عُمان ترسم مسار 2026
06 يناير 2026
06 يناير 2026
يرسم البيان الصادر عن اجتماع مجلس الوزراء الأول في هذا العام الذي ترأسه أمس حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- ثلاث طبقات من السياسة العامة تتحرك في وقت واحد: تنظيم الجانب المالي، وهندسة المؤسسات، وحماية المجتمع.
وما يمنح مخرجات الاجتماع ثقلا كبيرا أنه لا يكتفي بالإشادة بالمؤشرات، فنجده ينتقل إلى مسألة التنفيذ عبر التأكيد على التكامل بين المؤسسات والشراكة مع القطاع الخاص وتحويل الاتفاقيات إلى برامج عمل وتسريع التحول الرقمي. وثمة روابط قوية بين كل هذه العناوين إذا ما قرأناها قراءة تكاملية، فهي شروط مترابطة لغاية واحدة هي اقتصاد متنوع قادر على خلق وظائف نوعية، دون أن تهتز الثقة بين الدولة والمجتمع والسوق.
لكن أبرز ما خرج به البيان في الجانب الاقتصادي هو إقرار إنشاء «مركز عُمان المالي العالمي» باستقلالية تشريعية وإدارية وتنظيمية، وبناء نظام مالي وقضائي وتشريعي جديد مواكب للمعايير العالمية. والسؤال هنا ما الذي يجعل مركزا ماليا «عالميا» حقا؟
الجواب يبدأ من ثلاثة عناصر هي القواعد الواضحة، والقضاء الناجز، والتنظيم المحترف. الجاذبية المالية في هذه المرحلة لا تكتفي بتخفيض الرسوم ولا بمجرد تيسير إجراءات؛ هي أن يعرف المستثمر ـ المحلي قبل الأجنبي ـ الجوانب التشريعية والقانونية التي ستحكم استثماراته. لذلك فإن الحديث عن نظام مالي وقضائي وتشريعي جديد يرفع سقف التوقعات بقدر ما يفتح فرصا. وهو يضع معيارا دقيقا للنجاح: هل سيقدم المركز بيئة تُنافس في الحوكمة والشفافية وسرعة الفصل في المنازعات، وتربط ذلك بتطوير مهارات وطنية وخلق وظائف نوعية، ونقل معرفة حقيقية؟
وإذا كان المركز يستهدف جذب المؤسسات المالية العالمية والتأمين والخدمات المصرفية التجارية والإسلامية، فإن اكتماله يتطلب بنية مساندة لا تقل أهمية: قواعد امتثال قوية، وتدريب مستمر للكفاءات، ومسار واضح لتوطين الخبرة لا استيرادها مؤقتا. بهذا المعنى، يصبح «المركز» مشروع دولة يرفع قيمة القطاع المالي في الناتج المحلي، ويجعل عُمان محطة خدمات إقليمية، ويخلق وظائف ذات جودة. لكنه في المقابل يُلزم الجميع بترقية الثقافة المؤسسية من حيث التنظيم والالتزام.
ولكي لا يبقى الإصلاح المالي في قمته دون خدمات تمس الناس، شدد البيان على تسريع التحول الرقمي، وجعل البوابة الموحدة منفذا مركزيا للخدمات، مع توسيع الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة الخدمة وجودتها.
الاقتصاد، أيضا، يحتاج إلى محيط مستقر. لذلك بدا طبيعيا أن يشير البيان إلى نتائج مجلس التنسيق العُماني السعودي، وإلى أهمية تحويل الاتفاقيات والمذكرات إلى برامج تنفيذية، ثم التأكيد على مبادئ السياسة العُمانية المتمثلة في حسن الجوار، والحياد الإيجابي، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، واحترام السيادة، ودعم القانون الدولي والأمم المتحدة، وحث الأطراف على ضبط النفس وتمكين الحوار؛ وهذا في مجمله شرط للاستثمار وخفض المخاطر.
الصورة الكاملة التي يمكن أن نستشفها من بيان مجلس الوزراء تتضح بوصفها صورة متكاملة، تلتقي فيها الاستدامة المالية مع الحوكمة، وتلتقي الرقمنة مع الخدمة العامة، ويلتقي مشروع المركز المالي مع توطين المعرفة، ويلتقي النمو الاقتصادي مع تماسك المجتمع. وهكذا يتشكل مسار لسلطنة عُمان خلال عام 2026 وهو بهذه المحددات مسار قابل للقياس والمتابعة ولا يحيد عن الثوابت العمانية المستمدة من قيم المجتمع ومبادئه.
