تركيا والناتو والتوازن الجديد في الشرق الأوسط
ترجمة: أحمد شافعي
تملي قمة الناتو في أنقرة خلال السابع والثامن من يوليو الجاري على الولايات المتحدة أن تعيد تقييم أهمية تركيا، إذ تتزامن القمة مع بدء طور استراتيجي جديد في الشرق الأوسط. وقد أعلن الرئيس دونالد ترامب في السادس من يوليو أنه يعتزم رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على تركيا بسبب شرائها منظومة صواريخ إس-400 الروسية بما يشير إلى أن إعادة النظر جارية بالفعل؛ وذلك لأن حرب إيران زعزعت افتراضات بشأن الردع، وفضحت ضعف دول المنطقة، وعمقت عزلة إسرائيل الإقليمية والعالمية، وأبرزت حدود القوة الأمريكية. وكل من هذه الاتجاهات يجعل صعود مكانة تركيا أمرا مستحيل التجاهل.
لا تقوم مركزية تركيا على عامل وحيد؛ فهي ليست فقط عضوا في الناتو، وليست فقط قوة ذات أغلبية مسلمة، وليست فقط فاعلا عسكريا إقليميا، وليست فقط دولة طموحة يرأسها رئيس قوي، ولكن أهميتها تكمن في هذا المزيج من الأدوار، وتركيا تقع عند تقاطع أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز وشرق المتوسط، وتنتمي إلى الناتو لكنها لا تعد في المنطقة محض امتداد للغر؛. فلها علاقات عميقة بالعالم الإسلامي لكنها ليست جزءا من محور إيران الثوري. وهي تعارض السياسات الإسرائيلية في غزة والأراضي المحتلة، لكنها تحافظ على علاقة عملية مع الدولة اليهودية، وهي حليف صعب للولايات المتحدة لكنها حليف ضروري.
وقد عظّمت حرب إيران من هذه الضرورة؛ فقد ضعفت مقدرة إيران على أن تكون التحدي الرئيسي للنظام الإقليمي، إذ تضرر حلفاؤها ووكلاؤها، غير أن ضعف إيران لا يثمر الاستقرار على نحو آلي، بل إنه على العكس من ذلك ينشئ فراغا، وليس بوسع إسرائيل أن تملأ هذا الفراغ بسبب سلوكها في غزة وتوسيع مستوطناتها في الضفة الغربية وتكرارها استعمال القوة عبر الحدود الإقليمية بما جعلها غير ذات شعبية لدى الشعوب العربية بل وزادها غربة حتى عن الحكومات العربية الصديقة.
ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تملأ هذا الفراغ بمفردها، بسبب سياستها الإقليمية التي تعد على نطاق واسع غير متسقة وشديدة الانحياز لإسرائيل وغير موثوق فيها ضامنا أمنيا على المدى البعيد. أما دول الخليج فثرية لكنها تفتقر إلى العمق الصناعي العسكري والديموغرافي القادر على أن يجعلها ركيزة استراتيجية للمنطقة.
تركيا هي القوة المؤهلة أكثر ممن عداها لملء هذا الفراغ، فليست لديها رغبة في أن تخلف إيران في الهيمنة الأيديولوجية، وليس بوسعها أن تسيطر على العالم العربي، لكن بوسعها أن تفعل أمرا أكثر واقعية وأشد نفعا، هو أن تصبح قوة التوازن، والشريك الأمني، والوسيط الدبلوماسي، ورمز الفاعلية السياسية الإسلامية في منطقة لم تبق فيها مصداقية لنزعة إيران القتالية أو لاعتماد العرب على واشنطن.
وعلاقة تركيا بدول الخليج مركزية في هذا التحول؛ قبل عقد من الزمن كانت أنقرة على خلاف مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر. إذ فرّق الربيع العربي بينها، وقد انتهى هذا العهد إلى حد كبير؛ فتركيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تقدمت جميعا إلى سياسة إقليمية أكثر براجماتية. وأنقرة بحاجة إلى استثمار ليستقر اقتصادها وبنيتها الأساسية المالية ولتدعم طموحاتها الصناعية. ودول الخليج بحاجة إلى شركاء بعيدا عن الولايات المتحدة، وبخاصة بعد أن أظهرت الأزمات المتكررة حدود الحماية الأمريكية. ورؤية 2030 السعودية تقتضي شراكات تكنولوجية، وتصنيعا دفاعيا، وبيئة خارجية مستقرة. والإمارات العربية المتحدة تسعى إلى النفوذ من خلال التجارة واللوجستيات والشراكات الأمنية. وقطر لديها علاقات وثيقة قديمة مع تركيا وتعد بمنزلة الجسر بين أنقرة وبعض أجزاء العالم العربي. فليست نتيجة ذلك تحالفا بالمعنى القديم بقدر ما هي شبكة مصالح متداخلة.
والبعد الدفاعي هو الأهم؛ فقد أصبح المجمع الصناعي العسكري في تركيا أداة أساسية من أدوات السياسة الخارجية؛ إذ اكتسبت الطائرات المسيرة التركية ـ وبخاصة التي تصنعها بيكار ـ بروزا دوليا بسبب أدائها في صراعات عدة. لكن الطائرات المسيرة لا تمثل إلا جزءا من القصة؛ فتركيا تعمل على إنشاء مركبات مدرّعة ومنصات بحرية وصواريخ وأنظمة حرب إلكترونية وقدرات دفاع جوي ولديها مشروعها الخاص لطائرة قتالية.
وبالنسبة لدول الخليج المتخوفة من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، تطرح التكنولوجيا التركية ما لا توفره الأنظمة الأمريكية دائما: التوافر، والإنتاج المشترك، والمرونة السياسية، وإمكانية التصنيع المحلي.
ولهذا الأمر أهميته لأن التفكير الأمني الخليجي يتغير، لقد كانت دول الخليج على مدار عقود من الزمن تعتمد أساسا على الولايات المتحدة ضامنا نهائيا لأمنها، ويظل هذا الاعتماد مهما، لكنه لم يعد كافيا.
فقد أظهرت الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية في عام 2019، وحملة الصواريخ والمسيرات الحوثية، وتداعيات حرب إيران القريبة، أن الثروة النفطية والشراكة الأمريكية لا تضمنان المنعة؛ ولذلك تسعى دول الخليج إلى تنويع العلاقات الأمنية. وفي حين أن الصين شريك تجاري، فهي ليست بالضامن العسكري ذي المصداقية، وروسيا ضعفت وليست موضع ثقة، وباكستان لها قيمة عسكرية لكنها ذات قدرة تكنولوجية محدودة، أما تركيا فتطرح مزيجا نادرا من القدرة العسكرية والإرادة السياسية والشرعية الإسلامية وخبرة الناتو. ولا يجب التهويل في دور تركيا بوصفها ضامنا أمنيا، فهي لن تحل محل الولايات المتحدة في الخليج؛ إذ تبقى القدرات البحرية والمخابراتية الأمريكية بلا منافس. لكن تركيا يمكن أن تصبح الضامن الثانوي، وفي بعض المجالات، تكون أكثر قبولا من الناحية السياسية؛ فالإنتاج المشترك للمسيرات وأنظمة الدفاع الجوي، والمهام التدريبية التركية، والتعاون البحري في البحر الأحمر ومداخل الخليج، والتنسيق المخابراتي ضد التهديدات غير الدولية، يمكن تدريجيا أن تجعل أنقرة ركيزة من ركائز أمن الخليج. ومن شأن هذا أن يمنح تركيا نفوذا أكبر في الدبلوماسية الإقليمية.
في الوقت نفسه، عززت معارضة تركيا السياسة الإسرائيلية من موقفها لدى الشعوب العربية، إذ كانت لإدانات إردوغان لحرب إسرائيل في غزة وانتقاده المعايير المزدوجة الغربية وإصراره على الحقوق الفلسطينية أصداؤها في العالم الإسلامي. وقد لا تتبنى الحكومات العربية نبرته، لكنها لا تستطيع أن تتجاهل المزاج العام، فقد جعلت غزة التطبيع مع إسرائيل مكلفا سياسيا، وقد تبقى الاتفاقيات الإبراهيمية على حالها من الناحية الرسمية، لكن أضرارا جسيمة أحاقت بوعدها بمنطقة مندمجة حول القوة الاقتصادية والتكنولوجية لإسرائيل. كما أن تدمير غزة وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية قد جعلا من المستحيل على الحكام العرب أن يقبلوا إسرائيل علنا دون أن يبدوا غير مبالين بالمعاناة الفلسطينية.
وتركيا تستفيد من هذا التناقض؛ فبوسعها أن تقول علنا ما تفضل حكومات عربية كثيرة قوله سرا، وذلك يمنح أنقرة القوة الناعمة التي كانت إيران تحتكرها بزعمها قيادة «المقاومة» ضد إسرائيل.
لكن ميزة تركيا هي أنها ليست إيران، ولذلك فإن انتقادها لإسرائيل أيسر لأن تتسامح معه الحكومات العربية وبخاصة حينما يكون مصحوبا بتعاون اقتصادي وصفقات دفاعية.
اليوم سوف تبرز قمة الناتو هوية أنقرة المزدوجة، فسوف تستضيف تركيا الحلف الغربي حتى في حال توسيع دورها في الشرق الأوسط الذي يزداد تشككا في النوايا الغربية. والناتو بحاجة إلى تركيا بسبب الجغرافيا والقدرة العسكرية والوصول إلى مناطق حاسمة؛ فالبحر الأسود وأوكرانيا والقوقاز وسوريا والعراق وشرق المتوسط والشرق الأوسط تتقاطع جميعا مع المصالح التركية. وقد تشعر الولايات المتحدة وأوروبا بإحباط من مسار أنقرة المستقل، لكنها لا تستطيع أن تتجاهلها.
وهذا ما يمنح تركيا قوة تفاوضية؛ إذ يمكنها أن تستغل دورها في الناتو لتحقيق تنازلات تتعلق بالمشتريات الدفاعية والعقوبات والسياسة تجاه سوريا والاعتراف بمصالحها الإقليمية. وبوسعها أن تستعمل دورها في الشرق الأوسط لتقدم نفسها للغرب باعتبارها الجسر إلى العالم الإسلامي. وبوسعها أن تستغل علاقاتها بالخليج لتعزز استقلالها الاقتصادي والعسكري. وهذا هو منطق الاستراتيجية التركية الكبرى: ألا تنحاز إلى كتلة واحدة وإنما تتنقل استراتيجيًّا بين عدة كتل.
غير أن الأمر لا يخلو من قيود جدية؛ إذ يبقى الاقتصاد التركي ضعيفا أمام التضخم وضغوط العملة والاعتماد على التمويل الخارجي. والسياسات الداخلية متزايدة الاستبدادية بما يؤدي إلى توترات مع الهوية الديمقراطية للغرب. وتبقى مشكلتها الكردية متحكمة في صياغة السياسات في سوريا والعراق وتعقد العلاقات مع واشنطن. وقد ترحب الدول العربية بتركيا شريكا، لكنها سوف تقاوم أي إشارة إلى وصاية عثمانية جديدة. وإيران وإن ضعفت لا تنعدم أهميتها، وسوف تسعى إلى منع تركيا من أن تكون القوة غير العربية المهيمنة في المنطقة. وإسرائيل أيضا سوف تنظر إلى النشاط التركي بريبة، وبخاصة في حال سعي أنقرة إلى دور في غزة بعد الحرب أو في السياسة الفلسطينية.
لذلك لا بد أن تمارس تركيا ضبط النفس لو أنها راغبة في تعزيز مكتسباتها؛ ففرصتها العظمى لا تكمن في السيطرة وإنما في الطمأنة. فعليها أن تطرح نفسها بوصفها مصدرا للأمن، والتجارة، والتوازن الدبلوماسي، لا بوصفها زعيمة للعالم الإسلامي. ويجدر بها أن تعمق تعاونها في التصنيع العسكري مع الخليج دون أن تحول ذلك إلى حملة صليبية ضد إيران. ويجدر بها أن تعارض التجاوزات الإسرائيلية مع الحفاظ على القنوات التي قد يكون لها نفع يوما ما في الدبلوماسية. ويجدر بها العمل مع واشنطن كلما أمكن ذلك على أن تجتنب التحول إلى وكيل لأمريكا. ويجدر بها في المقام الأول أن تجتنب السماح للخطاب الأيديولوجي بتقويض فن إدارة الدولة البراجماتي.
أما عن الولايات المتحدة فالدرس واضح بالقدر نفسه؛ لا بد أن تتوقف واشنطن عن معاملة تركيا باعتبارها دولة تابعة متمردة وتبدأ في معاملتها باعتبارها قوة إقليمية مستقلة لا غنى عن تعاونها، فقد تراوحت السياسة الأمريكية تجاه أنقرة كثيرا بين الضيق والإهمال، وذلك نهج غير قابل للدوام. وسوف يقتضي الشرق الأوسط فيما بعد حرب إيران توازنا إقليميا، لا محض قيادة أمريكية. وبوسع تركيا أن تساعد على احتواء المغامرات الإيرانية، وطمأنة الخليج، وتقليل عواقب تجاوزات إسرائيل وتوفير عمق استراتيجي للناتو عبر عدة جبهات.
ولن تروق للولايات المتحدة دائما خيارات تركيا، وسوف تستمر أنقرة في السعي إلى مصالحها، بما يتعارض في بعض الأحيان مع تفضيلات واشنطن، ولكن هذا يصدق على كل فاعل إقليمي آخر تقريبا؛ فليس السؤال يتعلق بما لو أن تركيا تتوافق تمام التوافق مع الولايات المتحدة ولكنه يتعلق بما لو أن الولايات المتحدة قادرة على صياغة نظام إقليمي بدون تركيا، والإجابة هي: لا.
لقد حانت لحظة تركيا لا لأنها حلت جميع مشكلاتها، ولكن لأن إخفاقات الآخرين عظّمت مساحتها، والمهمة الآن هي تحويل هذه المساحة إلى نفوذ دائم، وفي حال نجاح أنقرة، لن يكون نظام الشرق الأوسط القادم قائما على أساس مقاومة إيران، أو تفوق إسرائيل العسكري، أو سيادة أمريكا الأحادية، ولكنه سوف يقوم على أساس توازن أكثر تعقيدا يكون لتركيا فيه دور مركزي.
محمد أيوب أستاذ فخري للعلاقات الدولية في جامعة ولاية ميشيجان.
الترجمة عن الناشونال إنتريست
