اللغز الدائم للنمو الاقتصادي
11 يونيو 2026
أندريس فيلاسكو
11 يونيو 2026
وصل كير ستارمر إلى رئاسة وزراء المملكة المتحدة واعدًا بإعادة إشعال فتيل النمو الاقتصادي. لكن بعد أقل من عامين، انهارت معدلات تأييده في استطلاعات الرأي. وأحد أسباب متاعبه السياسية (وهي كثيرة) أن الاقتصاد البريطاني لم ينطلق قط كما كان مأمولًا.
يحب السياسيون التظاهر بأنهم يتحكمون في مفاتيح النمو الاقتصادي. لكن كما يُظهر التراجع الحاد في شعبية ستارمر، فإن هذا الادعاء بات يبدو واهيًا على نحو متزايد.
أما أولئك الذين يطلقون على أنفسهم اسم «اقتصاديي التنمية»، فهُم، على النقيض من ذلك، لا يتظاهرون حتى بمعرفة الأسباب الجذرية للنمو. فقبل ربع قرن، قرروا أن لغز سبب تحوّل بعض البلدان إلى دول غنية بينما تظل أخرى فقيرة أعقد من أن يُحَل.
إذا منحت سكان القرى دجاجة أو خنزيرًا، فهل سيصبحون أقل فقرًا بعد عامين؟ وإذا عالجت الأطفال من الديدان الطفيلية، فهل سيتحسن أداؤهم في المدرسة؟ تلك هي نوعية الأسئلة التي شغلت بعضًا من ألمع العقول في مجال التنمية. وكما جادل لانت بريتشيت، الأستاذ الزائر في كلية لندن للاقتصاد، منذ زمن طويل، فإن ذلك يمثل سوء تخصيص هائلًا للمواهب.
وفي الوقت الذي ظل فيه بعض الاقتصاديين مترددين ومتخبطين، كانت البلدان وقادتها منشغلين بتجربة أفكار وسياسات مختلفة على أرض الواقع. وقد جاءت النتائج متباينة.
في عام 1978، أطلق الزعيم الصيني آنذاك دنج شياو بينج سياسة «الإصلاح والانفتاح»، التي أفضت إلى أسرع نمو اقتصادي في تاريخ البشرية. ومنذ ذلك الحين، ارتفع دخل المواطن الصيني العادي -بعد احتساب أثر التضخم- بمقدار عشرين ضعفًا، وتمكّن مئات الملايين من الخروج من دائرة الفقر وتركها وراءهم.
وقبل خمسة وثلاثين عامًا، شرعت الهند، وهي عملاق ديموغرافي آخر، في عملية إصلاح اقتصادي. وقد جاءت النتائج أقل إبهارًا من تلك التي حققتها الصين، لكنها تظل لافتة للنظر: فمتوسط دخل المواطن الهندي اليوم، بعد احتساب أثر التضخم، يبلغ نحو خمسة أضعاف ما كان عليه في عام 1991.
ولم تكن الهند والصين وحدهما في هذا المسار. فقد شهدت دول أخرى -من بينها فيتنام، وبنجلاديش، وبولندا، وتركيا- نموًا سريعًا خلال العقود الأخيرة. لكن عددًا أكبر بكثير من الدول ظل راكدًا خلال الفترة نفسها.
فعلى سبيل المثال، عملت البرازيل والمكسيك أيضًا على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والانفتاح على الأسواق (وإن كانت البرازيل بدرجة أقل من المكسيك) خلال تسعينيات القرن الماضي، إلا أن النمو بقي ضعيفًا وهزيلًا. وقد تجاوزتهما الصين في نصيب الفرد من الدخل، رغم أنها كانت عند نقطة البداية أفقر منهما بكثير، وبفارق شاسع.
ويمكن تحويل الأدلة القصصية والانطباعية إلى صورة أكثر منهجية. فقد أظهرت ورقة بحثية حديثة أن الإصلاحات الشاملة في السياسات غالبًا ما تسبق فترات تسارع النمو الاقتصادي. ومع ذلك، فإن الغالبية الساحقة من هذه الإصلاحات لا تؤدي إلى تسارع في النمو على الإطلاق. فالسياسات الجيدة شرطٌ ضروري، لكنها نادرًا ما تكون شرطًا كافيًا.
وإذا بدا ذلك محيّرًا ومثيرًا للإحباط، فالأمر يستحق بالفعل أن يكون كذلك.
لكن الأمل لم يَضِع بالكامل. فقد قدّمت مجموعة أخرى من الاقتصاديين -من بينهم الحائز على جائزة نوبل فيليب أغيون- بعض الخيوط التي قد تساعد في فكّ لغز النمو الاقتصادي. ويكمن المفتاح في تحسينات الإنتاجية، التي لا تنشأ على المدى الطويل إلا من خلال الابتكار التكنولوجي.
غير أن الابتكار يتطلب بدوره ما يسميه الاقتصاديون «الريع الاقتصادي» أو الأرباح الاستثنائية: أي أرباحًا تفوق المعدلات المعتادة بما يكفي لتعويض المبتكرين عن التكاليف التي يتحمّلونها. لكن إذا أصبحت هذه الأرباح كبيرة أكثر من اللازم، فإن الشركات الراسخة في السوق قد تُغرى باستخدام قوتها الاقتصادية والسياسية لخنق الابتكار ومنع المنافسين المحتملين من تحديها. وهنا يكمن توازن دقيق لا تنجح سوى قلة من الدول في تحقيقه.
ونادرًا ما تنخرط الشركات في البلدان النامية في ذلك النوع من الابتكار الرائد الذي قد يثمر شركة جديدة بحجم «جوجل» أو «أنثروبيك». فالمهمة الأساسية بالنسبة إليها تتمثل في تبنّي التقنيات التي جرى ابتكارها في أماكن أخرى وتكييفها مع ظروفها المحلية. لكن حتى هذه المهمة تبيّن أنها أصعب بكثير مما كان متوقعًا.
لقد حققت البلدان النامية تقدمًا هائلًا في العديد من العوامل التي يُفترض أنها تدعم النمو؛ فمستويات التعليم ارتفعت، ومتوسط العمر المتوقع تحسّن، ومعدلات الاستثمار ازدادت. كما أن المؤسسات في كثير من البلدان أصبحت أقوى مما كانت عليه قبل جيل كامل. ومع ذلك، ظل التقارب في مستويات الدخل مع الاقتصادات المتقدمة بطيئًا على نحو مؤلم -وفي معظم الحالات لم يحدث أصلًا.
إن التفسير الوحيد المعقول لهذا اللغز يكمن في بطء انتشار التكنولوجيا، كما جادل ريكاردو هاوسمان من جامعة هارفارد. فالأفكار قد تعبر الحدود في لحظات، لكن القدرات الإنتاجية لا تفعل ذلك. يمكنني بسهولة تنزيل كتيبات الهندسة من الإنترنت، لكن قراءتها لا تجعل مني مهندسًا. ولا يمكن الوثوق بي لبناء جسر ما لم أمضِ سنوات محاطًا بمهندسين، أكتسب منهم المعارف العملية اللازمة وأتعلم كيفية توظيفها.
وفوق ذلك، تميل القدرات الإنتاجية إلى أن تكون خاصة بقطاع بعينه. وهي لا تتطور أصلًا ما لم ينشأ طلب عليها داخل ذلك القطاع. فصانعو الكمان، على سبيل المثال، لا يوجدون إلا في البلدان التي تمتلك صناعة للكمان.
ولهذا الأمر تبعات مهمة على صعيد السياسات العامة. فالسوق وحدها قد لا تُنتج القدرات اللازمة للارتقاء التكنولوجي. إذ يتعين على الحكومات أن تنسّق الاستثمارات، وتوفّر السلع العامة الخاصة بكل قطاع، وبرامج التدريب على المهارات المتخصصة فيه، وأن تهيئ بيئة يُكافأ فيها الابتكار من دون أن تسمح للشركات القائمة بإغلاق باب المنافسة أمام الوافدين الجدد.
إن حلّ لغز سبب ازدهار بعض البلدان وثرائها فيما تبقى أخرى عالقة في الركود ليس مهمة سهلة. لكن علاج السرطان ليس سهلًا أيضًا. ومع ذلك، لم يمنع ذلك علماء الأحياء، والكيميائيين الباحثين، وعلماء الوراثة، والأطباء من مواصلة المحاولة. وقد أحرزوا تقدمًا، مهما كان بطيئًا.
لقد أحرز الاقتصاديون أيضًا بعض التقدم، وإن كان أبطأ من ذلك بكثير. ومع ذلك، يمكنهم مواصلة التقدم ما داموا يركزون على القضايا الصحيحة. فالتحدي، كما يصفه بريتشيت، يتمثل في إدماج الناس «في دائرة الإنتاجية». وقد يكون التعقيد الكامن في هذا التحدي باعثًا على الإحباط. لكنه يظل أقل إحباطًا من الاستمرار في قراءة الأوراق الأكاديمية عن الدجاج والخنازير، بينما لا يزال مليارات البشر يعيشون في الفقر.
