No Image
رأي عُمان

عالم بلا قواعد

03 يناير 2026
03 يناير 2026

تتجاوز دلالة الهجوم الأمريكي على فنزويلا، وما قيل إنه انتهى باعتقال الرئيس ونقله خارج البلاد تمهيدا لمحاكمته، موضوع الخصومة بين واشنطن وكاراكاس، إلى فكرة «النظام العالمي» نفسها، فكرة القواعد التي تقيد القوة وترشدها.

تقول الولايات المتحدة إن ما جرى يقع في إطار «إنفاذ القانون»: مكافحة المخدرات، ومواجهة «الإرهاب»، وحماية الأمن القومي، وربما حماية الشعب الفنزويلي نفسه. هذا الخطاب ليس جديدا، الجديد هو شكل الفعل السياسي؛ إزاحة رأس دولة بالقوة. تتغير هنا طبيعة المسألة بالكامل، لأن الأمر لم يعد ضغطا دبلوماسيا أو عقوبات أو دعما للمعارضة، كما كان سائدا في الكثير من التجارب في العالم، ما حدث هو اقتلاع لسيادة دولة من مكانها، وإعادة رسم حدود ما تراه قوة عظمى «مباحا» حين تقرر أن دولة ما صارت مشكلة.

لم تكن الفكرة التي حكمت العالم بعد 1945 مثالية، لكنها كانت محاولة عالمية لتقليص استخدام القوة لتغيير الحدود والأنظمة، وتحصين مفهوم السيادة، وربط الشرعية بإجراءات جماعية ومؤسسات متعددة الأطراف، لا بإرادة طرف واحد. وحين يُكسر هذا المعنى من فوق، تصبح القاعدة مهددة من تحت. لأن القانون الذي لا يسري على الأقوى يتحول إلى درس تربوي للدول الأضعف.

يقوض هذا الهجوم من حيث الشكل والنتائج آخر ما تبقى من ادعاء أن النظام والقانون محايد وعام. فإذا استطاعت دولة أن تجرّ رئيس دولة أخرى بالقوة خارج حدوده، فما الذي يمنع دولا أخرى من تطوير نسخها الخاصة من «إنفاذ القانون» عبر الحدود؟ ولن يكون تكرار مثل هذا النموذج صعبا على الإطلاق. وما فعلته أمريكا يمكن بسهولة أن يتحول إلى أنموذج تسير عليه الدول القوية وتنفذه على الدول الصغيرة التي لها فيها مطامع اقتصادية وسياسية.

والمنطق الذي يُبرر مثل هذه العمليات يستدعي عادة «الأخلاق» كحجة.. لكن التجربة الطويلة لتغيير الأنظمة بالقوة تقول شيئا آخر. التدخل لا ينتج نظاما أفضل، وقد ينتج دولة أضعف ومجتمعا أكثر انقساما ومؤسسات أكثر ضعفا. والأهم أنه يعلّم العالم درسا خطيرا هو إذا كانت الشرعية تُمنح بالقوة وتسحب بالقوة، فالحل الذي سيبحث عنه الجميع ليس القانون، بل السلاح والاصطفاف والاحتماء.

وهنا يصبح استدعاء واقع العصور القديمة منطقيا جدا. في تلك العصور كانت الحرب تنتهي بأسر الملوك وإذلالهم، وكانت الشرعية تُصاغ باسم المنتصر. ما حاول القرن العشرون أن يفعله ـ ولو بقدر من النفاق أحيانا ـ هو نزع هذا الامتياز من القوة.

لا يستطيع العالم بناء قانون دولي على قاعدة الاستثناء. إذا كان الهدف محاسبة قادة متهمين بجرائم جسيمة، فالأدوات الطبيعية هي مسارات قضائية دولية أو إقليمية معترف بها، أو آليات تفاوض وضمانات انتقال، لا خطف رأس الدولة وإعلان «نهاية الفصل» من خارج النص. لأن النتيجة المتوقعة ليست نظاما أكثر أخلاقا، بل عالما أكثر فوضى، كل طرف سيعتقد أن بإمكانه كتابة العدالة على مقاسه.

والخطر لا يقتصر على فنزويلا. الخطر على فكرة أن الدول الأضعف يمكن أن تستند ـ ولو جزئيا ـ إلى قواعد تمنع افتراسها. وتصبح السياسة الخارجية لكل دولة تمرينا دائما على الخوف. وحين يصبح الخوف هو المنطق العام، لا يعود النظام نظاما، حتى لو بقيت لافتاته معلّقة على الجدران.