No Image
رأي عُمان

2026 .. وزمن السيادة الجديد

05 يناير 2026
05 يناير 2026

لا يبدو أن عام 2026 سيكون عاما «عاديا». عتباته الأولى صاخبة سياسيا واقتصاديا وعسكريا. وإذا كان عام 2025 وصف بأنه عام التحولات الكبرى فإن العام الجاري تبدو ملامحه أقرب إلى أن يكون عام الانكسارات الكبرى. وأول هذه الانكسارات انكسار أبجديات القانون الدولي.

تعود السياسة الدولية إلى معناها الخشن؛ القوة، بمعناها التقليدي، وبمعناها الرقمي والمالي. لن تتحدث الحكومات كثيرا عن «القيم المشتركة» و«حماية الديمقراطية» في الندوات وفي خطابات وزراء الخارجية. سيبرز خلال هذا العام بشكل أكثر وضوحا سؤال القدرة على الردع وعلى وضع اليد لكل ما تحتاجه وإن كان بنظام القرصنة، وعلى حماية البنية الأساسية التي صار اسمها الجديد «البيانات».

لكن هذه المرة لن يكون الشرق الأوسط الضحية الوحيدة وإن كان حظه الأسوأ دائما بما اقترفت يداه. ستجد أوروبا نفسها في هذا العام أمام اختبار صعب جدا. لن تستطيع معادلة الرفاه والمظلة الأمريكية البقاء إن كانت باقية أصلا. سيكون على أوروبا أن تتعامل مع الحرب في أوكرانيا باستراتيجية مختلفة «قد» تجعلها طرفا مباشرا في الصراع. أما السلام فلن يأتي هدية جاهزة دون مقابل، ولا يبدو أن الحماية الأمريكية ستبقى مجانية.

لكن التحول الأعمق قد لا يأتي من الدبابات وحدها. يأتي من «السحابة» التي يخزن فيها كل شيء. فحين تسيطر شركات قليلة على الجزء الأكبر من تخزين البيانات والحوسبة، تصبح الدولة الحديثة مكشوفة بطريقة جديدة. كل المؤسسات تخزن بياناتها في «سحابة» لا تراها لكنها تتعطل إذا تعطلت. صارت السيادة عقد شراء ورخصة تشغيل ومعايير أمنية وقوانين منافسة. ومرة أخرى الدول العربية ودول الجنوب ليست وحدها في هذه المعضلة، وأوروبا التي تتحدث عن الاستقلال الاستراتيجي في حاجة ماسة إلى ترجمة ذلك إلى بنية رقمية لا يبدو أنها تمتلكها بشكل كامل حتى الآن.

في موازاة ذلك يتقدم الانقسام التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين خطوة إضافية. العالم لن ينفصل بالكامل، ستستمر التجارة، لكن ما هو «استراتيجي» سيعيش في عالمين: معايير مختلفة، سلاسل إمداد موازية، وشروط امتثال متعارضة. وهذه بنية جديدة للاقتصاد العالمي. وفي مثل هذه البنى، تصبح العقوبات وضوابط التصدير والحمائية أدوات يومية وليست استثناء.

المال نفسه يدخل إلى هذا المشهد كأداة دولة؛ فالديون في الاقتصادات النامية هي مسارات نفوذ، وهي طريقة اصطفاف قسرية أحيانا، أو فرص تفاوض ذكية أحيانا أخرى. وعندما تتحول الاتفاقات المالية والتجارية إلى أدوات سياسة خارجية، يصبح السؤال: من يملك هامش الحركة؟ ومن يُدفَع إلى اختيار طرف، ولو لم يشأ؟

ثم هناك خطر آخر، أن تُدار الأسواق بسرعة لا تسمح للعقل البشري بالتصحيح. دخول الذكاء الاصطناعي إلى التمويل هو تسريع للذعر وللنشوة معا، فيصبح أي اهتزاز صغير قابلا لأن يتحول إلى موجة كبيرة.

وفي الشرق الأوسط، تتخذ هذه التحولات شكلا أكثر حدّة لأن الإقليم يعيش عند تقاطع ثلاث طبقات من الصراع في وقت واحد: أمن بحري يتأثر بأي اهتزاز في البحر الأحمر والخليج، واقتصادات تحاول تمويل التحول بعيدا عن النفط، ومجتمعات شابة لها طموحاتها في حياة الرفاه، ووظائف تؤمن لها الاستقرار المستقبلي. ويتراجع هامش «الحياد» هنا كلما اتسعت المنافسة بين واشنطن وبكين وموسكو، لأن الخيارات التقنية والمالية نفسها تصبح اصطفافا سياسيا، من يزوّد شبكات الاتصالات؟ من يملك مراكز البيانات؟ من يمنح التمويل بشروط أقل قسوة؟ وفي هذا السياق، قد تظهر مفارقة كبرى في هذا العام حين تسرع دول مشاريع الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية لتأمين مستقبل ما بعد النفط، فيما يظل الاستقرار السياسي رهينة ملفات غير محسومة، من الحرب في غزة وما تُخلّفه من تآكل أخلاقي وسياسي للنظام الإقليمي، إلى هشاشة دول منهكة في أطراف المشرق وشمال أفريقيا. وبين طموح التحديث وخطر الانزلاق، سيُقاس النجاح بقدرة الحكومات على تحويل «الأمن» إلى مفهوم اجتماعي.

التحدي ليس قراءة العالم فقط، بل بناء قدرة الدولة على حماية مجتمعها من صدماته.

ما العمل إذن أمام هذا المشهد العالمي المضطرب؟ أول خطوة هي الاعتراف بأن «التعاون الدولي» لن يعود بصيغته القديمة. لكنه لا يزال ممكنا بصيغ جديدة على هيئة تحالفات صغيرة حول سلاسل الإمداد الحرجة، وقواعد مشتركة للديون وإعادة الهيكلة، وتنظيم حقيقي للمال الخوارزمي، وبنى رقمية عامة تقلل الاحتكار وتزيد الأمان.

ليس واضحا أن عام 2026 سيحمل نهاية للحرب، ولا نهاية للاستقطاب، ولا نهاية للسباق التكنولوجي؛ لكنه يحمل وضوحا قاسيا هو أن من لا يملك القدرة سيدفع الثمن مرتين. مرة في الأمن. ومرة في الاقتصاد. وفي الحالتين، السيادة لم تعد تُقاس بما تملكه الدول على الأرض فقط، ولكن بما تملكه في «السحابة»، وفي «الشريحة»، وفي «سوق السندات».