هل من آثار مرتقبة لاستقلالية المصارف الإسلامية؟
بدأت مسيرة قطاع الصيرفة الإسلامية في سلطنة عُمان قبل ما يزيد على أربعة عشر عاما، بموجب التعديلات التي تمت على النظام المصرفي في تلك الفترة، وقضت السماح بتكوين مصارف ونوافذ إسلامية.
بموجب تلك التعديلات تمت الموافقة على إنشاء اثنين من البنوك الإسلامية التي تتمتع بالاستقلال المالي والإداري مع السماح للبنوك التقليدية بفتح نوافذ إسلامية؛ تلك المصارف أخذت تتوسع في فروعها وعملياتها التمويلية، ولم تخل من تحديات ومنافسة شرسة من البنوك التقليدية.
نتيجة لذلك تمكن بنك واحد، وهو بنك نزوى من الصمود في ممارسة عمله بشكل مستقل بالكامل، ولكن في المقابل فإن بنك العز الإسلامي قام بالاندماج مع بنك عمان العربي مع (نافذة ميسرة) مع الاحتفاظ بهويته وحساباته المالية والمصرفية.
مع تلك التحديات والمنافسة غير المتكافئة بين المصارف الإسلامية والبنوك التقليدية، نما قطاع الصيرفة الإسلامية، وأصبح يستحوذ على حصة من أصول القطاع المصرفي العماني وصلت في نهاية العام الماضي إلى ما يزيد قليلا على 9 مليارات ريال عماني.
ولتعزيز ودعم استمرار النمو قرر مجلس إدارة البنك المركزي العماني الشهر الماضي، اعتماد سياسة الأعمال المصرفية الإسلامية التي بموجبها سُمح للنوافذ الإسلامية بالتحول إلى مصارف إسلامية مستقلة.
هذا القرار- الذي يأتي تطبيقا للقانون المصرفي الجديد الذي صدر العام الماضي- يمثل نقلة نوعية من شأنها توسيع أعداد المصارف الإسلامية، وزيادة حجم حصتها السوقية التي سوف تعمل على رفع وتيرة الأنشطة المصرفية ذات الطابع الإسلامي.
السبب لأن المصارف المستقلة سوف تتمتع بالاستقلال التام في سياساتها الإدارية والتشغيلية بعيدا عن التبعية والتحكم التي تفرضها عليها البنوك التقليدية. مع أهمية قرار البنك الذي أُشير إليه، إلا أنه أخذ حيزا قليلا من التغطية والتفاعل من وسائل الإعلام المختلفة.
وإن كنا لا نقصد الدخول في تبيان الفرق بين وسائل التمويل التقليدية والمصارف الإسلامية، ولكن على وجه العموم، فإن البنوك التقليدية في الغالب تعتمد على توفير السيولة النقدية عند ممارسة أنشطة التمويل، في المقابل التمويل الإسلامي يعتمد على بيع السلعة أو المنافع عن طريق المشاركة في تقاسم الأرباح وتقاسم المخاطر بين الطرفين عن طريق صيغ تمويلية مختلفة. منها على سبيل المثال، المرابحة، والإجارة المنتهية بالتملك، والمضاربة، والمشاركة المتناقصة، والسلم. كما أجاز التعديل الأخير في القانون المصرفي استخدام القرض الحسن في إدارة وتبادل السيولة المالية بين المصارف الإسلامية.
ولعل المقصد من القرار الاستراتيجي للبنك المركزي العماني بمنح حرية تحول النوافذ الإسلامية إلى مصارف مستقلة، رفع كفاءة تلك المصارف من أجل تمكينها من المنافسة في القطاع المصرفي، وتوسيع حجم التمويل المتوافق مع الشريعة الإسلامية على النطاق المحلي. بيد أن هناك تحفظا من البعض مفاده أن المصارف الإسلامية صحيح أنها تتبع الشريعة الإسلامية في تعاملاتها المصرفية، إلا أنها بحاجة إلى ربط مفهوم التكافل الإسلامي، بحيث لا تكون هناك مغالاة في نسب الأرباح التي تحصل عليها من العملاء أو المستفيدين من خدماتها التمويلية، بحيث تكون أقل من الفوائد التي تأخذها البنوك التقليدية.
بمعنى آخر، يجب على المصارف والنوافذ الإسلامية أن تجتهد في توصيل رسالة للعملاء بأنها تساعدهم في تحقيق توجهاتهم - عند الضرورة الملحة - للتمويل الإسلامي، ولكن بمستوى أرباح أقل، الأمر الذي قد يشجع العملاء والمستفيدين بأن تكون المصارف الإسلامية هي مقصدهم الأنسب عند البحث عن التمويل الشخصي. وأيضا، تفعيل ما نص عليه القانون المصرفي في السماح لها استخدام القرض الحسن في تمويل حالات اجتماعية طارئة تخدم أفراد المجتمع.
لقد عانى النظام المصرفي المتمثل في سياسات البنوك التقليدية من خلل هيكلي تمثل في عدم تناسب رؤوس أموال البنوك؛ فنجد بأن هناك بنوكا تقليدية تتمتع بالسيطرة والتحكم في حجم النطاق الجغرافي لعملياتها المصرفية وقدرتها على التوسع السريع نظرا لتمتعها بأصول مالية كبيرة، الأمر الذي يؤهلها لتعمل بقوة وتحكم أكثر مما قد يتطور ذلك إلى تصنيف البعض منها بوصول حجم عملياتها إلى المستوى الاحتكاري.
تلك القدرة المالية توظفها في السيطرة على هوامش ربحية تستطيع تكييفها بمرونة أكبر حسب العرض والطلب. وبالتالي، ذلك التحكم الاحتكاري في أخذ حصة سوقية أكبر من شأنه التأثير على مثيلاتها من البنوك في التكيف مع متطلبات النمو الأمر الذي يدفع البعض منها إلى الانسحاب أو الاندماج مع بنوك أخرى.
تلك السيطرة لم تكن على مستوى البنوك التقليدية فحسب، أيضا، هناك من النوافذ الإسلامية التي استطاعت الهيمنة على أنشطة الصيرفة الإسلامية نتيجة قدرة البنوك التقليدية التابعة لها من تخصيص رؤوس أموال أعلى بكثير من مثيلاتها من النوافذ الإسلامية، والتي واجهت في بداياتها ضعف القدرة على توفير السيولة المالية مما أثر على قدرتها في النمو والاستحواذ على حصص من أنشطة التمويل الإسلامي.
ولذلك، اعتماد سياسة ممارسات الأعمال بتحول النوافذ إلى مصارف مستقلة من الممكن أن يؤثر إيجابيا في توزيع الحصص السوقية للقطاع المصرفي الإسلامي على المستوى المحلي.
هذا التحول التاريخي، المتمثل في رفع مستوى النوافذ الإسلامية؛ لتكون مصارف إسلامية أيضا يتوافق مع رؤية عُمان، في دعم القطاع المصرفي والحاجة إلى ضخ موارد مالية إضافية تعمل على مساندة الأنشطة المصرفية الإسلامية في التوسع في العمليات التشغيلية ليس على مستوى تلبية التمويل الفردي، ولكن على مستوى تمويل النمو المستهدف للقطاعات الإنتاجية.
على سبيل المثال، مشاريع التطوير العقاري واللوجستيات والصناعات التحويلية والدخول في العمليات المصرفية التي تنتهج سياسات التمويل عن طريق المشاركة في تقاسم الأرباح والمخاطر. أيضا، من الممكن أن يساعد هذا التحول الصناديق الاستثمارية على المستوى المحلي والإقليمي التي ترغب في توظيف ودائعها واستثماراتها في المصارف الإسلامية المستقلة بحيث يكون هناك اطمئنان أكثر بعدم تدخل للبنوك التقليدية في سياسة المصارف المالية والتمويلية الأمر الذي قد ينعكس على زيادة تدفق السيولة النقدية المتمثلة في الودائع لدى المصارف المحلية الإسلامية.
السماح بتحويل النوافذ الإسلامية إلى مصارف مستقلة يعمل على تعزيز آليات تنافس المصارف الإسلامية فيما بينها؛ وذلك لأن القيود التمويلية التي كانت تفرضها عليها البنوك التقليدية سوف تختفي وتكون المصارف الإسلامية هي التي تحدد سقف ونسب التمويل.
أيضا، المصارف الإسلامية المستقلة بهذا التحول يعطيها الحرية في ممارسة العمل المصرفي، ولكنها أيضا يجب أن تكون مستعدة للسياسات الجديدة التي رسمها البنك المركزي في تحديد الحد الأدنى لكفاية رأس المال؛ ولذلك، يتحتم عليها ابتكار منتجات جديدة تلبي متطلبات العملاء المتنوعة والمتسارعة؛ لكي تستطيع جذب مدخرات وودائع إضافية من العملاء الجدد.
كما أن فصل المصارف الإسلامية لتكون مستقلة سوف يؤثر على مشهد أسعار الأسهم في بورصة مسقط بحكم أن الفصل سوف يقلل من أصول البنوك التقليدية ونسب الأرباح الإجمالية، مما يؤثر في أسعار تداول أسهمها في بورصة مسقط. في المقابل فإن زيادة أعداد المصارف المستقلة أيضا يزيد من النشاط الاستثماري لبورصة مسقط نظرا لتوقع اكتتابات جديدة من الأسهم تُدرج في بورصة مسقط بعد اكتمال إجراءات تكوين المصارف المستقلة.
نختم بالقول، بأن سياسة السماح للنوافذ الإسلامية بالتحول لمصارف مستقلة سوف يعمل على تعزيز بيئة الأعمال للقطاع المصرفي، ويؤسس ذلك قيام البنوك التقليدية والإسلامية العمل في بيئة تنافسية لعلها تسهم في رفع كفاءة الأنشطة والعمليات المصرفية مما يكون لذلك تأثير إيجابي في تخفيض تكاليف الحصول على التمويل - عند الحاجة - سواء للأفراد، أو من أجل ممارسة الأنشطة الاقتصادية.
د. حميد بن محمد البوسعيدي خبير بجامعة السلطان قابوس
