الشرق الأوسط نحو ثلاثة سيناريوهات قاتمة

30 أغسطس 2026
30 أغسطس 2026

إذا لم تفلح الجهود الرامية إلى إعادة الأمريكيين والإيرانيين إلى مائدة التفاوض وتحويل إنجاز الاتفاق العماني الإيراني حول تنظيم مؤقت لقواعد الملاحة في مضيق هرمز إلى اتفاق سياسي بين واشنطن وطهران فإن المنطقة العربية ستدخل حتى نهاية العام إلى نفق معتم. 

فهذه المنطقة المنكوبة بفقدان الإرادة الجماعية حتى صارت رهينة غيرها قد تتنازعها ٣ سيناريوهات كابوسية. 

السيناريو الأول هو المعنى الجيوسياسي الفادح لتسليم مصيرك للآخرين كرة يتقاذفونها بين أرجلهم. وهو يتمثل في إبقاء المنطقة في الحالة الراهنة من النزيف المالي والاقتصادي وتعثر خطط التنمية وعدم الاستقرار السياسي وحالة عدم اليقين الاستراتيجي حتى نهاية العام الحالي. 

وبعبارة أوضح، فإن الأمريكيين المقدمين على انتخابات حاسمة في نوفمبر يتجهون نحو وضع الحرب مع إيران في حالة اللاسلم واللا حرب، ويستبدلون الضربات العسكرية بالعقوبات والخنق الاقتصادي والحصار المالي والبحري. 

على عكس المكاسب التي يحققها ترامب من هذه الحالة إعادة جزء من شعبيته المنخفضة بسبب حرب يرفضها ٧٢٪ من الناخبين، وتهدئة ارتفاع أسعار البنزين على المستهلك الأمريكي، واستعواض الذخائر والصواريخ المتناقصة « فإن الدول العربية ـ خاصة دول الخليج العربية ـ لن تحصد غير الخسائر. 

وكما يقول محللون: إن الأزمة التي أشعلها شن الحرب على إيران في ٢٨ فبراير الماضي تحولت لثقب أسود امتص الاستقرارالمالي والسياسي لدول الخليج. 

مع توقعات بعجز خليجي يقترب من ٧٪ ومع تدهور صادرات النفط والغاز سواء بسبب إغلاق مضيق هرمز أو تضرر المنشآت النفطية والسحب على المكشوف من الصناديق السيادية أو الاقتراض من الخارج وتراجع الاستثمارات الأجنبية وتعثر خطط التنمية، تتضح خطورة عدم وضع مصالح دول المنطقة في حسبان حلفائها أو تقديم مصلحة إسرائيل في شن هذه الحرب على مصلحة كل الحلفاء العرب. 

السيناريو الثاني هو ما يمكن وصفه بالارتفاع المخيف في حالة الاستقطاب الإقليمي، ليس فقط بسبب حرب إيران وحرب الإبادة الإسرائيلية علي الضفة وغزة، ولكن أيضا بسبب ازدياد تغلغل أطراف إقليمية في ترتيبات الأمن سواء في الخليج والبحر الأحمر، أو في المشرق العربي وشرق المتوسط مثل باكستان والهند، وما يقود إليه ذلك من نقل صراعاتهم إلى منطقة مضطربة ومستقطبة أصلا. 

بعبارة أوضح يزداد الاصطفاف والاصطفاف المضاد وتتراجع حالة السيولة الاستراتيجية التي سمحت مثلا في العقدين الأخيرين لدول متوسطة وحتى صغيرة بالتحالف عسكريا مع امريكا والتحالف اقتصاديا وتقنيا مع الصين. 

أصبح الحياد الاستقلالي النسبي الآن مكلفًا وعادت إلى الغرب وحتى إسرائيل حالة من ليس معنا فهو ضدنا، بينما يقوي هذا السيناريو من حالة التوتر ويسهل العودة للحرب متى انتهت الموانع الانتخابية أو غيرها، فإنه يضعف من مساحة الحركة للقوي المعتدلة الساعية لما يمكن وصفه بالحياد الفعال والاستقلال في الحركة لوقف التصعيد وتسهيل التفاوض وتجنب المحاور والخنادق المتقابلة والطاعة العمياء. 

السيناريو الثالث هو ما أنتجته الحرب الراهنة من عواقب مخيفة لدى أطرافها وفي عموم المنطقة في اتجاهين مترابطين ومقلقين أيضا؛ من حيث تعارضهما مع عوامل التهدئة والتوجه للحلول السياسية بدلا من الحرب السياسية والحرب الاقتصادية. 

هذه العواقب هي ارتفاع أسهم المتشددين والصقور سواء في إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة وزيادة تأثيرها على عملية صنع القرار. 

في إيران يمكن القياس بسهولة لأنها من تعرضت للهجوم؛ فمقتل المرشد وكبار القادة بغارات إسرائيلية وأمريكية 

دفع بنفوذ الحرس الثوري على القرار إلى مستويات غير مسبوقة في عهد الخميني وخامنئ. 

نمط التغييرات في سلم السلطة العسكرية والسياسية في عهد مجتبى، ونمط الحضور في خلفية المفاوضات من قادة الحرس، يكشف بقوة عن صعود الصقور. 

وحتى في واشنطن يتقدم ما يسميه البعض جناح روبيو المتشدد على حساب فانس الذي قاد مفاوضات نجحت في عقد مذكرة التفاهم التي للأسف تم الانقلاب عليها. 

هذا الصعود للصقور ليس من غير عواقب استراتيجية على الإقليم والعام؛ من أهمها تراجع إن لم يكن سقوط خطوط حمراء من بينها مثلا ارتفاع الأصوات الإيرانية الداعية إلى التخلي عن فتوى خامنئي بتحريم الأسلحة النووية. 

يقول كثيرون من بينهم الحمائم في إيران الآن: لو كنا امتلكنا السلاح النووي لردع ذلك أمريكا عن شن الحرب علينا، كما منعها امتلاك كوريا الشمالية للسلاح النووي من الهجوم على بيونج يانج رغم أن تهديدها للأمن القومي الأمريكي مباشر وقادر للوصول للأراضي الأمريكية وليس مثل إيران التي لا تشكل تهديدا مباشرًا بأي صورة لأمن الولايات المتحدة القاري. 

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري