صورة الفدائي الملثم

03 يناير 2026
03 يناير 2026

«يمسك الحيُّ بالميت بالصورة».

ريجيس دوبريه، في كتابه «حياة الصورةِ وموتها».

أنظر في صورة الفدائي المعلقة عند مدخل الدار، وأطيلُ التأمل مشدودا بجاذبية غامضة. بالكاد أرى عينيه المطلتين من خلف لثام الكوفية، الملفوفة على الوجه بإتقانِ من هو واثق في الذهاب لأسطوريته، الراضي تماما بنكران الذات. بيد أني أرى أصابعه الدقيقة بوضوح وهي تنهمك في تنظيف البندقية الروسية، عائدًا من عملية فدائية ربما، أو استعدادًا لمعركة وشيكة.

لا أعرف أين التُقطت صورة هذا الفدائي المجهول، وفي أي وقتٍ من عمر الثورة الفلسطينية المعاصرة، وهنا يكمن أحد أسرار جمالياتها، يكمن في جهلي بتاريخها المُغيَّب. أخمن ساعة فأقول إنها قادمة من معسكرات الفدائيين في الأردن قبل «أيلول 1970»، وأتخيلها بعد قليل قادمةً من جبال جنوب لبنان قبل الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982. صورة مقتطعة من الزمان والمكان، تسطعُ في ألوانها القديمة دون أن تنتسب إلى الأشياء خارجها، لا تاريخ لها خارج هويتها المفتوحة للتأويل.

لستُ بواثق حقًا إن كان في وسع اللغة اقتحام الصورة الحصينة بالكلمات التي أصبحتُ أشكُّ أكثر فأكثر في كفاءتها، فالوصف المتأخر ليس إلا محاولة لاسترداد شيء غائب في نفسه. وكأن فعل الوصف نفسه ينتهي لا محالة إلى الرثاء أو إلى شعرية الأطلال التي ابتكرتها عبقرية شعرائنا القدامى مدخلًا لازمًا للقصيدة.

كم أنا مدينٌ لمن صوَّب برقَ الكاميرا على هذا الفدائي المجهول، فاقتنص هذه الصورة شاردةً من الزمن، كي أعلقها بعد عقود طويلة على مدخل الدار تحفةً مهرَّبة من زمن كنتُ غائبًا عنه، تحفةً صامدة ضد الزمن. وأجدني مدينًا أيضًا إلى صبري، وأعترف بالفضل لتمارين النظر الطويل المُخلص للصورة في عصر موبوء بالتدفق الرقمي السريع والعابر للصور والألوان التي تتبخر بعد أول نظرة قبل أن تترسب في الذاكرة، ومن غير أن تطبع أثرًا يُذكر، ملغيةً بذلك إمكانية أن تتحول الصورة إلى مادة للحلم والتخييل. فليس غريبًا بعد كل هذا الإدمان البصري الملون أن يصبح الرمادي موضة عصرنا الذي سئم الألوان.

أعود إلى صورة الفدائي المعلقة على الجدار، وفي البال مقطعٌ من قصيدةٌ لعصام العبدالله غنَّاها مارسيل خليفة، تصف الفتية الملثمين الذين خبأوا وجوههم وأسماءهم عنا: «ما بعرفن.. ما شايفن/ لفوا وجوهن بالقهر/ خبوا أساميهن/ ما في حدا بيشوفهن إلا إذا ماتوا/ وتعلقوا متل التحف...» إلى آخر الأغنية التي أستمع إليها كل مرة بنفس الشجن المتجدد.

أستطيع أن أتذكر جان جينيه مفتونًا بسرية تلك الملامح الشابة خلف اللثام. في معسكرات عجلون، وقبيل المعارك الضارية في «أيلول الأسود» سنة 1970، كان هذا المتشرد الفرنسي من أوائل من التفتوا عن كثبٍ إلى شعرية العلاقة الجسدية الحميمة بين الفدائيين وأسلحتهم التي يعتنقونها بذكورةٍ شرقية جذَّابة. وبنظرات لا تخلو من لمعة شغف أيروسي، يحركه ذلك الاحتجاب عن الرؤية، كان جينيه يتأمل وميض العيون والملامح المتاحة للنظر في الوجوه المتلثمةِ التي بدا واضحًا أنها خرجت لتوها من اليفاعة. وبقي على مدى أيام ولياليَ يراقب أولئك الفتية الحالمين بتغيير العالم بأسلحتهم الفردية، مستندين إليها في نوابات الحراسة، مضطجعين عليها في النوم، أو وهم يسهرون على تنظيفها من شوائب الطلقات وكأنها امتداد لأعضائهم.

لا يستطيع المرء سوى أن يقول إن الفلسطينيين قد اختطفوه من نومه ومن عالمه إلى متخيّل مهيب وموحش لا رجعة منه، أولئك الذين «ظلوا لزمن طويلٍ جدًا محلومًا بهم، أكثر منهم مفكرًا فيهم» كما وصفهم جان جينينه. فماذا صنع بنا أولئك المنسيون، المرضى بالخيال وشعرية الغياب، الحالمون المحلومون، أولئك الذين لا يقبلون بشعرٍ أقل من الواقع، ولا يقبلون بواقعٍ أقلَّ من الشعر؟!

سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني