مذكرة التفاهم.. محلك سر
تعبير «مَحلّك سِر» هو مصطلح عسكري بصيغة الأمر ويعني تحريك الأقدام في وضع السير لكن دون دفع الخطوات للأمام، وإنما فقط الاستمرار في تبادل تحريك القدمين من أسفل إلى أعلى وبالعكس في نفس المكان دون التقدم خطوة واحدة للأمام.
ويستخدم المصطلح مجازياََ لوصف حالة من الحركة والجهد المبذول والطاقة الكبيرة دون تحقيق أي إنجاز، وبلغة السياسة والصحافة فهو يعني الاستمرار في بذل المساعي والجهود والطاقة والحركة دون إحراز أي تقدم أو الوصول إلى نتائج مثمرة.
مذكرة التفاهم بين إيران وأمريكا دخلت أسبوعها الرابع منذ أن تم التوقيع عليها، ولا شيء مما جاء في نسختها من بنود قد نفذ بما يجب أن يكون، وكل ما هنالك مجرد ضجيج وجعجعة بلا طحين.
حركة وجهود ومساعي مبذولة ولكن في وضع السكون دون تقدم إلى الأمام، والاتهامات والتهديدات المتبادلة هي الأكثر ضجيجا والأعلى صوتا، الرئيس ترامب ما انفك يرسل تهديداته ووعيده في كل مناسبة تتاح له فيها فرصة للحديث، وإيران هي الأخرى تبادله الوعيد والتهديد، ووساطة أعياها السعي ما بين الخصمين اللدودين لتليين المواقف وتقريب الشقة وتلطيف الأجواء، وكل ذلك لم يخرج عن نطاق «محلك سر»!
غرق الجانبان في «شبر» تفسير البند الخاص بالمضيق في المذكرة، أمريكا تفسره على هواها وتقول: إنه يعني أن ترفع إيران يديها كلية عن المضيق ليعود سيرته الأولى كما كان قبل الثامن والعشرين من فبراير الماضي مبرأ من أي قيد، حراََ طليقاََ كأن لم يغلق من قبل، نظيفاََ وخالياََ من الألغام، وتعبر السفن خلاله في أمن وأمان دون منغصات من رسوم وما في حكمها.
بينما ترى إيران خلاف ذلك ونقيضه تماماً؛ فهي ترى أن لها الحق في إدارة المضيق بالتشاور والتنسيق مع شركائها فيه بالجغرافيا، وأن تفرض على السفن العابرة رسوم عبور، وترى أن الحرب قد فرضت واقعاََ جديداََ في المنطقة كلها يجعل من المستحيل أن يعود وضع المضيق إلى ما كان عليه قبل الحرب، ويقوم منطقها الذي يسند هذه السردية على أن الحروب تَجُب ما قبلها من قواعد، وتفرض قواعد جديدة وأن التاريخ يزخر بأمثلة لا تحصى.
ثلاثة أسابيع انقضت والنتيجة محلك سر؛ جدل عقيم حول المضيق وحول الأموال الإيرانية المجمدة، ولا خطوة إلى الأمام.
ووسط هذا الجدل العقيم تقع حوادث، سفن تُستهدف بنيران توصف بأنها مجهولة المصدر، أمريكا تسارع إلى إلصاق التهمة بخصمها إيران، ثم توجه ضرباتها التي وصفتها بالقوية إلى أهداف إيرانية في محيط جزيرة قشم ومحيط مدينة سيريك وأبراج اتصالات في محافظة هرمزغان جنوبي إيران؛ رداََ على ما اعتبرته خرقاََ للاتفاق من جانب إيران يستحق عقاباََ فورياََ دون إبطاء، وتعلل ذلك بأن الهدف هو فرض ثمن باهظ على إيران بسبب مهاجمتها لثلاث سفن تجارية كانت تعبر مضيق هرمز.
إيران ترد بالقول إن الاتهامات الأمريكية تأتي لتبرير خرقها وقف إطلاق النار التي دأبت عليه، وفي كل مرة تأتي بذريعة تبرر انتهاكها لبنود المذكرة، وهكذا مرة أخرى يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل التوقيع على مذكرة التفاهم، وضع اللاحرب واللاسلم، وإلى وضع محلك سر.
والمتابع لتطورات الوضع يلمح في الضربات الأمريكية ملامح إرضاء لنتنياهو وهو يتأهب لزيارة البيت الأبيض ولقاء ترامب، وقد وصفه الأخير مؤخراََ بأنه يعلم من يكون الزعيم.
وربما تكون هذه مقدمة لنقض الاتفاق والعودة إلى الحرب مرة أخرى «لإنهاء المهمة» حسب تعبيره في تصريحاته التي أدلى بها منتصف هذا الأسبوع، أو ربما لإنهاك إيران وإضعافها بهذه الضربات لانتزاع أكبر قدر من التنازلات منها في بنود الاتفاق.
ثلاثة أسابيع منذ التوقيع على مذكرة التفاهم ختمت بضربات وتهديدات وتبادل اتهامات، في الوقت الذي كان من المؤمل أن يحرز الطرفان تقدماََ في بندي المضيق والأموال المجمدة وطي ملفهما، ومن ثَم الانتقال إلى البنود الأخرى الأكثر حساسية، والتي بسببها شنت تل أبيب وواشنطن الحرب على إيران.
ثلاثة أسابيع انصرمت ولم يغادر الطرفان محطة هرمز التي هي في الأصل جاءت عرضاََ ولم تكن جزءاً من المشكلة، أمريكا التي شغلت العالم بقضية البرنامج النووي الإيراني، وشنت الحرب بسببه هي الآن منشغلة عنه ومنغمسة وعالقة في وحل المضيق وفتحه ومرور السفن عبره، وقد كان من قبل الحرب مفتوحاََ، وهو ما يثير الشك في جدية الموقف الأمريكي من البرنامج النووي الإيراني، ويدفع بتساؤلات حائرة: هل حقاً تريد واشنطن منع إيران من امتلاك سلاح نووي؟ أم أن الأمر كله لا يعدو كونه وسيلة ضغط من أجل إدخال طهران في بيت الطاعة «الإبراهيمي» ضمن المشروع الصهيوني الذي يهدف إلى ترويض الدول المناوئة للكيان الإسرائيلي بعد أن استعصى عليها ترويضها بالإكراه؟ وهي ورقة لا يستبعد أن يطرحها المفاوض الأمريكي تحت الطاولة كمخرج ناعم وبديل للاستمرار في الحرب التي أنهكت تكاليفها وتداعياتها دافع الضرائب الأمريكي، وثبت بالدليل المادي القاطع استحالة الفوز فيها بالضربة القاضية.
إن فكرة كسب إيران للصف الأمريكي والتصالح معها بعد طول عداء ناهز الخمسة عقود فكرة ظلت دوما مطروحة في الفكر السياسي الأمريكي البراغماتي، لكن جماعات الضغط الصهيونية كانت تكبح هذا الاتجاه وتعارضه، فقد كانت إيران بمثابة «فزاعة» وخطرا يهدد إسرائيل، تحرص هذه الجماعات على الإبقاء عليه لاستدرار عطف الرأي العام الأمريكي والإدارات الأمريكية الجمهورية والديمقراطية.
ورغم أن مبدأ التصالح والعيش بسلام مع الآخرين ليس موجودا في فكر ووجدان وعقل الصهاينة، إلا أنه يظل خيار اضطرار حاضر في أجندتهم حينما يعجزون عن تحقيق أهدافهم بالقوة.
الركابي حسن يعقوب كاتب سوداني
