التطبيع مع إسرائيل: شعوب أرقى من حكوماتها

30 أغسطس 2026
30 أغسطس 2026

أثارت تصريحات عزيز هناوي الأمين العام لـ «مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين» و«المرصد المغربيّ لمناهضة التطبيع» ضجة كبرى بعد هجومه على التطبيع مع الكيان الصهيوني خلال اجتماع عُقد الشهر الماضي ما يؤكِّد أنّ معارضة التطبيع في المغرب جزءٌ من حراك سياسيّ وشعبيّ مستمر منذ استئناف العلاقات المغربية – الإسرائيلية عام ؛ إذ شهدت المغرب منذ ذلك العام، عشرات المسيرات والوقفات الاحتجاجيّة التي نظّمتها أحزاب يسارية وإسلامية ونقابات وهيئات مدنية تطالب بإلغاء اتفاق التطبيع، ووقف مختلف أشكال التعاون السياسيّ والاقتصاديّ والعسكريّ مع إسرائيل معتبرةً أنّ استمرار هذه العلاقات تتعارض مع الموقف الشعبيّ الداعم للقضية الفلسطينيّة. 

ما يثير الاستغراب حقًّا هو أنّ الشعوب العربية - رغم ما تواجهه من تحديات اقتصادية واجتماعية - تدرك بفطرتها خطورةَ التطبيع مع الكيان الإسرائيلي فيما تبدو بعض الحكومات وكأنّها تغفل هذه الحقيقة أو تتجاهلها عمدًا؛ فالمواطن العربي العادي الذي يرى يوميًّا آثار الاحتلال على الفلسطينيين، ويشاهد صور المجازر والتهجير يفهم أنّ التطبيع هو تنازل عن الحقّ الفلسطيني، واصطفاف مع الظالم على حساب الضحية. ولنا أن نتساءل: ما الذي يجعل الشعوب أرقى في وعيها السياسي والأخلاقي من حكوماتها؟ ببساطة؛ لأنّ الشعوب تتحرّك بدافع القيم والمبادئ بينما تتحرّك الحكومات بدافع المصالح الضيّقة أو الضغوط الخارجية. 

والحقيقة الناصعة التي تعيها الشعوب العربية هي أنّ التطبيع يخدم الكيان الإسرائيلي وحده؛ فهو يمنحه شرعية سياسية هو في أمسّ الحاجة إليها، ويطيل من عمره عبر فتح أبواب جديدة للتعاون الاقتصادي والأمني دون أن يقدّم أيَّ تنازل حقيقي للفلسطينيين أو اللبنانيين خاصة، وللعرب عامة؛ فكلُّ اتفاقية تطبيع مع هذا الكيان هي بمثابة جرعة إنقاذ له؛ لأنها تخرجه من عزلته وتمنحه قبولًا في محيطه بينما الواقع أنّ الشعوب لا تزال ترفضه. وبهذا المعنى فإنّ التطبيع لن يحقق سلامًا، ولكنه يساعد في إطالة عُمْر دولة الاحتلال، ويعزز قوته على حساب الحقوق العربية والفلسطينية. 

إنّ رفض الشعوب العربية للتطبيع يعود إلى أسباب كثيرة، منها التضحيات التي قدّمتها هذه الشعوب منذ النكبة عام 1948، مرورًا بالانتفاضات الفلسطينية، والحروب العربية الإسرائيلية؛ وتلك التضحيات تفسر لماذا بقيت الشعوب العربية متمسكة بموقفها رغم تغيّر الظروف السياسية والاقتصادية، ولنا في الشعب المصري العظيم مثل؛ رغم مرور ما يقرب من نصف قرن على اتفاقية كامب ديفيد، لم يتحوّل السلام الرسمي إلى قبول شعبي؛ إذ رفض المصريون التطبيع بأيِّ شكل من أشكاله، ورفضت النقابات المهنية والمثقفون والفنانون التطبيع الثقافي والأكاديمي؛ إدراكًا منهم أنّ أخطر ما في التطبيع هو محاولة اختراق الوعي وتزييف الحقائق. 

وما حصل في مصر حصل أيضًا في الأردن؛ إذ فشل التطبيع، ولم يلق قبولًا شعبيًّا منذ توقيع اتفاقية وادي عربة؛ حيث خرجت مظاهرات ضد مشاريع الغاز والماء، وفرضت النقابات عقوبات على من يتعامل مع مؤسسات إسرائيلية في تأكيد على أنّ الموقف الشعبي لا يتغيّر مهما طال الزمن. 

ولم تكن المغرب بعيدة عن رفض التطبيع، - كما أوضحت سابقًا -؛ فلم تجد اتفاقيات أبراهام أيّ قبول شعبي، وخرجت مظاهرات في مدن عدة تؤكد أنّ التطبيع لا يمثل إرادة الشعب، وتابعنا كيف شدّدت الأحزاب والجمعيات المدنية على أنّ القضية الفلسطينية جزءٌ من الهوية الوطنية المغربية. 

أما في الخليج، ورغم توقيع بعض الدول اتفاقيات علنية مع الكيان، فإنّ شعوب المنطقة، ترى أنّ أيَّ علاقة مع إسرائيل قبل إنهاء الاحتلال هي خيانة للحقوق الفلسطينية. 

وفي السودان - ورغم انضمام الحكومة الانتقالية عام 2020 - إلى اتفاقيات أبراهام ظلّ الموقف الشعبي رافضًا بشكل واضح، وخرجت وقفات احتجاجية في الخرطوم تندّد بالتطبيع رافعةً شعارات تعتبره خيانة للقضية الفلسطينية، وأنّ التطبيع لا يمثل إرادة الشعب السوداني. وهذا الموقف يعكس أنّ السودان، مثل بقية الدول العربية، يعيش فجوة بين القرار الرسمي والوعي الشعبي. 

هذه كانت نماذج من الدول التي وقّعت اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل، لكن من المهم أن نؤكد أنّ الرفض الشعبي لا يقتصر عليها وحدها؛ فحتى في الدول التي لم تنضم إلى اتفاقيات أبراهام يظهر رفضٌ قاطعٌ للتطبيع، ويتجلى ذلك بوضوح في مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث تتصدر القضية الفلسطينية النقاشات، وتنتشر الحملات الرافضة لأيِّ تقارب مع الاحتلال. وهذا الحضور الشعبي الرقمي يقول: إنّ الموقف الرافض جزءٌ من الوعي الجمعي الذي يتجدّد يوميًّا عبر منصات التواصل، ويؤكد أنّ الشعوب العربية، سواء في الدول المطبِّعة أو غير المطبِّعة، تتفق على أنّ التطبيع لا يمثلها ولا يعبّر عن إرادتها. 

من خلال النماذج السابقة يظهر أنّ أخطر ما يترتب على التطبيع أنه يُضعف الحكومات نفسها؛ لأنه يُمارَس بعيدًا عن رغبة الشعوب. صحيح أنّ القبضة الأمنية في كثير من الدول تجعل الشعوب عاجزة عن التعبير عن موقفها، لكن هذا الضعف ظاهريّ فقط؛ فالشعوب حين تُتاح لها الفرصة للانتفاض تنتفض بقوة وتُظهر أنّ رفضها للتطبيع موقف راسخ قادر على فرض نفسه في الساحات العامة. وأستطيع أن أجزم أنّ الحكومات التي تراهن على الصمت الشعبي تخطئ التقدير؛ لأنّ هذا الصمت هو انتظار للحظة الانفجار، وليس قبولًا بالتطبيع. 

وهذا الأمر يخلق فجوة بين الحكومات وشعوبها، ويؤثر على شرعية الأنظمة داخليًا؛ فحين ترى الشعوب أنّ مصالحها وقيمها تُتجاوز يتعزز الشعور بالغربة، ويضع الحكومات في موقف دفاعي أمام الرأي العام ما يجعل هذه الاتفاقيات عرضة للضغط الداخلي، وتحدّ من فعاليتها على المدى الطويل. 

وإذا انتقلنا وتناولنا الموضوع من زاوية أخرى، وتساءلنا عن استفادة الشعوب العربية من التطبيع نستطيع أن نرى بوضوح أنّ مشاريع التعاون الاقتصادي، مثل اتفاقيات الغاز والماء، لم تستفد منها الشعوب العربية أكثر ممّا استفادت منها إسرائيل، بل زادت من شعورهم بأنّ التطبيع خدم مصالح ضيقة للنخب السياسية والاقتصادية، وأصبحت الشعوب تنظر إلى الأمر بأنه «صفقة فوقية لا تراعي مصالح الناس اليومية»، مثلما ردّد الكثيرون عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 

مهما تسابقت الدول العربية إلى التطبيع فإنّ القضية الفلسطينية بالنسبة للشعوب العربية قضية هوية وكرامة وحق تاريخي؛ لذلك فإنّ أيَّ محاولة لتجاوزها عبر مصالح اقتصادية أو ضغوط خارجية تُقابل برفض شعبي واسع، وهذا الموقف النقي هو الذي يجعل الموقف الشعبي أكثر صلابة من الموقف الرسمي؛ لأنه يستند إلى قيم راسخة لا تتغيّر بتغيُّر الظروف السياسية. وأيُّ محاولة لفرض السلام من فوق دون عدالة حقيقية للشعب الفلسطيني، ستظلّ مرفوضة شعبيًّا، وستبقى الاتفاقيات شكلية بلا مضمون. 

أثبتت الشعوب العربية - الرافضة للتطبيع - أنها لا تنسى ولا تساوم على حقوقها، وأنها أرقى في وعيها من حكوماتها، وأكثر إدراكًا لخطورة التطبيع الذي يخدم الكيان وحده ويطيل عمره بينما يترك العرب بلا مكاسب حقيقية. 

زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.