لماذا لم تسبب حرب إيران صدمة نفطية؟
مرت ستة أشهر منذ اندلاع الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وإيران. هذا الحريق الذي يشتعل ثم ينطفئ ثم يشتعل مرة أخرى زعزع بشدة صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال وسلع حيوية أخرى عبر مضيق هرمز.
مع احتباس شحنات من النفط بلغت في مجموعها أكثر من بليوني برميل في هذا العام وصفت وكالة الطاقة الدولية ذلك بأنه «أكبر اضطراب للإمداد في تاريخ سوق النفط العالمية»، لكن تلك ليست القصة الأكبر هنا.
لا تزال أسعار النفط المعيارية بعد حساب التضخم أقل كثيرا من أعلى المستويات التي بلغتها في الأزمات العالمية السابقة؛ فالمتاعب الحالية في الشرق الأوسط بالكاد أبطأت النموَّ بعكس المقاطعة النفطية العربية (1973-1974) والثورة الإيرانية (1978-1979) اللّتَيْن وجهتا ضربة للنمو وأشعلتا التضخم.
قلل صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو بقدر طفيف فقط؛ فهو الآن يتوقع نموا بنسبة 3% للاقتصاد العالمي هذا العام، ومعدلا أعلى من ذلك في العام القادم إذا لم يحدث تصعيد كبير في الحرب.
إذن كيف لم يتسبب أكبر اضطراب مادي لإمدادات النفط في صدمة نفطية؟ تشير الإجابة إلى دروس مستفادة من الحرب بصرف النظر عن كيفية وموعد إنهائها.
التفسيرات الواضحة والمباشرة تتعلق بجانب العرض (إمداد النفط).
لقد لعب الحظ دورا في ذلك؛ فأسواق النفط كانت تحظى بإمدادات كافية عندما بدأت الحرب.
وتوقعت وكالة الطاقة الدولية تحقيق فائض يقارب أربعة ملايين برميل في اليوم خلال العام الحالي؛ لذلك لم يرتعب متداولو النفط عند اندلاع الحرب.
كما لعب التخطيط دورا أيضا؛ فالاقتصادات المتقدمة بتنسيق من وكالة الطاقة الدولية سرعان ما ضخت أكبر كمية على الإطلاق من مخزونات النفط الاستراتيجية بلغت حوالي 273 مليون برميل، وهذا عزز هدوء السوق.
وساعدت البنية التحتية المرنة كذلك؛ فالسعودية والإمارات ضختا ملايين البراميل يوميا عبر خطوط أنابيب لم تُستخدم بكامل سعتها، وتتجنب الممر البحري الإشكالي.
وعزز الابتكار الإمدادَ أيضا؛ فبفضل ثورة النفط والغاز الصخريين تحولت الولايات المتحدة من مستورد يعاني من ندرة الطاقة في السبعينيات إلى بلد مصدِّر يتمتع بوفرة في موارد الطاقة مما ساهم في تحريك أسواق النفط والغاز العالمية اليوم.
هذه المصدّات الوقائية ثمرة دروس حيوية تم تعلمها من صدمات النفط السابقة؛ فقد أنشئت وكالة الطاقة الدولية في عام 1974 بقصد تنسيق الاحتياطيات الاستراتيجية. كما شجعت الحروب السابقة كبار المنتجين على الاستثمار في طرق بديلة لإيصال الإمدادات إلى السوق وحفزت المستثمرين لتطوير موارد هيدروكربونية من غير بلدان أوبك في الأمريكتين ومناطق أخرى نجت من الاضطرابات الدورية التي يشهدها الشرق الأوسط الغني بالنفط، فبدونها من المؤكد أن ضرر قطع الإمدادات عبر مضيق هرمز سيكون أسوأ بكثير.
لكن هذا التحليل لجانب العرض في أسواق النفط يتجاهل الدور غير المتوقع إلى حد كبير الذي لعبه الطلب؛ فالسائد منذ فترة طويلة أن عرض النفط يمكن إدارته بسهولة وسرعة أكبر من إدارة الطلب في أوقات الأزمات.
ذلك لأن عرض النفط يُنسَّق جزئيا بواسطة أوبك؛ فمنذ فترة طويلة اعتُبِرَت السعودية -وهي المنتج المرجح وقطب أوبك- «البنكَ المركزي للنفط». وفي فترة أقرب ساهمت قدرة الولايات المتحدة على ضخ المزيد من النفط والغاز أثناء الأزمات (على الأقل في الأجل القصير) في تهدئة أسواق الطاقة العالمية أيضا.
لكن الطلب، بالمقارنة، أكثر تبعثرا بين لاعبين متشاكسين في سوق النفط وبلدان متنوعة والبلايين من مستهلكي النفط، وعندما تكون هنالك استجابة من جانب الطلب أثناء أزمة للطاقة تكون هذه الاستجابة في العادة فوضوية ومؤلمة نتيجة للسياسات الإسعافية وقفزات الأسعار ونقص الإمداد وتقنين الاستهلاك.
هنالك أدلة على ذلك خلال هذه الأزمة أيضا في البلدان الأكثر تضررا، خصوصا في إفريقيا وآسيا حيث كان المستهلكون الأكثر فقرا هم الأشد معاناة.
مثلا وجد تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية الذي نشره البنك الدولي في يونيو أن حرب إيران فاقمت الهشاشات الاقتصادية في بنجلاديش، وأثرت سلبا على ميزانها الخارجي، وزادت عجزها المالي. وفي نيجيريا ذُكِر أن الحرب رفعت أسعار الوقود بما يقارب 50% وعززت التضخم مع بداية الحملة السياسية للانتخابات العامة في عام 2027.
في الماضي كان يفترض وعلى نطاق واسع أن تنظيم استجابة هادئة ومتماسكة وبسرعة من جانب الطلب في وقت الأزمة شبه مستحيل، لكن الصين بتخطيطها المركزي للطاقة وخوفها المزمن من هشاشة الواردات النفطية أثبتت خطأ ذلك الافتراض.
ما يُدهش أنها قلصت واردات النفط عن طريق البحر بأكثر من خمسة مليون برميل في اليوم خلال يونيو وأقل بنسبة تزيد عن 40% مقارنة بمستوياتها قبل الحرب دون أن يتسبب ذلك في كارثة اقتصادية. (أشار المكتب القومي للإحصاء بالصين إلى نمو منتظم للناتج المحلي الإجمالي في الربعين الأول والثاني لهذا العام على الرغم من استمرار الاضطراب في إمدادات الطاقة).
فعلت الصين ذلك بالسحب من احتياطياتها الاستراتيجية الضخمة (التي راكمتها عندما كان النفط رخيصا نسبيا) وبالاعتماد مؤقتا على الفحم الحجري المحلي والموارد المتجددة للتعويض عن الواردات المفقودة.
كما قيَّدت تصدير المنتجات البترولية الأمر الذي أغاظ زبائنها في الخارج. وما هو أكثر إثارة أن بكين حدّت من الطلب المحلي على الوقود الأحفوري عبر سياسات تعزز استخدام السيارات البديلة والحفاظ على الطاقة والنقل العام.
يشير ذلك إلى درس أكبر؛ فإدارة الطلب التي يُطلق عليها أحيانا «الوقود المنسي» يمكن أن تلعب دورا أكبر إلى حد بعيد في تدبير أمور الطاقة مما يمكن أن يتخيله واضعو السياسات الذين يلجؤون تلقائيا إلى حلول جانب العرض في أوقات الأزمات.
هذه الفكرة شرحها أموري لوفينز قبل خمسين عاما بالضبط أثناء الحقبة المبكرة لحروب الشرق الأوسط وصدمات الطاقة في مقال رائد بمجلة فورين أفيرز تحت عنوان «استراتيجية الطاقة - الطريق الذي لم يُسْلَك». توقع لوفينز أن تقلص الولايات المتحدة حجم طلبها على الطاقة إلى 95 كوادريليون (ألف تريليون) وحدة حرارية بريطانية بنهاية الألفية الثانية إذا بذلت جهودا جادة لتنويع مصادر الطاقة وكفاءة استخدامها. لقد تعرض وقتها إلى سخرية على نطاق واسع؛ لأن ذلك الرقم أقل بأكثر من ربع توقعات الجهات الرسمية.
ولكن في عام 2000 كان استهلاك الولايات الفعلي للطاقة 97 كوادريليون. وفي الشهر القادم سينظم مجلس العلاقات الخارجية ندوة في واشنطن لإحياء ذكرى هذا الحدث المفصلي، والاستفادة من دروس تلك الحقبة في رسم الاستراتيجية المستقبلية للطاقة في الولايات المتحدة.
ما يُسعِد أن أدوات الاستفادة من «حلول جانب الطلب» تشهد انتشارا؛ فأثناء انعقاد مؤتمر التغير المناخي السنوي للأمم المتحدة في دبي عام 2023 تعهدت 200 دولة تقريبا بما في ذلك الولايات المتحدة بمضاعفة متوسط المعدل العالمي لتحسين كفاءة الطاقة بنسبة 4% سنويا بحلول عام 2030.
التقدم بطيء جدا، لكن هنالك سبب للتفاؤل؛ «فالكهربة» -وهي طريقة أكثر كفاءة إلى حد بعيد في استخدام الطاقة من «الاحتراق الداخلي»- تتزايد بضعفي أو ثلاثة أضعاف معدل الطلب العالمي الإجمالي للطاقة.
وفي الشهور الأولى عقب إغلاق مضيق هرمز ارتفعت قيمة صادرات السيارات الكهربائية من الصين (إلى 9.2 بليون دولار في مايو أو بما يقارب 50% على أساس سنوي) مع سعي البلدان للتنويع بعيدا عن واردات الوقود الأحفوري المتقلبة.
ومع انتشار «الكهربة» والتقنيات المرتبطة بها من النقل إلى المباني والصناعة الثقيلة قد تُعتبر الكفاءة في استخدام الطاقة ليست فقط «الوقود المنسي» ولكن «الوقود الأول» حسب وصفها بواسطة وكالة الطاقة الدولية.
وإذا كان ذلك، فسيكون التعامل مع صدمات الطاقة في المستقبل أكثر سهولة إلى حد بعيد، ولن تكون الدعوة إلى «حفر المزيد من الآبار» السبيل الوحيد لوفرة الطاقة في الولايات المتحدة.
فيجاي فايثيسواران زميل أول ومدير برنامج أمن الطاقة والتغير المناخي بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي.
