من عدم التدخل إلى سياسة القوة.. الصين وعصر الفوضى
11 يونيو 2026
سام تشيتوين جورج - ترجمة: نهى مصطفى
11 يونيو 2026
تأسست جمهورية الصين الشعبية على معارضة الإمبريالية؛ فقد بنى الحزب الشيوعي الصيني هويته على مناهضة الهيمنة الغربية، وقدّم نفسه باعتباره طليعة نضال عالمي ضد الاستعمار. ورأى الزعيم الصيني ماو تسي تونج في الثورة البلشفية بدايةً لهذا المسار، وبعد انتصار الشيوعيين وتأسيس الجمهورية عام 1949، جعلت بكين من مبدأ «عدم التدخل» ركنا أساسيا في سياستها الخارجية. وتحول هذا المبدأ إلى أداة دبلوماسية فعالة ساعدت الصين على ترسيخ صورتها بوصفها مدافعةً عن سيادة دول ما بعد الاستعمار وكسب التأييد في أنحاء الجنوب العالمي.
لكن هذا المبدأ، حتى في بداياته، كان أقرب إلى أداة دعائية منه إلى عقيدة ثابتة؛ فقد دعم ماو الحركات الشيوعية في الخارج. ومع اتساع قدرات الصين، توسع حضورها الخارجي أيضًا. واليوم، تدير بكين شبكة عالمية من العلاقات الاستخباراتية والأمنية وعمليات التأثير لخدمة مصالحها في الخارج. ومؤخرًا، وفّرت غطاءً دبلوماسيا ودعما ماديا للحرب التي شنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أوكرانيا. كما أنشأت منشآت عسكرية رسمية في الخارج، في كمبوديا وجيبوتي، وربما في طاجيكستان وفقا لبعض التقارير، رغم استمرار بكين في نفي ذلك. ومع هذا، ظل تدخل الصين الخارجي يميل إلى عمليات التأثير والدعم غير المعلن للأنظمة الحليفة، بخلاف التدخلات العسكرية الأمريكية المباشرة والمتكررة. صحيح أن الصين شاركت في الحرب الكورية وخاضت حربا مع الهند عام 1962، ثم مع فيتنام عام 1979، لكنها لم تعتمد التدخل العسكري العلني كنهج دائم.
ولعقود، تمكنت الصين من الحفاظ على هذا النهج في ظل نظام أمني قادته الولايات المتحدة، من دون أن تتحمّل هي عبء الحفاظ عليه. وكما أوضحت المحللة زوي ليو في مجلة Foreign Affairs، فإن هذا النظام، رغم قيوده، وفّر استقرارًا لطرق التجارة العالمية والأنظمة المالية، ما أتاح لبكين توجيه مواردها نحو التنمية الاقتصادية والتحديث العسكري. لكن مع تراجع هذا النظام، واستخدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقوة بشكل متزايد، بدأت الصين ترى مصالحها التجارية والتكنولوجية والأمنية الممتدة حول العالم -من المعادن وممرات الشحن في القطب الشمالي إلى تدفقات النفط في الخليج- مهددة بصورة متصاعدة. وهكذا تنجرف بكين تدريجيا إلى المعضلة التي واجهتها كل القوى الصاعدة: حماية المصالح الخارجية تتطلب تحمّل نصيب أكبر من كلفة فرض النظام.
ومع انزلاق العالم إلى ما وصفه الرئيس الصيني شي جين بينج بـ«فوضى القوة»، تعمل بكين على تهيئة أجهزتها الأمنية لحماية ممرات النقل وسلاسل الإمداد والموارد الاستراتيجية التي يقوم عليها نفوذها العالمي. وقد دعا وزير أمن الدولة الصيني إلى بناء منظومة أمن قومي متكاملة «تشمل كامل سلسلة الإمداد» لحماية المصالح الصينية في الخارج، وهو ما قد يتطلب توسيع القدرات الاستخباراتية والعسكرية المنتشرة خارج الحدود. ونظرًا لاتساع شبكة المصالح الصينية، لن يقتصر هذا النظام على محيطها الإقليمي، بل سيمتد إلى مناطق بعيدة مثل قناة بنما ومناجم وسط أفريقيا. وفي الوقت نفسه، بدأ مثقفون مقربون من الحزب يناقشون علنًا ما إذا كان ينبغي للصين مراجعة التزامها الرسمي بمبدأ عدم التدخل. وهكذا تجد دولة قامت على سردية مناهضة للإمبريالية نفسها مضطرةً إلى تحمّل نصيب أكبر من أعباء الإمبراطورية.
وصف ماو تسي تونج ذات مرة شبكة القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة حول العالم بأنها «حبال مشنقة حول عنق الإمبريالية الأمريكية» ستستنزف نفوذ واشنطن وتوقعها في النهاية. وفي بعض الجوانب، تبدو هذه الرؤية أقرب إلى النبوءة. فقد أقرت استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة دونالد ترامب عام 2025 بواقع التمدد الأمريكي المفرط، وسعت إلى حصر التزامات الولايات المتحدة ضمن نطاق أضيق من المصالح الأساسية. وجاء فيها: «انتهى زمن دعم الولايات المتحدة للنظام العالمي بأكمله كما لو كانت أطلس».
ورصد محللون في المؤسسة الأمنية الصينية هذا التحول مبكرًا خلال الولاية الثانية لترامب. ففي أغسطس 2025، نشر معهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة، المرتبط بوزارة أمن الدولة الصينية، مقالًا بعنوان «نهاية الغرب؟». ورأى المقال أن الغرب، أي الكتلة التي تقودها الولايات المتحدة بما تضمه من حلفاء أوروبيين وغيرهم، دخل مرحلة من التراجع النسبي لا تقوم على الانهيار الفوري، بل على تآكل التماسك الداخلي والشرعية والنفوذ المعياري. ووفقًا لهذا التحليل، كشفت عودة ترامب عن شرخ بنيوي عميق، إذ بدت الولايات المتحدة مستعدةً لإضعاف تحالفاتها، وتهميش المؤسسات التي أنشأتها، واستخدام الأدوات الاقتصادية كسلاح ضد الحلفاء والخصوم معًا.
لكن هذه القراءة لا تعكس مجرد تفاؤل صيني بانحدار النفوذ الأمريكي، بل تكشف أيضًا عن قلق متزايد من أن يؤدي هذا التراجع إلى ولادة قوة عظمى أكثر تقلبًا واستعدادًا لاستخدام القوة العسكرية ما دامت قادرةً على ذلك. وبعد الحصار الأمريكي لمضيق هرمز، حذر شي جين بينج مجددًا من العودة إلى «قانون الغاب». غير أن المؤسسة الأمنية الصينية تبدو وكأنها توصلت بهدوء إلى استنتاج أكثر حسمًا: هذا القانون بات قائمًا بالفعل. وبينما حمل خطاب شي بعدا دبلوماسيا يهدف إلى تقديم الصين بوصفها قوة استقرار، تعكس تقييمات المؤسسة الأمنية الأساس الحقيقي للتفكير الاستراتيجي في بكين. ويرى القادة الصينيون أن طموحات ترامب بشأن قناة بنما وجرينلاند، إلى جانب تدخلاته في فنزويلا وإيران، تؤكد دخول العالم عصر فوضى يتطلب من الصين فرض نظامها الخاص.
وفي ديسمبر 2025، نشر وزير أمن الدولة الصيني آنذاك، تشن ييشين، مقالًا تحدث فيه عن «تحول تاريخي» في مكانة الصين العالمية ترافقه مرحلة جديدة من الاضطرابات والمخاطر. وأشار إلى أن الفرص التي تراها بكين في التراجع الهيكلي للولايات المتحدة تقابلها مخاطر مباشرة ناجمة عن استخدام إدارة ترامب للقوة، وتهديداتها التجارية، ومطالباتها الواسعة بأراضٍ وأصول استراتيجية. وخلصت تقييمات معهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة إلى النتيجة نفسها. ففي يناير، كتب رئيس المعهد المنتهية ولايته، يانج مينججي، أن النظام الدولي دخل «مرحلة من الاضطراب وإعادة الهيكلة الجذرية» بعد تخلي الولايات المتحدة عن دورها في حماية النظام القائم، محذرًا من أن هذه المرحلة ستزيد البيئة الأمنية للصين تعقيدًا وفوضى. وفي مارس، وصف خلفه فو شياو تشيانج، في مقال نشره في البحث عن الحقيقة، اللحظة الراهنة بأنها عصر جديد من المواجهة المتصاعدة، ستضطر فيه الدول إلى البحث عن قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي. وأكد صراحةً أن الولايات المتحدة ستسعى إلى احتواء القوى الصاعدة دفاعًا عن «هيمنتها الهشة»، وأن النظام الدولي سيصبح أكثر انغلاقًا وإقصاءً، مع تراجع مساحة الحوار بين القوى الكبرى.
قد تبدو هذه اللغة أكاديمية وهادئة، لكنها تعكس في جوهرها قناعةً صينيةً بأن العالم دخل مرحلةً تحكمها موازين القوة المجردة. وحين تتحول هذه التقييمات إلى جزء من عمل البيروقراطية الأمنية، فإنها تصبح أساسا عمليا للسياسات المستقبلية. وبالنسبة إلى بكين، فقد بدأت بالفعل مرحلة الاستعداد للمواجهة.
يجعل حجم الحضور الصيني في الخارج قلق المؤسسة الأمنية في بكين مفهومًا إلى حد كبير. فالصين هي أكبر دولة تجارية في العالم، وتعمل آلاف شركاتها في أكثر من 150 دولة، بينما يعيش ملايين الصينيين ويعملون خارج البلاد. كما تمتد استثمارات مبادرة الحزام والطريق عبر مناطق مضطربة سياسيا وأمنيا. وتواجه هذه الإمبراطورية التجارية خطرين متزامنين: انسحاب الولايات المتحدة من بعض المناطق، وتدخلها الفوضوي في مناطق أخرى.
وردًا على ذلك، أصدر وزير أمن الدولة الصيني تشن ييشين ما يشبه أمر تعبئة، داعيًا إلى بناء «نظام حماية أمنية خارجية شامل» في مواجهة تصاعد المخاطر التي تهدد المصالح الصينية حول العالم. وخلال السنوات الأخيرة، عززت الصين بالفعل قدراتها الأمنية الخارجية، بما في ذلك قواعدها البحرية في كمبوديا وجيبوتي، إلى جانب شبكة متنامية من الاتفاقيات الأمنية الثنائية. لكن تصريحات تشن أضفت على هذه الاستراتيجية طابعًا أكثر توسعًا وإلحاحًا.
ويشير مفهوم «عبر السلسلة بأكملها» إلى إنشاء منظومة أمنية مترابطة لرصد التهديدات خارج الحدود الصينية واحتوائها مبكرًا، عبر توسيع جمع المعلومات الاستخباراتية وتعزيز التعاون مع الحكومات الأجنبية في مجالات الأمن وإنفاذ القانون ومكافحة الإرهاب. وقد مهد تشن ييشين لهذا التوجه خلال جولة في كمبوديا وتايلاند وفيتنام عام 2023، أعلنت بعدها بكين التوصل إلى تفاهمات واسعة بشأن التعاون الأمني والاستخباراتي، يرجح أنها تشمل تبادل المعلومات والتنسيق العملياتي وتوسيع انتشار الأجهزة الأمنية الصينية في المنطقة.
ويبدو أن بكين تتجه إلى تعزيز حضورها الأمني الخارجي لحماية مصالحها، بما في ذلك استخدام شركات أمن خاصة تضم عناصر سابقة من جيش التحرير الشعبي الصيني لحماية مشاريع الحزام والطريق وممرات النقل، وقد أشارت تقارير إلى انتشار عناصر صينية على طول الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني منذ عام 2025.
ويرى مسؤولو الأمن الصينيون أن صعود الصين يعتمد على تأمين الموارد وخطوط التجارة العالمية في عالم يزداد اضطرابًا. وفي هذا السياق، حذر فو شياو تشيانج من تهديد التحركات الأمريكية للممرات الاستراتيجية والموارد الحيوية اللازمة للثورة الصناعية المقبلة، بينما وصف تشن ييشين المنافسة التكنولوجية وسلاسل التوريد بأنها دخلت مرحلة شديدة الحساسية، ما يشير إلى استعداد بكين لتوسيع أدواتها الدفاعية والقسرية لحماية مصالحها العالمية.
زادت حرب دونالد ترامب ضد إيران من إلحاح إعادة تقييم هذه المواقف داخل الصين؛ فقد بدأ مفكرون بارزون مقربون من الحزب الشيوعي الصيني توسيع دلالات الخطاب الرسمي لبكين. وبعد أيام من بدء الحملة الجوية الأمريكية الإسرائيلية، طرح تشنج يونجنيان، الأستاذ في الجامعة الصينية في هونج كونج والمفكر المؤثر في دوائر الحزب، فكرة مراجعة مبدأ عدم التدخل لصالح ما سماه «التدخل 2.0». ويتيح هذا المفهوم للدولة التدخل القسري خارج حدودها في ظروف معينة، بما في ذلك عمليات «إنفاذ القانون» العابرة للحدود بإشراف وزارة الأمن العام، من دون استبعاد استخدام القوة العسكرية.
واستشهد تشنج بحملة بكين ضد شبكات الاحتيال الإلكتروني في المناطق الحدودية المضطربة بين كمبوديا ولاوس وميانمار باعتبارها نموذجًا لما يسميه «التدخل الفعال». لكن هذه الحالة، رغم تقديمها بوصفها تعاونا أمنيا، تكشف عن نهج أكثر حزمًا يعتمد على الضغط الدبلوماسي واستخدام القوة بالوكالة تحت غطاء التعاون الثنائي. وفي ضوء التدخلات الأمريكية في إيران وفنزويلا، حيث تواجه المصالح الصينية تهديدات متزايدة، يبدو تصور تشنج بمثابة دفاع عن استخدام كل الأدوات الضرورية لتحقيق أهداف بكين، مع تجنب الإعلان الصريح عن التدخل العسكري المباشر. ويرى كثيرون أن دعم الصين للحرب الروسية في أوكرانيا يمثل بالفعل أحد أشكال هذا النموذج.
ورغم أن تشنج حرص على التمييز بين دوافع الصين المحتملة للتدخل وبين ما وصفه بـ«مغامرات» واشنطن، فإن جوهر طرحه كان واضحًا: لم يعد ممكنًا للصين أن تتمسك بخطاب الامتناع المبدئي عن التدخل بينما تسعى في الوقت نفسه إلى حماية مصالحها العالمية والاستفادة من إعادة تشكيل موازين القوى الدولية.
أما جين كانرونج، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة رينمين الصينية وأحد أبرز الأصوات القومية المتشددة، فقد قدم هذه الفكرة بصورة أكثر صراحةً؛ إذ يرى أن المجتمع الصيني يعاني مما يسميه «مرض السلام»؛ أي النفور العميق من الصراع، ويعتبره نقطة ضعف استراتيجية لا ميزةً حضارية. وتكتسب هذه الفكرة ثقلا إضافيا لأن جين استعار المصطلح من شي جين بينج نفسه، الذي استخدمه في خطاب أمام مسؤولين عسكريين عام 2018.
ويجادل جين بأن القوى الصاعدة نادرًا ما فرضت مكانتها من دون استعراض قوتها العسكرية في مرحلة ما. ولهذا، أشاد مرارًا بتحركات الصين في بحر الصين الجنوبي، والاشتباكات مع الهند في الهيمالايا عام 2020، والمواجهات البحرية مع الفلبين حول شعاب توماس الثانية، معتبرا أن تجنب هذه الاحتكاكات قد يقوض طموحات الصين العالمية.
وفي اليوم الذي نفذت فيه القوات الأمريكية غارة على إيران، أعاد جين نشر تحذير صادر عن حساب مرتبط بـجيش التحرير الشعبي الصيني يدعو الصينيين إلى الاستعداد للخطر. وهاجم من وصفهم بالمصابين بـ«داء السلام»، قائلا إن البيئة الأمنية التي اعتادت عليها الصين تتلاشى لتحل محلها فوضى خطيرة. وكتب: «السلام لا يمنحه الآخرون، ينتزع بالقوة. الحرب أصبحت واقعًا شائعًا في العالم، ومن المرجح أن تتزايد مستقبلًا».
ورغم أن تشنج يونجنيان وجين كانرونج لا يمثلان الموقف الرسمي لبكين، فإن أفكارهما تحظى بتأثير واضح داخل الدوائر الحزبية والأمنية، وغالبًا ما تمهد لتحولات سياسية تدرسها القيادة الصينية بجدية.
وتعكس مفاهيم مثل «التعبئة عبر السلسلة بأكملها» و«التدخل 2.0» و«مرض السلام» رؤية متنامية داخل المؤسسة الأمنية الصينية تعتبر أن عصر الفوضى الحالي يفرض على بكين إعادة تشكيل بيئتها الأمنية الدولية. ولم يعد النقاش في الصين يدور حول مبدأ التدخل خارج الحدود بحد ذاته، ولكنه حول توقيته وأدواته وحدوده، وكيف يمكن لبكين أن تمارسه من دون أن تتحول إلى نموذج القوة التدخلية التي طالما عارضتها.
راقبت بكين كيف منحت البنية العسكرية العالمية واشنطن نفوذًا واسعًا، لكنها استنزفتها أيضًا في حروب طويلة، خصوصًا في الشرق الأوسط. ولهذا، من المرجح أن تحاول الصين توسيع دورها الخارجي تحت غطاء التعاون الثنائي أو متعدد الأطراف لتجنب أخطاء التجربة الأمريكية. لكن حتى التدخلات غير المباشرة قد تخلق تبعيات طويلة الأمد وتستنزف المصداقية، كما أن أي أزمة تتعلق بمواطنين أو مصالح صينية قد تدفع بكين إلى التدخل حتى من دون غطاء دبلوماسي.
