يوم الشرطة .. احتفاء بالنموذج لا بالجهاز
04 يناير 2026
04 يناير 2026
موضوع الأمن والاستقرار والنظام العام في أي دولة قضية مركبة لا تُنسب إلى عامل واحد أو إلى لحظة آنية. ومع ذلك يصعب الحديث عنها دون الحديث عن جهاز الشرطة الذي يتولى حفظ الأمن وحماية النظام العام. وليس من السهل بناء تصور حقيقي لمفهوم الأمن والاستقرار دون أن يعيش الإنسان نقيضهما. فالإنسان يعتقد، في الغالب، أن الأمن والاستقرار حالة أساسية تُعاش في كل مكان بنفس المستوى الذي يعيشه في محيطه.
والحقيقة أن الاستقرار لا يأتي صدفة؛ إنه ثمرة بناء فكري وقيمي يتراكم عبر التاريخ، وثمرة مؤسسات تعمل بصمت وتدير التفاصيل التي إذا اختلت تحولت إلى قلق وفوضى.
من هنا يتحول يوم شرطة عُمان السلطانية -الذي يوافق الخامس من يناير- في الوعي الجمعي العماني، إلى يوم وطني بمعناه الأعمق. في هذا اليوم يمكن أن نقف لنستشعر ونقيس مستوى الأمان الذي أصبح جزءا من العادي الذي نعيشه كل يوم دون أن نفكر فيه كثيرا؛ فقد صُنع بتراكم طويل من الانضباط والتحديث وخدمة الناس.
في دول كثيرة عندما يُذكر جهاز الشرطة يحضر إلى الذهن مباشرة وجه السلطة بمعناه الصارم والمخيف. لكنّ التجربة العُمانية تتيح قراءة أكثر تعقيدا وأقرب إلى واقع الدولة الحديثة. ودور جهاز الشرطة في سلطنة عمان يتجاوز الذراع التنفيذية الرادعة؛ إذ هو في شق كبير منه جهاز «خدمة عامة» واسعة الامتداد. صحيح أنه يحرس القانون ويسهر من أجله، لكنه في الوقت نفسه يحرس فكرة المجتمع المنظم، ويصون المجال العام من الفوضى، ويمنح الاقتصاد شرطه الأول وهو الثقة. الأمن في النهاية ليس مفهوما مجردا؛ إنه ما يجعل المستثمر يطمئن، وما يجعل الأسرة تتحرك بلا خوف، وما يجعل المدينة تعمل دون أن تفقد إيقاعها ودون أن تسودها الفوضى.
ولعل أهم ما يميز شرطة عُمان السلطانية أنها لا تكتفي بالأمن بوصفه استجابة للأزمات؛ ولذلك تتعامل معه ضمن استراتيجيتها بوصفه إدارة ذكية للأحداث اليومية. حتى الإدارة المرورية لا يمكن النظر إليها باعتبارها أداة عقابية. هي في الحقيقة أداة تعمل على هندسة سلوك عام في فضاء مشترك؛ هدفها تقليل المخاطر قبل وقوعها، وإعادة توزيع المسؤولية بين الدولة والسائق والمجتمع.
وبات أثر هذه الاستراتيجية ملموسا في الحد من الحوادث وحماية الأرواح، وإصلاح العادات التي تقتل أكثر مما تقتل الجرائم.
ثمة أمر آخر لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن جهاز شرطة عُمان السلطانية، وهو موضوع التحول الرقمي. ما فعلته شرطة عُمان السلطانية في مجال الحكومة الذكية تجاوز تقديم الخدمات إلكترونيا إلى نقل العلاقة بين المواطن والمؤسسة من «طابور انتظار» إلى «زمن إنجاز». وانتقلت الكثير من الخدمات التي يقدمها الجهاز إلى خدمة متاحة بالكامل على الهواتف المحمولة.
ورغم أن الكثيرين في عُمان، مواطنين ومقيمين، يشيدون بالتقدم الكبير الذي حققه الجهاز في التحول الرقمي، فإن هذا وحده لا ينتج الاحترام، الاحترام يُصنع ويتكرس في الوعي الجمعي في التماس الإنساني بين جهاز الشرطة بكل وحداته وبين المواطنين والمقيمين، في مركز الشرطة، وفي أسرة مرتبكة تبحث عن مفقود، وفي وافد لا يعرف إجراءات الدولة، وفي شاب ارتكب خطأ ويحتاج إلى قانون يردعه دون أن يسحق مستقبله. هذه التعاملات، مع الوقت، أسهمت في ترسيخ الاحترام الكبير الذي يشعر به الجميع نحو رجال الشرطة وتعاملهم الأخلاقي والإنساني. هذا الأمر يكشف عن فلسفة عميقة تقول إن الغاية من السلطة حماية المجتمع وليس الإمعان في العقوبة أو التلذذ بها. بهذا المعنى فإن الاحتفاء بيوم الشرطة لا يقتصر على المؤسسة وحدها ولكن بالنموذج الذي تمثله، نموذج الأمن الذي لا يعادي المجتمع. والنموذج الذي يربط الاستقرار بالتنمية، ويعامل القانون بوصفه أداة للعدالة لا مجرد عصا للردع، ويجعل من الخدمة العامة معيارا للهيبة، لا العكس.
في النهاية، قيمة الشرطة تُقاس بقدر ما تحمي الناس وتزيد ثقتهم بالدولة، لا بقدر ما تُشعرهم بثقل السلطة وسطوتها.
