حـرب عـلى وسـائـل الإعـلام الأمـريـكـيـة

08 يوليو 2026
08 يوليو 2026

عـلى الـرغـم مـن مـحـاولات للـتـلـمـيـع والـتـسـويـق مـتـلاحـقـة الحـلـقـات، مـنـذ الأسـبـوع الـثـانـي مـن أبـريـل المـاضـي، لـم تـسـتـطـع الإدارة الأمـريـكـيـة أن تـفـرض عـلى الـرأي الـعـام الأمـريـكـي سـلطـة روايـتـهـا الـرسـمـيـة عـن حـربـهـا عـلى إيـران، ولا أن تـفـلـح فـي الـتـمـاس الـتـبـريـر الـضـروري لـهـا الـذي تـصـيـر بـه، فـي وعـي الأمـريـكـيـيـن الجـمـعـي، حـربـاً مـشـروعـة. ثـلاثـة أربـاع الشـعـب الأمـريـكـي ظـلـت تـعـارض الحـرب، حـسـب اسـتـطـلاعـات الـرأي، ولا تـؤيـدهـا إلا نـسـبة ضـئـيـلة مـنـه تـتـراوح - حـسـب نـتائـج الاسـتـطـلاعـات - بـيـن 18% و25%؛ وهـي النـسـبـة الأسـوأ فـي حـروب أمـريـكـا السـابـقـة. 

يـزيـد طـيـن هـذه الإدارة بـلـةً أن مـوجـة مـعـارضـة الحـرب غـمـرت «الحـزب الجـمـهـوري» نـفـسـه ووصـلـت إلـى بـعض ممـثـلـيـه فـي مـجـلـسـي الشـيـوخ والـنـواب ممـن بـاتـوا يـرفـعـون صـوت الاعـتراض، جـهـرةً، أو يـدافـعـون عـن الـتـفـاوض والخـيـار الـديـبـلـومـاسـي إلـى حـيـن تـوقـيـع تـرامـب عـلى «مـذكـرة الـتـفـاهـم». 

ولـم تـسـلـم قـاعـدة الـرئـيـس فـي «مـاجـا» مـن هـزات زلـزال الإخـفـاق الـعـسـكـري الأمـريـكـي فـي حـرب إيـران؛ إذ هـا هـي تـلـك الـقـاعـدة تـشـهـد عـلى انـقـسـام فـيـهـا بـات حـديـث مـحـلـلي السـيـاسـات فـي أمـريـكـا، بـمـن فـيـهـم مـن كـانـوا مـن بـطـانـة تـرامـب فـي مـا مـضـى وانـقـلـبـوا عـليـه. 

لـيـس هـؤلاء وحـدهـم مـن انـقـلـبـوا عـلـيـه وانـتـقـدوا سـيـاسـاتـه، خـاصـةً حـربـه الـفـاشـلـة عـلى إيـران، بـل شـاركـتـهـم فـي ذلـك كـبـرى الـصـحـف ووسـائـل الإعـلام وعـلى نـحـو لا سـابـق لـه مـع أي رئـيـس أمـريـكـي آخـر. إذا اسـتـثـنـيـنـا صـحيـفـتـيـن يـمـيـنـيـتـيـن مـحـافـظـتـين تـؤيـدان سـيـاسـاتـه، هـمـا صـحيـفـة «واشـنـطـن تـايـمـز» وصـحـيـفة «نـيـويـورك بـوسـت»، فـإن أكـبـر الـصـحـف الأمـريـكـيـة وأعـرقـهـا، مـثـل «نـيـويـورك تـايـمـز» و«واشـنـطـن بوسـت» و«لـوس أنـجـلـوس تـايـمـز» ومـجـلـة «أتــلانـتـيـك» ومـجـلـة «تـايـم»...، تـعـارض تـلـك السـيـاسـات. 

عـلى أنـه إذا كـانـت هـذه الصـحـف الـمـعـارضـة لـيـبـيـرالـيـة، فـي مـعـظـمـهـا، فـإن صـحـفـاً أخـرى مـحـافـظـة ومـؤيـدة للـجـمـهـوريـيـن تـشـارك الأولـى اعـتـراضـهـا عـلى سـيـاسـات إدارة تـرامـب وحـربـهـا الـفـاشـلـة عـلى إيـران، ومـنـهـا صـحـيـفـة «وول سـتـريـت جـورنـال» و«نـاشـيـونـال ريـڤـيـو». 

مـا يـقـال عـن الصـحـف، هـنـا، يـنـطـبـق عـلى وسـائـل الإعـلام أكـثـر: بـاسـتـثـنـاء شـبـكـة «فـوكـس نـيـوز» وشـبـكـة «Newsmax» اللـتـيـن تـشـايـعـان سـيـاسـات تـرامـپ، تـعـارض كـبـرى الـشـبـكـات والـمـواقـع تـلـك السـيـاسـات مـن قـبـيـل شـبـكـة الـ «CNN» وشـبـكـة «NBC» وشـبـكـة «MSNBC» و«ABC» و«CBS»...إلـخ، بـل تـسـتـمـر فـي الـمـعـارضـة حـتـى بـعـد تـوقـيـع «مـذكـرة الـتـفـاهـم» مـن زاويـة الـتـشـديـد عـلى الـتـنـازلات الـتي قـدمـتـهـا إدارة تـرامـب في ورقـة الـتـفـاهـم. 

لا يـتـرك تـرامـب مـنـاسـبـةً لا يـهـاجـم فـيـهـا الإعـلام والصـحـافـة ورجـالـهـا لـمـجـرد أنـه لا تـروق لـه مـعـارضـتـهـم لـسـيـاسـاتـه. يـفـعـل ذلـك، أحـيـانـاً، بـقـدر عـال مـن الـعـنـف اللـفـظـي غـيـر مـعـتـاد؛ بـعـبـارات نـابـيـة تـفـتـقـر إلـى الحـد الأدنـى مـن مـقـتضـيـات اللـيـاقـة فـي الـمـخـاطـبـات السـيـاسـيـة، فـكـيـف بالـمـخـاطـبـات الـرئـاسـيـة! 

مـن ذلـك اسـتـخـدام عـبـارات الإهـانـة لـكـرامـات الإعـلامـيـيـن وشـتـائـم صـريـحـة لـهـم ولـمـؤسـسـاتـهـم أمـام الـملأ فـي خـطـب أو تـصـريـحـات لـوسـائـل الإعـلام فـي الـبـيـت الأبـيـض. 

لا يـتـورع فـي إبـداء الاحـتـقـار لـكل مـن يـعـارضه مـن مـؤسـسـات الإعـلام والصـحـافـة، بـل يـفـعـل ذلـك حـتـى فـي مـواجـهـة أسـئـلـة يـوجـهـهـا إلـيـه مـراسـلـون فـي شـؤون عـامـة تـعـنـي الأمـريـكـيـيـن جـمـيـعـاً! 

كـمـا لا يـقـاوم مـا يـنـتـابـه مـن مـشـاعـر الـتـضـايـق الـعـلـنـي مـن كـل مـن لا يـعـجـبـه كـلامـه مـع إصـرار عـلى اسـتـخـدام اللـغـة الـتـي تـسـتـفـز الـرأي الـعـام وتـحـرج فـريـق عـمـلـه وجـمـهـوره. 

وهـو، فـي مـا يـفـعـل، يـسـقـط مـن حـسـابـه الحـقـوق الـدسـتـوريـة والـديـمـقـراطـيـة لـمـعـارضـيـه فـي إبـداء آرائـهـم الـنـقـديـة فـي سـيـاسـاتـه - وقـد كـفـلـهـا دسـتـور الـولايـات الـمـتـحـدة مـنـذ قـرنـيـن ونـصـف وبـاتـت مـن تـقـالـيـد السـيـاسـة فـيـهـا-؛ ومـن ذلـك أنـه يـصـر عـلى أن يـواجـه تـلـك الحـقـوق بـالـتـقـيـيـد الـمـسـتـمـر لـحـريـة عـمـل الصـحـفـيـيـن والإعـلامـيـيـن، وبـمـقـاضـاة مـؤسـسـات الإعـلام! 

لا غـرابـة، إذن، فـي أن يـتـعـاظـم مـنـحـى العـد الـتـنـازلـي لـرصـيـد دونـالـد تـرامـب فـي الـداخـل الأمـريـكـي نـظيـر خـسـارتـه رصـيـده لـدى حـلـفـائـه فـي الـغـرب (أوروبـا، كـنـدا، اليـابـان، أسـتـرالـيـا)، وأن يـتـرجـم ذلـك الـتـآكـل فـي الـرصـيـد الـداخـلـي نـفـسـه فـي نـتـائـج اسـتـخـراج الـرأي الـمـتـجـهـة نسـبـتـهـا هـبـوطـاً إلـى حـدود غـيـر مسـبـوقـة. 

وهـكـذا فـي دورة تـسـتـتـبـع فـيـها حـلـقـة مـا قـبـلـهـا: يـخـسـر مـن الـرصـيـد فـيـخـطـئ ويـمـعـن فـي الخـطـإ؛ وكـلـمـا أخـطـأ ووقـع كـلامـه فـي الـزلـل، صـار صـيـداً سـهـلاً لـخـصـومـه السـيـاسـيـيـن فـي الـمـؤسـسـة مـن الـديـمـقـراطـيـيـن واللـيـبـرالـيـيـن (أو «اليـسـار» بـلـغـة تـرامـب!)، وصـيـداً أسـهـل للصـحـافـة ووسـائـل الإعـلام الـتـي تـحـاسـبـه عـلى كـل نـأمـة صـدرت مـنـه، فـكـيـف إذا كـان الـصـادر شـتـمـاً وسـبـاً فـي مـعـارضـاتـه ومـنـها وسـائـل الإعـلام تـلـك. 

ودونـالـد تـرامـب - فـي خـضـم مـواجـهـاتـه الـتي لا تـنـتـهي مـع خـصـومـه ومـع المـجـتـمـع الـصـحـفـي والإعـلامـي - يـكـاد أن يـخـال نـفـسـه خـائـضـاً حـربـه مـع عـدويـن اثـنـيـن فـي الآن عـيـنـه: مـع عـدو خـارجـي تـمـثـلـه إيـران و، مـن ورائـهـا، الـصـيـن؛ وعـدو داخـلـي بـاتـت وسـائـل الإعـلام والـصـحـافـة رأس حـربـتـه! كـلاهـمـا، عـنـده، يـحـالـف الآخـر ويـعـضـده أو، فـي أقـل الـقـلـيـل، يـغـتـذي بـمـا فـي رصيـده مـن نـقـاط قـوة ضـد إدارة الـرئـيـس وسـيـاسـاتـهـا. 

هـذا مـا يـفـسـر لـمـاذا يـعـتـقـد تـرامـب أن وسـائـل إعـلام بـلـده تـسـدي الخـدمـة لإيـران حـيـن تـقـدمـهـا للـرأي الـعـام بـوصـفـهـا الـطـرف الخـارج ظـافـراً مـن الحـرب. لـيـس مـن مـعـنًـى لـذلك، عـنـده، سـوى أنـهـا تـتـعـاور عـلى مـحـاربـتـه فـي الـداخـل مـع إيـران الـتي تـقـاومـه مـن خـارج، وأنـهـا بـاتـت وإيـران فـي مـرتبـة واحـدة مـن الـعـداء! 

تـرامـپ أكـثـر رؤسـاء أمـريـكـا ضـيـقـاً بالـرأي الـمـخـالـف لـسـبـب لا يـجـهـلـه حـصـيـف: لأنـه تـوتـالـيـتـاري الـنـزعـة: يـديـر الـدولـة مـثـلـمـا يـديـر مـجـمـوعـة أعـمـالـه! 

هـذا مـا يـقـولـه عـنـه أفـضـل كـتـاب أعـمـدة الـرأي فـي كـبـرى الـصـحـف الأمـريـكـيـة وألـمـع الإعـلامـيـيـن مـن الأمـريـكـيـيـن. مـا لا يـأخـذه تـرامـب فـي حـسـبـانـه أن وسـائـل الإعـلام والصـحـافـة إذ تـدافـع عـن حـق دسـتـوري وقـانـونـي؛ عـن حـريـة تـعـبـيـر مـهـددة بـالـتـقـيـيـد والـمـصـادرة مـن نـخـبـة تـحـاول أن تـضـع نـفـسـهـا فـوق الـقـانـون، سـتـحـظـى بـمـزيـد مـن الـصـدقـيـة لـدى مـجـتـمـع شـديـد الحـرص عـلى الحـقـوق والحـريـات ولا يـقـبـل تـنـازلاً عـنـهـا تـحـت أي عـنـوان. وعـلـيـه، سـيـكـون عـسـيـراً عـلى الـرئـيـس أن يـكـسـب مـعـركـة سـرديـاتـه ضـد مـا تـقـدمـه وسـائـل الإعـلام مـن معـلومـات دقـيـقـة عـمـا يـجـري خـارج الحـدود. 

عبد الإلـه بـلـقـزيـز باحث ومفكر مغربي