الكوارث والولائم.. كل ذلك في هواتفنا لا في أرواحنا!
كنت جالسة على سطح في أثينا عند الغروب ناظرة إلى تل فيلوبابو، وأثينا في أغسطس شديدة الحرارة. صحيح أنها لم تعد أشد حرارة من لندن أو باريس، لكنها حرارة تجعل من الحماقة أن يخطو شخص إلى ضوء الشمس قبل السادسة مساء. وهكذا، خارجة من الهواء المكيف عند الغسق، رأيت صفا كثيفا من الغارقين في الظل على التل البعيد. والجميع تقريبا من أولئك الغارقين في الظل كانوا رافعين أذرعهم في الهواء يلتقطون بهواتفهم الذكية صورا للغروب.
من كل التلال الجميلة في العاصمة اليونانية، يقال إن فيلوبابو هو ذو الإطلالة الأجمل. إذ يقع الأكروبوليس إلى شماله مباشرة، وإلى الجنوب منه تمتد المدينة حتى البحر ومن بعدها أفق داكن من جزر إيجينا وسلامينا وأجيستري وغيرها.
رفعت عيني ورأيت السائحين وهم يلتقطون الصور فذكَّرني ذلك بشيء: مناطق الحرب.
لقد ظللت أكثر من عقد أعمل مراسلة حربية وأغطي الكوارث والصراعات لصحيفة الجارديان وصحف أخرى، وبمرور الزمن، كانت كل كارثة جديدة تأتي لتشبه سابقتها، فهي أفق آخر من المباني والجثث مسلطة عليه حلقة كثيفة من عدسات الكاميرات المقربة.
كان بوسع الكتاب الصحفيين من أمثالي أن يبقوا على بعد من الدم والرعب لأن دورنا هو أن نَصِف. بينما كان لزامًا على المصورين الفوتوغرافيين أن يقتربوا قدر الطاقة لأنهم بحاجة إلى لقطة واضحة.
بعد ذلك سألتهم عن عملهم ونحن نتناول الشراب في حانة فندق (أمريكان كولونيل) أو بينما نشرب الشاي في فندق (الديرة) الذي تحطم الآن في غزة: كيف يستطيعون أن يفعلوا ذلك؟ كيف يقضون أيامهم محملقين في المعاناة؟ فكان أغلبهم يجيب الإجابة نفسها، وهي أن العدسات حائل، نوع من الدرع الواقي، لا تجعلهم ناظرين إلى الطفل الجريح المشرف على الموت، وإنما إلى صورة له.
كان المصور الحربي ذائع الصيت دون مكولين مدركا للخطر الكامن في هذا البعد. فقال في عام 1983، أي قبل ستة عشر عاما من أول كاميرا هاتفية «إنني لا أعمل مصورا وإنما أنا إنسان. أحاول أن أوازن ما أصوره لا بوصفي مصورا فوتوغرافيا وإنما بوصفي شخصا، إنسانا، فلا علاقة للفوتوغرافيا بالأمر. هي محض شيء تعلمته، محض وسيلة للتواصل».
نحن الآن في 2026 وكل امرئ منا تقريبا، عدا غرباء الأطوار ومن يرفضون التكنولوجيا، يتشبث في أداة إبعاد.
تأخرت في التعرف على إنستجرام، ثم سرعان ما بات جزءا مني. والآن كلما وضع أمامي طبق جذاب، أو فعل حيوان شيئا لطيفا، أو اندلع شجار على متن عبّارة، أو حطت مروحية للمسارعة بحمل مسكين إلى مستشفى، أستل هاتفي وأسجل ذلك مثلما يفعل الجميع.
شأن أولئك الواقفين على التل، يعيش أغلبنا حياته عبر العدسات، عدسات الكاميرات أولا.
ولا تتجه هذه العدسات دائما إلى الخارج. فقد نشأت صناعات بمليارات الدولارات على أكتاف من يصورون أنفسهم. وما أكثر ما كتب عن الأخطار السيكولوجية لعصرنا النرجسي، لكن الخطر بات يكتسب على نحو متزايد طبيعة غير سيكولوجية فقط.
في وقت سابق من الشهر الحالي، لقي خمسة مراهقين مصرعهم في سيارة ماضية عكس الاتجاه على طريق سريع في أيرلندا، إذ اصطدموا بسيارة أخرى تقل أسرة من أربعة أفراد تعرضوا جميعا لإصابات جسيمة. ويبدو أنهم ماتوا وهم يشاركون في بدعة إنترنتية يقوم فيها شباب بالسياقة المتهورة شديدة السرعة وهم يرتدون أقنعة دافعين الشرطة إلى مطاردتهم. وليست العدسة هنا ذات حضور عارض، إنما الخطر نفسه تحقق من أجل العدسة.
تصف إخصائية علم النفس الجنائي السيبراني ماري آيكن هذا بـ«السلوك الهجيني»: أي التصوير والقيادة في آن واحد بـ«إحدى القدمين في الواقع، والقدم الأخرى في فضاء الإنترنت»، بينما السيارة الملموسة تسرع على الطريق، يكون جزء من عقل السائق مشاهدا للفيديو النهائي، وللجمهور، ولعلامات الإعجاب من مشاهديه ومشاركيه في أرجاء العالم.
قد يفسر هذا أيضا ظاهرة السيلفي القاتلة. فقد رصدت دراسة 332 حالة موت مرتبطة بالسيلفي بين عامي 2014 و2021، أغلبها نجم عن الغرق أو السقوط أو وسيلة ما من وسائل النقل. ولا يمكن أن يلام في كل هذه المآسي التقاء الغرور بالهاتف المحمول ـ فطالما أقبل الناس على مخاطرات غبية ـ لكن كاميرات الهواتف غيرت طريقة فهمنا للخطر، إذ جعلت حافة الجرف الشاهق صورة للخلفية، والموت نفسه محتوى.
في أفغانستان عام 2009، التقطت جولي جاكوبسون مصورة وكالة أنباء أسوشييتد بريس تسع لقطات خلال دقيقتين ونصف دقيقة للجندي الأمريكي جوشوا برنارد إذ يسعفه زملاؤه من جنود البحرية من جراح قاتلة بعد كمين من طالبان. لم تمد لهم جولي جاكوبسون يد العون لكنها قامت بتصويرهم.
أثارت صورة برنارد بوجهه الميت وجراحه المريعة جدالا حادا، فطلبت أسرته عدم نشرها. ووصف وزير الدفاع الأمريكي آنذاك روبرت جيتس قرار أسوشييتد بريس بنشر الصورة بالقرار «المريع». ودفعت الوكالة بأن الصورة تؤدي وظيفة عامة ضرورية هي أنها ترغم الناس في الوطن على رؤية واقع حرب تخاض باسمهم.
وكان دفاع المصورة جاكوبسون أنها في لحظة الحدث لم تستطع أن تقاوم وقررت أن أفضل عون يمكنها تقديمه بوصفها مصورة فوتوغرافية هو أن توثق الحقيقة المؤلمة.
وأحسب أن الكاميرا بالنسبة لمستعمل الهاتف الذكي العادي تحقق الهدف المناقض. فقد بات أصعب على الناس أن يعاينوا العالم مباشرة.
في كل يوم تعرض علينا العدسات المنازل المقصوفة في غزة، والغابات المحترقة في كل مكان، والمشاهير في أوجاعهم السيكولوجية إذ يلحقون الضرر بأنفسهم أمام الملايين من متابعي تيكتوك. وبعد مقاطع الفيديو القصيرة للمؤثرين وهو يتناولون «أفضل وجبة كاسيو إي بيبي على الإطلاق»، تأتي مقاطع تالية بعمليات إعدام واعتداء وأطفال مشوهين يحتضرون.
فيتعرض مستعملو الهاتف المحمول لمعاناة تفوق احتمال الجهاز العصبي الإنساني، ومع ذلك تبقى أصابعنا تتصفح.
بتنا مدمنين على الكاميرات لأن لديها مقدرة سحرية على تحويل كثير من المرعب والمؤلم أو حتى فائق الجمال إلى شيء يمكننا تأطيره، وتحريره، والتعليق عليه، ونشره. فهي تتيح لنا الحضور والغياب في آن واحد.
ذلك الارتباك الأخلاقي هو الذي حاولت أن أنفذ إليه في روايتي (النسر)، فبطلة هذه الرواية مراسلة بريطانية في غزة تجد أنها توثق معاناة الآخرين فلا يعطيها هذا فقط معنى لحياتها وإنما هو أيضا مهرب؛ إذ يصبح الرعب تعليقا على صورة، وكل جسد ميت سطرا، وتصبح مشاهدة المأساة براءة من الذنب.
ولا أقول إننا يجب أو يمكن أو سوف نتوقف عن التوثيق. ففي غزة، قدم الصحفيون الفلسطينيون بما صوروه عبر هواتفهم سجلا لا غنى عنه لحرب لم يتسن للمراسلين الحربيين الأجانب أن يدخلوا إليها. فهناك يصبح حمل كاميرا عملا استثنائيا من أعمال الشجاعة.
لقد قال مكولين العظيم ذات مرة إن «التصوير الفوتوغرافي عندي ليس نظرا، ولكنه شعور»، وذلك هو النهج الذي أثمر بعض أكثر الصور الملتقطة في مناطق الصراع تأثيرا على الإطلاق.
فلعل على الباقين منا أن يعملوا على أن يبقوا بشرا من وراء عدساتهم، وأن يتذكروا أن عليهم أن ينخرطوا في الواقع فور أن ينشروا الصورة.
فيبي جرينوود مراسلة سابقة للجارديان ومؤلفة رواية (النسر).
