ضبط وتحكم باسم الحماية والسلامة

08 يوليو 2026
08 يوليو 2026

منذ 2023 ودول العالم تمرر تباعا - أو تناقش على الأقل - قوانين حظر الشبكات الاجتماعية على الأطفال واليافعين (دون الستة عشر عاما في الغالب). 

بحسب المنصة العالمية لتتبع قيد العمر لمستخدمي الشبكات الاجتماعية، قيدت سبع دول حتى الآن استخدام الشبكات: استراليا، الصين، الإمارات، البرازيل، اندونيسيا، ماليزيا، فيتنام. مررت أربع دول أخرى القوانين بانتظار إنفاذها، فيما تتداول الموضوع خمس عشرة دولة. 

تأتي هذه الجهود كاستجابة للإحصائيات التي تُشير إلى ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية كالقلق والاكتئاب والحرمان من النوم، بل وارتفاع معدلات الانتحار لمن هم تحت سن 18. تزامن هذا الصعود المفاجئ مع شيوع الهواتف الذكية. 

ورغم أن أضرار الشبكات مسألة لا جدال فيها تقريبا، لكن دعونا نتأمل اليوم فيما يعنيه فعليًا تشريع قوانين تحتج بحماية الأطفال والمراهقين لتمنح بذلك (سواء افترضنا سوء النية أو لم نفترضها) شركات التقنية الكبرى وصولاً إلى هوياتنا ومعلوماتنا على الإنترنت. 

تُمرر المنصات هذه الضوابط بدواعي حماية الأطفال والمراهقين، السلامة في الفضاء الإلكتروني، والرقابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي؛ لكن ما تفعله فعلياً هو بناء بنية تحتية تُساهم في الضبط الاجتماعي. ومتى ما بُني نظام الرقابة الإلكتروني المعتمد على التحقق من هوياتنا، يُصبح استخدامها (والمعلومات المرتبطة بها) متاحاً سواء للأغراض المعلنة أو غير المعلنة؛ لتحكم أكبر بسلوك وحرية الأفراد بما يتماشى مع المصالح الاقتصادية والأمنية للشركات والسلطات. 

في نوفمبر 2025، سحب مكتب الهجرة ببرلين الجنسية من شاب فلسطيني بسبب منشور على الانستغرام. عبدالله مقيم في ألمانيا مذ كان عمره شهرين، وقد انتظر 30 عاماً للحصول على الجنسية الألمانية. 

الصورة الاحتفالية لجوازه الجديد أذكت حملة مطاردة قادها مدونون صهاينة وإعلاميون يمينيون طالبوا السلطات بسحب جنسيته بسبب منشور له يُظهر صورة رجلين ملثمين يحملان العلم الفلسطيني، ويرتديان عصابات رأس خضراء. 

منذ السابع من أكتوبر والسلطات الألمانية تستخدم قوانين الهجرة لمعاقبة المتضامنين مع الحق الفلسطيني، والمطالبين بإنهاء الدعم الغربي لإبادة غزة. 

الأدهى أن الرموز والعبارات التي يُجرمها النظام الألماني لا تبدأ ولا تنتهي عند إبداء -التعاطف- مع المقاومة الفلسطينية. 

نشرت وكالة الأمن الداخلي الألمانية في مايو 2026 تقريراً ترصد فيه ما أسمته التطرف العلماني المؤيد لفلسطين. تأتي هذه المحاولة بعد فشل السلطات في تنميط المتظاهرين كإسلاميين متطرفين أو معادين للسامية؛ وذلك لمشاركة طيف عريض من المنظمات والحركات والشبكات والأفراد في الحراك. وما هو شكل التطرف الذي يُسميه التقرير؟ عدم تسامح الفلسطيني مع الصاروخ الذي يهد بيته ويقتل ذويه. 

فالتقرير لا يُنكر الجريمة الإسرائيلية، ولكنه يستقبح من الفلسطيني تجرأه على الاعتراض على قضاء إسرائيل وقدرها، فيقول مثلاً حول سمات هذا النوع من التطرف: تُثير السياسات الإسرائيلية وأفعال قوات الأمن الإسرائيلية تجاه السكان الفلسطينيين أحيانًا مشاعر سلبية قوية تجاه إسرائيل لدى المؤيدين (المتأثرين شخصياً، بهذه الأفعال، أو من تأثر أقاربهم بها). 

جاء التقرير (وأخيراً عدنا للموضوع) مشفوعاً بقائمة من الشعارات والرموز التي قُدمت على أنها معادية للسامية، من بينها شعارات من النهر إلى البحر وقتلة الأطفال، رمز البطيخة التي تتخذ شكل خارطة فلسطين، بل وحتى حنضلة. 

لوكالة الأمن سلطة وتحكم على شتى مناحي الحياة في ألمانيا. وهذا التقرير محاولة أخرى للمط حتى الوصول للتجريم الكامل للتضامن مع القضية الفلسطينية، ومن ثم توظيف قوانين الهجرة ومكافحة الإرهاب لأداء الأعمال القذرة، حتى لا يسقط القناع عن الوجه البوليسي لدولة الحقوق والحريات. 

وهكذا تكتمل أركان القمع؛ فلدينا سردية التطرف التي تحفزه وتشرعنه، ولدينا القضاء الذي يُوظف ليبدو القمع قانونياً وغير منحاز، وشيئاً فشيئاً يُصبح لدى الدولة المقدرة التقنية الواسعة على المراقبة والرصد والضبط. 

كنتُ قد كتبت في المقال الماضي حول تحالف الشرطة الألمانية وشركات التقنية (تحديداً شركة بالانتير Palantir سيئة السمعة)، بالتوازي مع محاولات تمرير قوانين تمنح الشرطة والمكتب الاتحادي للهجرة صلاحيات واسعة وجديدة لإجراء عمليات مراقبة جماعية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي. 

وبالرغم من أن الإنترنت والشبكات الاجتماعية تحديداً تُمثل تهديداً حقيقيا لسلامة الأطفال والمراهقين، وأن حمايتهم ليست بالقضية التي يسهل تحقيقها، إلا أن التساهل مع فرض أنظمة تُهدد خصوصيتنا وأمننا سيأتي بعواقب أشد مستقبلاً. فهو يُسهل التعرف على الأشخاص، وربط حسابات الشبكات بهويات أصحابها، وبالتالي يجعل الملاحقة ممكنة بأقل الموارد. 

نوف السعيدي كاتبة عمانية مهتمة بفلسفة العلوم