عـقـدة «الحـزب الـديـمـقـراطـي» وسـاسـتـه
مـن يـتـابـع سـيـاسـات دونـالـد تـرامـب وتـصـريـحـاتـه، فـي ولايـتـه الحـالـيـة وفـي الـتي سـبـقـتـهـا قـبـل ثـمـانـيـة أعـوام، ويـراقـب مـفـرداتـه الـسـيـاسـيـة الـمـسـتـخـدمـة فـي الـحـديـث عـن شـؤون الـداخـل الأمـريـكـي وسـيـاسـات واشـنـطـن فـي الـعـالـم، لـن يـمـتـلك نـفـسـه مـن إبـداء الشـعـور بـأن رئـيـس الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة يـعـانـي مـا يـشـبـه عـقـدةً اسـمـهـا «الحـزب الـديـمـقـراطـي»، فـي كـل تـفـصـيـل مـن تـفـاصـيـل سـيـاسـاتـه، عـلى نـحـو مـا سـبـق أن عـرف بـه رئـيـس جـمـهـوري قـبـلـه! خـلـف كـل مـشـكـلة، عـنـده، يـقـف هـذا الحـزب ورؤسـاؤه ومـمـثـلوه فـي الكـونـغـرس؛ هـم مـن يـفـسـر أي إخـفـاق حـاق أو يـحيـق بـسـيـاسـات أمـريـكـا؛ وأي تـغـيـر يـطـرأ عـلى بـنـيتـهـا السـكـانـيـة ومـنـظـومـة الـقـيـم فـيـهـا؛ وأي تـراجـع فـي مـكـانـتـهـا فـي الـعـالـم... إلخ. يـكـفـي أن تـرامـب لا يـرى فـي «الحـزب الـديـمـقـراطـي» سـوى ذلـك الحـزب «الـيـسـاري» الـذي يـهـدد الاسـتـقـرار الاجـتـمـاعـي والسـيـاسـي فـي أمـريـكـا ويـخـدم سـيـاسـات أعـدائـهـا فـي الخـارج...! وقـد بـلـغ عـداء تـرامـب للـحـزب حـداً دفـعـه إلـى أن يـكـتـب، فـي مـارس الـمـاضـي، «تـدويـنـةً» لـه، عـلى حـسـابـه عـلى مـنـصـة «تـروث سـوشـيـال»: «مـع مـوت إيـران، أصـبـح أكـبـر عـدو لأمـريـكـا هـو الحـزب الـديـمـقـراطـي الـيـسـاري الـراديـكـالـي غـيـر الكـفـؤ»...!
مـا قـد يـبـعـث عـلى الـغـرابـة أن هـذه الـعـقـدة تـجـاه «الـديـمـقـراطـيـيـن» تـكـونـت لـديـه مـع أنـه لـيـس جـمـهـوريـاً بـالانـتـمـاء الأصـيـل، بـل بـاسـتـعـارة الـصـفـة والـتـزكـيـة للـتـرشـح بـاسم الحـزب بـعـد ردح مـن المـراوحـة بـيـن الانـسـحـاب مـنـه والـعـودة إلـيـه.
إن تـيـاره السـيـاسـي- الإيـديـولـوجـي الـذي حـمـله إلـى السـلـطـة فـي الـولايـتـيـن غـيـر الـمـتـعـاقـبـتـيـن («مـاغـا Maga») هـو الـبـيـئـة الخـصـبـة - الـمـحـافـظـة والـمـتـطـرفـة - لانـتـعـاش مـثـل هـذه الأفـكـار الـمـعـاديـة للآخـريـن عـنـد دونـالـد تـرامـب. وإذا كـان عـداء تـيـار «مـاغـا» شـديـداً للـمـهـاجريـن وللـمـسـلـمـيـن عـلى نحـو خـاص؛ الـذيـن يـحـمـلـهـم (ذلـك الـتـيـار) مـسـؤولـيـة المـسـاهـمـة فـي تـغـيـيـر هـويـة أمـريـكـا وقـيـمـهـا الـثـقـافـيـة، فـلـيـس مـسـتـبـعـداً أن يـكـون عـداء تـرامـب لـ «الحـزب الـديـمـقـراطـي» لكـون الحـزب هـذا الـبـيـئـة السـيـاسـيـة الأكـثـر اسـتـقـبـالاً للمسـلـمـيـن والسـود والأقـلـيـات فـي الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة.
تـعـبـر عـقـدة «الـديـمـقـراطـيـيـن» عـن نـفـسـهـا، فـي مـواقـف تـرامـب، فـي صـور شـتـى وتـقـع عـلى كـثـيـريـن مـنـهـم: عـلى رؤسـائـهـم السـابـقـيـن - خـاصـةً بـاراك أوبـامـا وجـو بـايـدن- وعـلى مـرشـحـيـهـم للانـتـخـابـات الـرئـاسـيـة، مـثـل الـمـرشـحـة هـيـلاري كـلـيـنـتـون والمـرشـحـة كـامـالا هـاريـس، كـمـا علـى مـمـثـلـيـهـم فـي مـجـلـسـي الـنـواب والـشـيـوخ فـضـلاً عـن الـكـتـاب والـصـحـفـيـيـن والإعـلامـيـيـن الـقـريـبـيـن مـنـهـم؛ فـجـمـيـع هـؤلاء مـوضوع نـقـمـتـه الـتي لا تـنـتـهي وعـنـفـه اللـفـظـي الـذي فـاق كـل عـنـف سـابـق. لـقـد كـان تـرامـب مـحـظوظـاً فـي الانـتـخـابـات الـرئـاسـيـة لأن مـنـافـسـتـيـه (كـلـيـنـتـون وهـاريـس) ضـعـيـفـتـان، بـدلـيـل خـسـارتـه انـتـخـابـات الـعـام 2020 أمـام جـو بايـدن الـذي كـان أقـوى نـسـبـيـاً. مـع ذلـك، هـو لا يـنـسـى أن هـيـلاري كـلـيـنـتـون فـازت عـليـه بـغـالـبـيـة الأصـوات ولـم يـفـز بالـرئـاسـة إلا بـأصـوات الهـيـئة الـنـاخـبـة؛ وهـذا كـلـه يـجـتـمـع عـنـده لـيـدخـل فـي تـكـويـن تـلك الـعـقـدة وتـرسيـخـهـا تـجـاه «الحـزب الـديـمـقـراطـي» ومـن يـنـتـمـي إلـيـه.
لـن يـنـسـى الـعـالـم خـروج تـرامب عـلى تـقـالـيد الـرئـاسـة فـي الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة والـعـالـم حـيـن رفـض حـضـور مـراسيـم حـفـل تـنـصـيـب جـو بـايـدن رئـيـسـاً للـبـلاد خـلـفـاً لـه، أسـوةً بـسـوابـق الـتـنـصـيـب، بـل أسـوةً بـالـرؤسـاء الـثـلاثـة الـسابـقـيـن الـذيـن حـضـروا الـحـفـل إيـاه (بـاراك أوبـامـا، جـورج بـوش الابـن، بـيـل كـلـيـنـتـون)! عـبـر بـذلـك عـن رفـضـه لـنـتـائـج الانـتـخـابـات وعـدم اعـتـرافـه بـبـايـدن رئـيسـاً للـدولـة، ولـكـن بـطـريـقـة اسـتـهـجـنـهـا الجـمـيـع بـمـن فـيـهـم «الجـمـهـوريـون».
مـن حـيـنـها، لـم يـتـرك فـرصـة للـطـعـن عـلى سـيـاسـات بـايـدن الخـارجـيـة والاقـتـصـاديـة. بـل ذهـب فـي سـخـريـتـه مـنـه إلـى حـد تـقـلـيـده كـاريـكـاتـوريـاً فـي كـلامـه وحـركـاتـه خـلافـاً لأصـول الـعـلاقـة بـيـن الـرؤسـاء ورجالات الـدولـة! ومـا أن استـقـر الـمطـاف بتـرامـب فـي الـبـيـت الأبـيـض ثـانـيـةً، حـتـى شـرع فـي الانـتـقـام مـن بـايـدن وسـيـاسـاتـه مـن خـلال الـتـشـنـيـع عـليـهـا فـي كـل مـنـاسـبـة حـاول فـيـهـا تـلـمـيـع صـورة سـيـاسـته. كـان يـجـرب اغـتـيـال بـايـدن رمـزيـاً بـعـد أن لـم يـتـسـن لـه إلـحـاق الهـزيـمـة الانـتـخـابـيـة بـه، فـي رئـاسـيـات 2024، والـثـأر لـنـفـسـه مـنه بـعـد هـزيـمـتـه أمـامـه (فـي انـتـخـابـات الـعـام 2020) الـهـزيـمـة الـتي حـرمـتـه مـن الحـكـم لولايـتـيـن مـتـعـاقـبـتـيـن شأن أسـلافـه الـثـلاثـة (أوبـامـا، بـوش، كـلـيـنـتـون) وأخـرجـتـه مـن الـبـيـت الأبـيض.
عـلى أن عـقـدة أوبـامـا هـي الأكـبـر عـنـده عـلى الإطـلاق؛ فـهـو مـوضـوع هـمـز ولـمـز فـي أحـاديـث تـرامـپ للـصـحـافـة والإعـلام وفـي تـعـلـيـقـاتـه عـلى صـفـحـتـه مـنـذ وصـولـه إلـى السـلـطـة فـي الـعـام 2016 حـتـى اليـوم، حـتى أن كـثـيـراً مـن سـيـاسـاتـه الإشـكـالـيـة الـتي أتـاهـا، فـي ولايـتـه الأولـى والـيـوم، تـقـبـل الـتـفـسـير بـمـا هـي رد فـعـل سـلـبـي عـلى سـيـاسـات أوبـامـا ومـحاولـةٌ لـنـسخـهـا وإبـطـال مـفـاعـيـلـهـا.
قـد يـكـون جـائـزاً أن يـقـرأ قـرار تـرامـب، فـي الـعـام 2018، بـخـروج الـولايـات الـمـتـحـدة مـن الاتـفـاق الـنـووي، الـذي وقـعـت عـلـيـه فـي عـهـد إدارة بـاراك أوبـامـا (2015)، بـوصـفـه قـراراً يـحـرر يـد أمـريـكـا فـي مـواجـهـتـهـا إيـران مـن أي قـيـد سـيـاسـي عـلى الـنـحـو الـذي يـسـمـح لإدارتـه بالـعـودة إلى سـيـاسـة الـعـقـوبـات والخـنـق الاقـتـصـادي وتـشـديـدهـا عـلى إيـران، أو الـذي قد يـسـمـح لـهـا بـتـوجـيـه ضـربـات عـسكـريـة لـبـرنـامـج إيـران الـنـووي إن فـشـلت سـيـاسـة الـعـقـوبـات والحـصـار. وهـو جـائـز إن أخـذ المـرء في الحـسـبـان أن تـرامـب فـي سـيـاسـاتـه تـجـاه إيـران لا يـدافـع - مـثـل أوبـامـا - عـن مـصـالـح الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـية حـصـراً، بـل عـن مـصـالـح الـدولـة الصـهـيـونـيـة الـتي هـو أقـرب سـاسـة أمـريـكـا إلـيـهـا؛ وهـو فـي سـبـيـل ذلـك مـسـتـعـد لأن يـسـخـر قـوى أمـريـكـا ومـواردهـا لـخـدمـة تـدمـيـر ذلك البـرنـامـج حـمـايـةً لـ «إسـرائـيـل»...
فـي الـمـقـابـل، يـبـدو الأكـثـر تـرجـيـحـاً أن تـعـطـيـل تـرامـب اتـفـاق الـعـام 2015 إنـمـا كـان لارتـبـاط الاتـفـاق ذاك بـاسم بـاراك أوبـامـا. ومـع أنـه اتـفـاق دولـي - ولـيـس أمـريـكـيـاً فـقـط- مـع إيـران ووقـعـت عـلـيـه الـدول الـخـمـس الكـبـرى + ألـمـانـيـا، إلا أن تـرامـب ظـل مـصـراً عـلى نـسـبـته إلـى أوبـامـا مـن أجـل شخـصـنـة الـصـراع مـعـه! وهـا هـو اليـوم، وحـتـى بـعـد فـشـل حـروب إدارتـه و«إسـرائـيـل» عـلى إيـران، وهـزال مـكـتـسـبـات أمـريـكـا فـي «مـذكـرة الـتـفـاهـم»، «يـبـشـر» الأمـريـكـيـيـن بـتـوقـيـع اتـفـاق جـديـد مـع إيـران أفـضـل مـن «الاتـفـاق الـذي وقـعـه أوبـامـا» مـعـهـا. عـلى أن أكـثـر مـا يـسـتـرعـي انـتـبـاه مـن يـتـابـع مـعـركـة تـرامـب الـدونـكـيـشـوطـيـة مـع أوبـامـا إصـرار الأول عـلى نـطـق الاسـم الـثـلاثـي لأوبـامـا (بـاراك حـسـيـن أوبـامـا) فـي كـل مـرة ذكـر فـيـهـا اسـمـه؛ وذلك لـتـسـلـيـط الـضـوء عـلى سـلالـته المـسـلـمـة! ومـن يـدري إن كـان لأصـولـه الأفـريـقـيـة ولـون بـشـرتـه دخـلٌ فـي هـذه الـعـقـدة أيضـاً!
عبد الإلـه بـلـقـزيـز باحث ومفكر مغربي
