No Image
ترجمة

لا يمكن لأوروبا أن تتحمل خسارة عام آخر

18 يونيو 2026
لارس ساندال سورنسن
18 يونيو 2026

في أكتوبر الماضي، وقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في كوبنهاجن إلى جانب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، ورئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن، إلى جانب مسؤولين تنفيذيين من 28 شركة تُعد من أكبر الشركات في أوروبا. وقد اجتمعوا هناك للمشاركة في قمة كوبنهاجن للتنافسية، التي كان هدفها واضحًا ومباشرًا: مناقشة الكيفية التي يمكن لأوروبا من خلالها الحفاظ على قدرتها التنافسية في اقتصاد عالمي يزداد شراسةً يومًا بعد يوم.

وفي تلخيصه لحجم التحدي، عبّر ماكرون عن الأمر بدقة حين قال: «نحن نعرف تمامًا ما الذي يتعين علينا فعله. لقد جرى توضيح ذلك بصورة راسخة في تقرير ليتا، وتقرير دراغي، وغيرهما. والسؤال الآن هو: كيف ننفّذ؟ ... إنها مسألة أيام وأسابيع. وأود أن أشدد على ذلك، لأن نهاية هذا العام، في نظري، تمثل لحظة حاسمة على نحو يكاد يكون غير معقول لإنجاز هذه الأجندة».

كان ماكرون محقًا، ولا تزال ملاحظته صحيحة حتى اليوم. فأوروبا تعرف بالفعل ما الذي ينبغي عليها فعله. وقبل القمة بعام، كان الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي، ماريو دراغي، قد وجّه هو الآخر تحذيرًا صارخًا بشأن القدرة التنافسية لأوروبا. ومن بين العديد من النتائج المهمة التي خلص إليها تقريره حول هذه القضية، استنتاجه أن أوروبا تواجه فجوة استثمارية سنوية تبلغ نحو 800 مليار يورو (928 مليار دولار).

ومنذ ذلك الحين، لم يزد الضغط على أوروبا إلا حدةً. فالحمائية الأمريكية آخذة في التصاعد. والمنافسة الصينية تشتد بوتيرة متزايدة. والتهديدات الأمنية تقترب أكثر فأكثر من تفاصيل الحياة اليومية للأوروبيين. وفي الوقت نفسه، تواصل أوروبا إثقال كاهل نفسها بإجراءات اعتماد بطيئة، وأطر تنظيمية مجزأة، وعوائق قائمة داخل سوقها الموحدة ذاتها.

لا تستطيع أوروبا أن تتحمل كلفة الاستمرار في التباطؤ والمماطلة. والخبر الجيد هو أن الشركات الأوروبية مستعدة للالتزام بأن تكون جزءًا من الحل. وكانت هذه هي الفكرة التي قامت عليها «تعهد كوبنهاجن» الذي قُدِّم خلال قمة كوبنهاجن للتنافسية. فقد التزمت الشركات الثماني والعشرون الموقعة على الإعلان بزيادة استثماراتها في أوروبا بنسبة متوسطة تبلغ 50% بحلول عام 2030، شريطة أن ينجز صانعو السياسات الأوروبيون الإصلاحات اللازمة لتعزيز القدرة التنافسية والأمن.

إن شركات عالمية مثل إيرباص، وسيمنس، و SAP، وتاليس، وساب، ونوفو نورديسك مستعدة لاستثمار المزيد في مستقبل أوروبا. غير أن الاستثمار لا يمكن أن يؤتي ثماره، إلا إذا ترسّخ في أرض خصبة. فوجود رأس المال وحده لن يؤدي تلقائيًا إلى تعزيز مكانة أوروبا. ومن دون تهيئة الظروف المناسبة، تخاطر أوروبا بإهدار فرصة تاريخية. فالشركات الأوروبية تحتاج إلى قواعد أبسط، وإجراءات ترخيص أسرع، وطاقة ميسورة التكلفة، وبنية تحتية أقوى، وسوق موحدة تعمل بكامل كفاءتها.

ولهذا السبب لا يقتصر تعهد كوبنهاجن على الالتزامات الاستثمارية فحسب، بل يتضمن أيضًا تصورًا عمليًا ومحددًا للإصلاحات السياسية الموصى بها من أجل إطلاق العنان للقدرة التنافسية الأوروبية. وقد عكست العديد من هذه المقترحات ما ورد في تقرير دراغي، الذي دعا القادة الأوروبيين إلى تبسيط الأطر التنظيمية، وتقليص أعباء التقارير والإفصاح، وتعزيز الابتكار، وتقوية قدرة أوروبا على توسيع نطاق أعمال الشركات عبر الحدود.

غير أن التقدم الذي أحرزته أوروبا منذ قمة كوبنهاجن كان مخيبًا للآمال. إذ يُظهر مؤشر جديد للتنافسية أن أربع مبادرات فقط من أصل 35 مبادرة رئيسية قد اعتُمدت رسميًا. وفي المقابل، لا تزال 21 مبادرة عالقة في المراحل الأولى من التطوير، حيث لا يمكنها بعدُ أن تسهم في تخفيف الأعباء التنظيمية، أو خفض تكاليف الامتثال، أو جذب استثمارات جديدة.

ولا تزال الفجوة بين الطموح السياسي والإصلاحات الفعلية في السياسات واسعة إلى حد كبير. وحتى في المجالات التي تحقق فيها بعض التقدم، لا تزال التحديات قائمة. فثلاث من المبادرات الأربع التي تم اعتمادها تركز على التبسيط، لكن المتطلبات الجديدة وغير المتسقة لا تزال تُبدد الكثير من المكاسب التي يمكن أن تحققها الشركات.

إن أوروبا لا تعاني من نقص في التقارير أو الاستراتيجيات، بل تعاني من ضعف في التنفيذ. والمهمة الأهم واضحة تمامًا: يجب على أوروبا أن تُكمل أخيرًا بناء سوقها الموحدة وأن تعززها. فمن غير المعقول أن تظل الشركات الأوروبية تواجه حواجز وطنية، وتطبيقات مجزأة للسياسات، ومتطلبات إدارية مختلفة داخل أكبر تكتل تجاري في العالم. وفي وقت تتزايد فيه الضغوط الخارجية من كل اتجاه، ينبغي لأوروبا أن تكف عن السماح للتجزئة الداخلية والمصالح الوطنية الضيقة بتقييد حركتها وشل قدرتها على العمل.

هناك الكثير في عالم اليوم لا تستطيع أوروبا التحكم فيه، من الحروب وحالات عدم الاستقرار الجيوسياسي إلى التوترات التجارية العالمية. لكن أوروبا تستطيع أن تقرر ما إذا كانت تريد لشركاتها أن تهدر وقتها في التعامل مع 27 نظامًا مختلفًا، في حين كان بإمكانها توجيه جهودها نحو الابتكار وتوسيع الاستثمارات على امتداد القارة.

ولا تزال الشركات مستعدة للمساهمة. فبيانات حديثة صادرة عن لجنة الأعمال التابعة لـ«الصناعة الدنماركية» تُظهر تحولًا واضحًا في النظرة المستقبلية، حيث باتت الشركات الدنماركية تنظر بصورة متزايدة إلى أوروبا كملاذ آمن في عالم يتسم بالاضطراب. وقد نمت الاستثمارات الدنماركية في الولايات المتحدة بنسبة 170% منذ عام 2019، في حين ظلت الاستثمارات في دول الاتحاد الأوروبي راكدة إلى حد كبير. إلا أن الشركات باتت الآن تُبدي استعدادًا أكبر لتعزيز انخراطها الاقتصادي داخل أوروبا.

وهذا التحول مهم، فهو يُظهر أن الشركات تفضل الاستثمار بالقرب من موطنها عندما تكون الظروف مستقرة وقابلة للتنبؤ، كما يؤكد أن أوروبا تمتلك فرصة فريدة لاستقطاب استثمارات كان من الممكن أن تتجه إلى وجهات أخرى. وينبغي لأوروبا أن تكون مستعدة لاستقبال هذه الفرصة بأذرع مفتوحة.

إن الشركات مستعدة للمساعدة في بناء أوروبا أقوى، قادرة على الصمود في وجه الضغوط الخارجية وضمان الازدهار في المستقبل. لكن على القادة الأوروبيين أن يقابلوا هذا الالتزام بالشجاعة السياسية والسرعة في التحرك. فنحن نعرف بالفعل ما الذي ينبغي فعله.