كان القلم يكشف اتجاه القلب وما يستقر فيه من مشاعر، بينما كانت خطوط أحرفنا تشق بصعوبة أخاديد ضيقة في الوعي. مثلا من الكلمات التي كنا نكررها في رسائلنا: من أنا؟ من نحن؟ هل نحن صديقات؟ هل لدينا مشاريع حقيقية؟ ما العقل؟ ما القلب؟ كيف نعي ذواتنا وتتشكل عوالمنا؟ ما السلطة التي تحاصرنا؟ هل نحن مسيرون أم مخيرون؟
في مرة من المرات كتبت هي رسالة من ثماني صفحات، وجاوبتها برد من إحدى عشرة صفحة! تخيّرت أوراقا ملونة لترسم حروف كلماتها؟ ما هذه القدرة على الكتابة؟ ما كان ذلك السيل العارم من الكلام؟ اليوم لم يعد -مع وجود التكنولوجيا واتساع عوالمها- لدى الإنسان قدرة على الكتابة ولا الكلام. باتت الأجهزة بأنواعها وشاشاتها المختلفة تحاصرنا وتجعلنا أشبه بالروبوتات؛ بلا مشاعر ولا أحاسيس. ننظر إلى محادثة مكتوبة على الواتساب ونبتسم بهدوء.
بينما في رسائلنا المكتوبة بخطوط يدنا ثمة نزيف ما يسيل من القلب والفكر، دم كخط وهمي في غرفة مسرحية، أو حاجز وهمي أمام الجمهور.
كتب الأديب غونتر غراس أبياتا شعرية غنتها جاهدة وهبة تقول:
«لا تــبـنـي لــكَ بـيــتًا
وإلاّ صــرتَ بــيــتًا
ومـن يــقــبــعُ فــي الـبـيـت
يــكــون فـي انــتــظــار الــزائــر الـمـتـأخــّــرِ
لــيــفــتــحَ لـــه
لا تــكــتــبْ رســـالــــــة
ســـتـــؤول الــرســالــــة إلــى الأرشــيـــف
ومــن يــكــتــب رســالــــة
يـــُـــوقـــّــع عــلــى بــقــايـــــاه».
تحفر هذه القصيدة في داخلي على نحو عميق، إذ لم أسمع وصايا الشاعر ولم ألزم نفسي بها؛ كان الشاعر يُحذّر من الكتابة بوصفها أثرًا، ومن الرسالة بوصفها وثيقة، ومن الأرشيف بوصفه مصيرًا باردًا لكل ما نكتبه بدافع الحب أو الخوف. لكنني لم أكترث؛ بنيتُ بيتا حتى صرت بيتا ينتظر المسافرين القادمين إما في آخر الليل أو في ساعات الفجر مع «الغبشة»، في غدوهم وترحالهم، وكتبتُ رسائل كثيرة بادلتها مع الأصدقاء حول العالم، وآلت جميعها إلى الأرشيف في حقيبتي السمراء، وكما يقول غونتر غراس:
«ومــن يــكــتــب رســالــــة
يـــُـــوقـــّــع عــلــى بــقــايـــــاه».
في هذا المقطع يتبدى الشعور بثقل افتتاحيات الرسائل والانتقالات في الزمن، كيفية رسم الخط وبناء الفاصلة وتسكين ما يمكن تسكينه من كلمات ووضع الخاص جدا بين هلالين، عندما أفتح الحقيبة وأقرأ رسالة عشوائية لا أعرف بالضبط عما أبحث، إنما أجدني في كل كلمة وسطر أو فقرة ما أفعل ما كتبه الشاعر «أوقع على بقاياي»، أضع نفسي فوق طبق من ذهب، مع من أكتب له رسالة بيدي وقلبي ومشاعري أوقع على آثاري بعد الغياب، مثلما فعلوا هم.
