عندما تهاجر الوظائف الذكية بصمت
من المواضيع القليلة التي يغيب عنها النقاش، ولم يلتفت إليها الكثيرون رغم أنها تقع في صلب ومفهوم القيمة المحلية المضافة، أو ما يُعرف اختصارًا بـ (ICV)، هو ملف ترحيل الخدمات الإدارية والتقنية إلى خارج الحدود. ولا شك أن الحكومة في خطتها التنموية الخمسية الحادية عشرة قد ركزت بشكل مكثف على موضوع القيمة المضافة والمحتوى المحلي، واستجابةً لهذا التوجه، قامت شركة تنمية نفط عمان بإدراج بنود صارمة للمحتوى المحلي في المناقصات؛ لتشمل تعمين الوظائف، ودعم الشركات المجتمعية المحلية، والشركات الصغيرة والمتوسطة، وتفضيل السلع والخدمات المصنوعة والمقدمة في عُمان، بالإضافة إلى تشجيع الاستثمارات الوطنية.
إن التعاون الوثيق والمستمر بين وزارة الطاقة والمعادن، ووزارة العمل، وشركة تنمية نفط عمان، وبقية الشركات القيادية، قد حقق عوائد اقتصادية واجتماعية كبرى منذ بدء العمل بهذه الخطط.
وامتدادًا لهذا النجاح، استحدث جهاز الاستثمار العُماني قطاعًا مخصصًا للمحتوى المحلي (قمم) للشركات التابعة له، كما تم دمج معايير المحتوى المحلي في مجلس المناقصات، تزامنًا مع الاهتمام الكبير الذي يوليه أصحاب السعادة المحافظون لتطوير المحافظات اقتصاديًا عبر بوابة القيمة المحلية المضافة.
هذا المسار الوطني لا تقتصر نتائجه على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل يمتد للأبعاد الأمنية، ويدخل في عمق أمن وحماية سلاسل التوريد، ولعل الأزمات الأخيرة وحركة الملاحة قد أثبتت للعالم أجمع مدى حاجتنا المتسارعة لتحصين وحماية سلاسل التوريد الوطنية من خلال تعظيم الاعتماد الذاتي.
وهنا نصل إلى المربع الرمادي الذي لم ينتبه إليه الكثيرون؛ إذ نجد توجهًا صامتًا من بعض الشركات نحو ترحيل ونقل بعض أقسامها الحيوية إلى الخارج، فمثلًا، تلجأ بعض المؤسسات إلى نقل قسم المحاسبة أو قسم تقنية المعلومات والدعم الفني بالكامل إلى دول أخرى، مدفوعةً برغبة مجردة في تقليص النفقات وتوفير المصروفات الإدارية، وهذا الإجراء يؤثر سلبًا على كفاءة المحتوى المحلي من زاويتين؛ الأولى أنه يتجاهل وجود كادر وطني مؤهل، متعلم، ومتدرب، وقادر على إدارة هذه الأقسام الحسابية والتقنية بكل كفاءة واقتدار، والثانية أنه يفرغ الاقتصاد من الوظائف الذكية ويحرم الخريجين من فرص التطور الوظيفي الصاعد، علاوة على أبعاد أخرى تتعلق بأمن البيانات المالية والمعلوماتية الوطنية للشركات.
وصحيح أن الشركات التي تنقل هذه الأقسام تسعى لتوفير مبالغ ترجع بصورة مباشرة لصالح المستثمر أو ملاك الشركة، ولكن هذا التوفير لا يجب أن يكون على حساب النسيج الاقتصادي المحلي، بل يمكن أن يُعوض هذا التوفير من خلال حزم تسهيلات وحوافز أخرى تقدمها الدولة للملتزمين بالإبقاء على الدورة التشغيلية كاملة داخل عُمان. وهنا، يجب أن نرفع التحية والتقدير لشركاتنا الوطنية الرائدة التي رفضت مرارًا مثل هذه المقترحات الداعية لإخراج أقسامها الحيوية بذريعة تقليص المصروفات، فلقد كانت قرارات الإدارات التنفيذية في هذه الشركات نابعة من مسؤولية وطنية حقيقية، تصب مباشرة في صالح المحتوى المحلي وحماية وظائف أبناء الوطن.
إن هذه الشركات تستحق أن تُمنح الأولوية والتسهيلات الاستثنائية في إسناد العقود والمناقصات مكافأةً لها على موقفها الحريص؛ فهل يا ترى سوف نجد قريبًا في اشتراطات المحتوى المحلي ومعايير التأهيل بندًا صريحًا يلزم بأن تكون جميع أقسام الشركات المتقدمة للمشاريع الوطنية تدار بالكامل بالكوادر والموظفين من داخل سلطنة عُمان؟
عبدالله بن علي المقيمي كاتب عماني
