من شرعية القانون إلى مشروعية الضمير

30 أغسطس 2026
30 أغسطس 2026

ما زالت العلاقة بين القانون والأخلاق من أكثر القضايا التباسا في الفكر الإنساني؛ حيث تسن القوانين لضمان العدالة والنظام منطلقا أوليا لتشريعها، غير أن تطبيقها حرفيا بعيدا عن روحها الإنسانية المتغيرة بتغير سياقاتها المتباينة يقود أحيانًا إلى نتائج تتعارض مع جوهر العدالة الإنسانية ذاتها؛ لنصل إلى مواجهة صارمة وصراع محتدم بين «شرعية القانون» و«مشروعية الضمير». 

وقد ميّز الفيلسوف الأمريكي جون رولز (John Rawls) بين العدالة بوصفها إجراءات وبين العدالة بوصفها إنصافًا حقيقيا؛ فالقانون قد يكون صحيحًا من الناحية الإجرائية مع فشله واقعيا في حماية الفئات الأكثر هشاشة، وقد نجد جميعا أنفسنا في لحظة مواجهة بين الأمرين، فكيف إن كان الخاضع لهذه المواجهة مسؤولا عن وضع القوانين أو متابعتها ومحاسبة مخالفيها؟! 

هذه المواجهة هي تحديدا ما حدث قبل عامين حينما وضع مدير مدرسة- يدعى «روبرت بيرنسايد» في ولاية أوهايو الأمريكية- وظيفته على المحك (بعد ثلاثة عقود من العمل التربوي) رافضا التخلي عن طالب مشرد يبلغ من العمر 16 عامًا، وسمح له بمواصلة الدراسة رغم فقدانه حق التسجيل في المدرسة بسبب حالة التشتت الأسري التي يعيشها دون عنوان ثابت؛ إذ لم يكن يعيش مع والدته التي تسكن خارج تلك المنطقة التعليمية، بل كان متنقلا بين الشارع وسيارة والده الغائب. 

إنسانية المدير جعلته يتجاوز القانون ليسمح له بحضور الدروس، وبدأ هو وعائلته بتقديم الطعام والملجأ للشاب المشرد تطبيقا عمليا لتوفير الحاجات الأساسية وفقا لهرم ماسلو: المأكل والمسكن والأمان والتقدير وصولا لتحقيق الذات. 

كل ذلك قبل فتح تحقيق في مخالفته القوانين انتهى بتقديم استقالته غير نادم على إنسانيته، بل ذهب أبعد من ذلك ليقرر وزوجته الوصاية على الشاب ليعيش مع عائلتهم المتضمنة طفلين بالتبني إضافة إلى أطفالهم الأربعة. 

وما أعاد هذه القصة إلى صفحات الإعلام الأمريكي والعالمي اليوم هو تخرج الطالب لانديريوس «ديدي» هايز من المدرسة ذاتها بحضور العائلة التي آمنت بحقه في المأوى والتعليم معا، ولا يملك المتابع هنا إلا أن يفخر بإنسانية هذه العائلة في عالم مادي استهلاكي مليء بالصراعات والجشع وتهاوي القيم الأخلاقية وتسليع البشر. 

هي قصة جديرة بالتداول والتحليل والفخر والاستنساخ في كل المجتمعات، لا في شقها المتعلق بالمخالفة، بل في جوهرها المحتفي بالإنسان تعاطفا ومشاركة وأثرا. 

وبين نظريتي الوصم أو التصنيف الاجتماعي Labelling Theory، والتعاطف العاطفي Empathic Concern تظهر الشجاعة الأخلاقية رهانا على الإنسانية، خصوصا وأن الطالب أسود ومدير المدرسة أبيض في كسر نموذجي لنمطية صعوبة التعاطف مع المختلف، أو تشكيل أطر جاهزة للحكم على البشر. 

سلوك بيرنسايد يمثل انتقالًا من مستوى الامتثال للقواعد إلى مستوى المبادئ الأخلاقية العليا؛ حيث تصبح العدالة والكرامة الإنسانية قيما تتقدم على الطاعة الشكلية للقوانين، فهل يمكن-وفقا لذلك- اعتبار موقف إدارة المدرسة عديم الإنسانية بشكل مطلق؟ 

في الواقع لا يمكن ذلك؛ لأن المؤسسات تعمل ضمن أنظمة قانونية وإدارية مصممة لحماية الحقوق وتوزيع المسؤوليات، ومن منظور علم الاجتماع التنظيمي تقوم المؤسسات الحديثة على مبدأ «العقلانية القانونية» الذي وصفه عالم الاجتماع الألماني «ماكس فيبر» حين تُتخذ القرارات استنادًا إلى القواعد والإجراءات، وليس إلى المشاعر الفردية والعاطفة؛ لذلك وجدت الإدارة أن السماح لطالب غير مسجل رسميًا بالبقاء داخل المدرسة قد يخلق مسؤوليات قانونية وتنظيمية لا تستطيع المؤسسة تحملها، وعليه فإن المؤسسة لم تكن تدافع عن القسوة بقدر ما كانت تدافع عن منطق الاستقرار التنظيمي القائم على تطبيق القواعد بصورة متساوية على الجميع. 

قصة واقعية تكشف إشكالية فلسفية وإنسانية عميقة تتمثل في حدود الالتزام بالقواعد عندما تتعارض مع مقتضيات الرحمة والكرامة الإنسانية؛ فالقانون الحقيقي ليس عظيما في صرامته وحسب، بل في قدرته على استيعاب وإنصاف الإنسان الذي وضع لأجله؛ ومن ثم فإن القيمة الحقيقية للمؤسسات لا تقاس فقط بقدرتها على تطبيق اللوائح، بل بقدرتها على حماية الإنسان في لحظات ضعفه. 

لقد خسر المدير منصبه وتقدير مؤسسته بعد عقود، لكنه ربح انتصاره لجوهر التربية بوصفها فعل رعاية وإنسانية قبل أن تكون ممارسة إدارية وهو الربح الأبقى في سجل التربية العملي. 

ختاما: إن الشجاعة الأخلاقية في المؤسسات التعليمية تتجلى عندما يتجاوز العاملون منطق الامتثال البيروقراطي الضيق إلى تبني قرارات تستند إلى قيم العدالة والرعاية والكرامة الإنسانية مع استعداد تام لتحمل التبعات المترتبة على تلك القرارات. 

وتظهر هذه الشجاعة في حماية الفئات الهشة اجتماعيا، ومواجهة التمييز، والدفاع عن النزاهة، وتقديم مصلحة المتعلم عندما تتعارض المتطلبات الإنسانية مع الضغوط المؤسسية. 

حالة روبرت بيرنسايد تقدم نموذجا تطبيقيًا للقائد التربوي المستعد لتحمل التكلفة الشخصية والمهنية دفاعًا عن حق طالب مشرّد في الاستقرار والتعليم مثالًا على أن قرارات الأفراد داخل المؤسسات لا تحددها اللوائح وحسب، بل تحددها منظوماتهم القيمية وهوياتهم الأخلاقية. 

حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية