No Image
ترجمة

بلغ الطلب على النفط ذروته

11 يونيو 2026
كارولين كيسان
11 يونيو 2026

قد تُذكر الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران لأسباب عديدة، ليس أقلها إغلاق مضيق هرمز، وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، والأضرار التي لحقت بالاقتصاد العالمي. لكن هناك نتيجة أخرى أقل وضوحًا: أكبر اضطرابا في إمدادات النفط في التاريخ الحديث قد سرّع وصول ذروة الطلب على النفط.

قبل أربعة أشهر، أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى أزمة طاقة عالمية؛ فقد ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، واضطربت تدفقات التجارة، وسارعت الحكومات إلى حماية المستهلكين من ارتفاع التكاليف، واضطرت الشركات إلى التكيف مع مشهد طاقة يزداد غموضًا وعدم استقرار. لكن وسط هذا الاضطراب، ظهر اتجاه آخر مع بدء الدول التكيف مع حياة تعتمد على كميات أقل من النفط. وما بدأ كصدمة في الإمدادات تحول بشكل متزايد إلى قصة تتعلق بالطلب، مما أجبر قطاع الطاقة على إعادة النظر في أحد أهم افتراضاته: استمرار نمو الطلب العالمي على النفط.

قبل الحرب، كانت وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن الطلب على النفط سوف «يرتفع بمقدار 2.5 مليون برميل يوميًا من عام 2024 إلى 2030، ليصل إلى مستوى شبه مستقر عند حوالي 105.5 مليون برميل يوميًا بحلول نهاية العقد». ولم يكن الجدل يدور حول ما إذا كان الطلب سيستمر في النمو، بل حول مدى سرعة تباطؤ هذا النمو.

الآن، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن الطلب العالمي على النفط في عام 2026 سيكون أقل بنحو 1.3 مليون برميل يوميًا مقارنة بما كان متوقعًا قبل الحرب. ويعكس جزء من هذا الانخفاض ضعف الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار، لكن الجزء المتبقي يعكس التكيف. فمع مواجهة إمدادات مقيدة وعدم يقين غير مسبوق يحيط بأهم نقطة اختناق للطاقة في العالم، سارعت الحكومات والصناعات إلى تكثيف جهودها لتقليل الاعتماد على النفط.

تفاعلت الأسواق تبعًا لذلك. إذ ترتفع أسعار النفط مع تجدّد الهجمات وتنخفض مع ورود تقارير عن تقدم دبلوماسي. فقد أنهى خام غرب تكساس الوسيط الأسبوع الأول من يونيو فوق 90 دولارًا للبرميل، بينما أغلق خام برنت بالقرب من 93 دولارًا. ورغم أن الأسعار تراجعت عن المستويات المرتفعة التي سُجلت في وقت سابق من الصراع، فإنها ما تزال أعلى بنحو 30% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

صحيح أنه في مواجهة أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ الطاقة الحديث، يبدو رد فعل السوق مقيّدًا بشكل مفاجئ. لكن هذا الهدوء النسبي يخفي واقعًا أكثر إثارة للقلق: فقد جرى سحب المخزونات العالمية بوتيرة قياسية، ما ترك هامش أمان أقل بكثير في حال استمرار الاضطراب. وقبل الصراع، كان نحو 125 إلى 140 سفينة تعبر يوميًا مضيق هرمز. وكان يُنظر إلى هذا الممر المائي على أنه نقطة ضعيفة لكنها موثوقة، مع اعتبار احتمال انقطاعه لفترة طويلة أمرًا غير مرجح.

أظهرت الأشهر الثلاثة الماضية أن المضيق لا يحتاج إلى أن يُغلق رسميًا كي يُقيَّد فعليًا. فقد أدت حركة ناقلات النفط المحدودة، والتهديدات البحرية، ونشر الألغام، وانسحاب شركات التأمين، والعمليات العسكرية، واستمرار حالة عدم اليقين، إلى تعطيل تدفقات التجارة وإجبار الحكومات والشركات على إعادة التفكير في افتراضات طويلة الأمد حول أمن الطاقة. وحتى إذا تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، واستؤنفت حركة المرور، وتمت إزالة الألغام في نهاية المطاف، فإن تجربة الأشهر الأربعة الماضية لا يمكن التراجع عنها.

ويظهر هذا التكيف القسري بوضوح في آسيا، حيث قد تكون الصين واحدة من أهم قصص هذه الحرب. فقبل الصراع، كانت تستورد نحو 11 مليون برميل يوميًا. ومنذ ذلك الحين، انخفضت الواردات بشكل حاد، إذ لجأت إلى سحب المخزونات، وتعديل عمليات المصافي، واستبدال الفحم ببعض مواد اللقيم في الصناعات البتروكيماوية، وإبطاء بناء المخزونات، وتطبيق تدابير ترشيد الاستهلاك. ووفقًا لعدة محللين، فإن قدرة الصين على خفض الواردات كانت أحد الأسباب الرئيسية لعدم ارتفاع أسعار النفط إلى المستويات التي كان الكثيرون يخشونها.

ويكتسب دور الصين أهمية خاصة لأنها كانت المحرك المهيمن لنمو الطلب العالمي خلال العقد الماضي. فبين عامي 2015 و2024، ارتفع الطلب الصيني على النفط بنحو ستة ملايين برميل يوميًا، وهو ما يمثل حوالي 60% من نمو الطلب العالمي. ومع ذلك، وحتى قبل الحرب، كانت وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يبلغ طلب الصين على النفط ذروته خلال هذا العقد، وذلك بسبب انتشار المركبات الكهربائية، وشاحنات تعمل بالغاز الطبيعي المسال، والسكك الحديدية عالية السرعة، إضافة إلى التغيرات الديموغرافية التي ستحد من نمو الاستهلاك مستقبلًا. ويبدو أن الحرب قد سرّعت هذا الاتجاه.

ولم تكن الصين وحدها. فقد تبنت الحكومات في مختلف أنحاء آسيا وأجزاء أخرى من العالم ما يمكن وصفه فقط بإجراءات «بقاء». فقد أصبحت أسابيع العمل ذات الأربعة أيام، وتوسيع العمل من المنزل، وفرض قيود على استخدام أجهزة التكييف، وتقنين الاستهلاك الصناعي، ودعم الطوارئ، وتخفيضات ضريبية، والدعم المباشر للمدخلات الزراعية، جميعها جزءًا من أدوات السياسات. وقد أدخلت أكثر من 100 دولة تدابير تهدف إلى تقليل الأثر الاقتصادي الناتج عن الاضطراب.

وقد صُممت هذه السياسات للحفاظ على عمل الاقتصادات، واستقرار المجتمعات، وبقاء الحكومات في السلطة، مما يعزز حجة طرحها ريتشارد هاس وأنا في تعليق حديث. فلم يعد من الممكن فهم أمن الطاقة باعتباره مجرد تأمين إمدادات كافية من الوقود. بل يجب أن يشمل أيضًا تنويع المصادر، والازدواجية في سلاسل الإمداد، والمخزونات الاستراتيجية، وتعزيز البنية التحتية ضد الصدمات، وطرق نقل بديلة، ومرونة في أنواع الوقود، وتقليل التعرض لنقاط الفشل المفردة. وقد أصبحت الحرب مع إيران اختبارًا واقعيًا لهذا الإطار.

وتكمن المفارقة الكبرى في أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاد إلى منصبه وهو يروّج لهيمنة الطاقة الأمريكية واستمرار نمو الهيدروكربونات. ومع ذلك، فإن الاضطراب الناتج عن هذه الحرب يسرّع بالضبط ما كان يخشاه العديد من منتجي النفط: الوصول المبكر إلى ذروة الطلب على النفط. ولم يحدث هذا التحول لأن سياسات المناخ انتصرت فجأة، ولا لأن الحكومات قررت بشكل جماعي تقليل استهلاك النفط، بل لأن انعدام أمن الطاقة أجبر الجميع على التكيف.

وهكذا، فإن أحد الإرث الدائم للحرب يتمثل في الطريقة التي أعادت بها تشكيل تفكير الحكومات والشركات والمستهلكين حول أمن الطاقة. فالافتراضات التي كانت تقوم عليها منظومة الطاقة قبل الحرب ـ وفرة الإمدادات، وموثوقية العبور عبر مضيق هرمز، والثقة بأن الاضطرابات ستكون مؤقتة ـ لم تعد قائمة. لقد نقلت ثلاثة أشهر من الاضطراب والندرة والتكيف القسري ذروة الطلب من كونها في الأفق إلى أن أصبحت خلفنا.