No Image
ترجمة

الاحتياطي الفيدرالي كان صادقًا وغبيًا

18 يونيو 2026
تود جي. بوتشولز
18 يونيو 2026

بينما يتعلّم الطيارون الثقة بأجهزة الملاحة والقياس يدرك الأذكياء منهم أن عليهم إلقاء نظرة خارج النافذة بين الحين والآخر. ولوقتٍ طويل للغاية تصرّف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كما لو كان طيارًا يحدّق في عدّاداته، ويستشهد ببيانات الارتفاع بدقة تصل إلى أقرب قدم، لكنه لا يرى الجبل المنتصب أمامه عبر الزجاج الأمامي للطائرة.

وقد جلس كيفن وورش الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي في مقعد القيادة في وقتٍ تحتدم فيه النقاشات داخل الأسواق حول ما إذا كان ينبغي تيسير السياسة النقدية أم تشديدها. وسيحتاج إلى قدرٍ كبير من المرونة في النظر إلى الاتجاهات المختلفة إذا أراد اتخاذ قرارات حكيمة.

لقد انتقد وورش بحق أداء الاحتياطي الفيدرالي في الماضي؛ فقد نشأ جيلٌ كامل من الأمريكيين وهو ينظر بعين الريبة إلى الخبراء الاقتصاديين، ولا يمكن لومهم على ذلك بالنظر إلى ما عايشوه من أخطاء جسيمة وفقاعات اقتصادية: انهيار شركات التكنولوجيا عام 2001، والأزمة المالية عام 2008، ثم موجة التضخم التي أعقبت جائحة كوفيد-19. وقد طمأن رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق جيروم باول وإدارة الرئيس جو بايدن الأمريكيين خطأً بأن موجة التضخم الأخيرة كانت «مؤقتة» رغم أن أسعار كل شيء من شطائر البرغر إلى التأمين والإيجارات بدت فجأة وكأنها وُضعت لتناسب مصرفيي سويسرا. ومع ارتفاع أسعار الجعة بأكثر من 20% بين عامي 2020 و2026 تحوّل «جو سيكس باك» ــ وهو التعبير الأمريكي الشائع للرجل العادي الذي يشتري عبوة من ست زجاجات جعة ــ إلى «جو فايف باك» بعدما لم يعد قادراً إلا على شراء خمس زجاجات.

سيكون من السهل ــ لكنه سيكون خطأً ــ أن يستسلم المرء لهذا القدر من التشاؤم، فيعزو أخطاء الاحتياطي الفيدرالي إلى بيروقراطيين فاسدين، أو مؤامرات متخيَّلة، أو حتى إلى مخططات سرية مطوية داخل حقيبة جيروم باول. ولسنا بحاجة إلى سربٍ من المحاسبين الجنائيين ينبشون خزائن الملفات لكشف الحقيقة؛ فالحقيقة أبسط من ذلك: لقد كان الاحتياطي الفيدرالي صادقًا، لكنه كان غبيًا.

أما الخبر السار فهو أنه قادر على أن يصبح أكثر ذكاءً. ولنبدأ بالنظر إلى الخريطة الإقليمية للاحتياطي الفيدرالي فهي تكشف المشكلة فورًا. فقد أُنشئت هذه الخريطة عام 1913، وتبدو وكأنها رسمٌ تخطيطي خطّه المستكشفان الأمريكيان لويس وكلارك على جلدٍ مدبوغ إلى جوار موقد نار وقدرٍ من الفاصولياء خلال إحدى رحلاتهما في القرن التاسع عشر. ولإبقاء عينه على بلدٍ شاسع بحجم الولايات المتحدة، لا يضم الاحتياطي الفيدرالي سوى اثنتي عشرة منطقة فقط مع وجود مصرفين إقليميين كاملين تابعين له في ولاية ميزوري.

إن جنوب كاليفورنيا وحده يُعدّ بوابة عالمية، وعاصمة لصناعة الترفيه، ومحركًا لقطاع التكنولوجيا الحيوية، ومختبرًا حيًا لتضخم أسعار المساكن؛ حيث يتطلب شراء منزلٍ متواضع دخلاً لا يملكه إلا من هو أبعد ما يكون عن المبتدئ. ومع ذلك فإن هذه المنطقة ليست سوى جزء صغير من نطاق مسؤوليات رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو الذي تشمل ولايته أيضًا شركات التكنولوجيا العملاقة الناشئة في وادي السيليكون، ومصايد الأسماك في ألاسكا، وجزيرة غوام الواقعة في المحيط الهادئ.

ورغم ذلك لا تتمتع رئيسة بنك سان فرانسيسكو الفيدرالي بنفوذٍ أكبر من نظيرها في ريتشموند بولاية فيرجينيا، وهي منطقة تشتهر بصناعة المحار وإنتاج الجعة الحرفية بكميات محدودة. كما أنها لا تحصل على حق التصويت في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة الجهة المسؤولة عن رسم السياسة النقدية، إلا في السنوات المتناوبة.

أما التوزيع الجغرافي في شرق البلاد فيبدو بدوره أشبه بخريطة مضى عليها قرن من الزمن طبعتها شركة سكك حديد بنسلفانيا التي اندثرت منذ زمن: بوسطن، ونيويورك، وفيلادلفيا، وواشنطن، وريتشموند.

لكي تُحارَبَ موجات التضخم بفعالية ينبغي للكونغرس الأمريكي إعادة رسم خريطة مناطق الاحتياطي الفيدرالي، لكن ذلك لا يحل سوى نصف المشكلة الجغرافية التي يواجهها البنك المركزي؛ فصانعو السياسة النقدية مطالبون أيضًا بتوجيه اهتمامهم بدرجة أكبر نحو واشنطن والبرامج الحكومية التي تضخ الوقود في الاقتصاد أو تخنقه.

ففي مطلع العقد الأول من الألفية الجديدة أشعل الكونغرس والهيئات المدعومة من الحكومة، مثل فاني ماي وفريدي ماك طفرةً عقارية هائلة من خلال اندفاعهم غير المسؤول لرفع معدلات تملّك المنازل. وبحلول عام 2006 كان ما يقرب من واحد من كل أربعة قروض عقارية جديدة من فئة الرهن العقاري عالي المخاطر (وهي قروض تُمنح لأصحاب السجلات الائتمانية الضعيفة مقابل أسعار فائدة أعلى)، أما الاحتياطي الفيدرالي فجلس متفرجًا يراقب المشهد.

وكما كان الحال مع رؤساء الاحتياطي الفيدرالي الذين سبقوه، سيقضي كيفن وورش وقتًا طويلًا تحت أضواء جلسات الاستجواب في الكونغرس. لكن لماذا لا يُقلب المشهد رأسًا على عقب؟ لماذا لا يتولى محافظو البنوك المركزية بصورة دورية استجواب قادة الكونغرس ومسؤولي البيت الأبيض بشأن السياسات المالية والتنظيمية التي يكدّسونها بمرحٍ واضح فوق نيران الاقتصاد المشتعلة؟

فالسياسة النقدية ليست طفاية حريق لإخماد الحرائق التي يوقدها السياسيون، وثمة من ينبغي أن يقول ذلك تحت القسم.

أخيرًا يحتاج الاحتياطي الفيدرالي إلى أدوات أكثر حدّة ودقة. لقد كنت أتابع السياسة النقدية عن كثب منذ أن كنت طالب دراسات عليا أتبادل المراسلات مع ميلتون فريدمان، لكن فريدمان غادر المسرح قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، والعملات المستقرة، وقبل أن تطلق تايلور سويفت جولةً غنائية تدرّ إيرادات تفوق الناتج المحلي الإجمالي لعشرات الدول.

إن كثيرًا من المؤشرات التي يفضّل الاحتياطي الفيدرالي الاعتماد عليها — مثل أرصدة البنوك وطلبات إعانة البطالة — هي مؤشرات متأخرة تعكس ما حدث بالفعل، ولم تعد تروي القصة كاملة. ويكفي النظر إلى السرعة التي أعاد بها العمل عن بُعد تشكيل سوق العقارات التجارية وأنماط الهجرة الداخلية.

كما أن اقتصاد الأعمال الحرة والمنصات الرقمية (Gig Economy) يمثل صدمةً قوية من جانب العرض؛ لأنه يضع موارد كانت معطلة سابقًا في دائرة النشاط الاقتصادي. فغرفة نوم فارغة تتحول إلى وحدة للإيجار عبر إير بي إن بي، وسيارة متوقفة في مرآب المنزل تولد من جديد كمصدر دخل عبر أوبر، وممرضة متقاعدة تعود إلى العمل لتقديم حقن البوتوكس.

إن اقتصادًا من هذا النوع يتحرك من خلال شركات مثل سترايب وباي بال وشوبيفاي، وهي شركات تقدم إشارات استشرافية ومبكرة يمكن أن تمنح الاحتياطي الفيدرالي لمحاتٍ أوضح عن الاتجاه الذي يسلكه الاقتصاد.

يرث وورش احتياطيًا فيدراليًا يمتلك مقرًا رئيسيًا أوشك تجديده على الاكتمال، وكميات هائلة من البيانات الآنية، وسجلًا من الأداء يصعب وصفه إلا بأنه محرج إلى حدٍّ ما.

لكن الخبر الجيد هو أن المؤسسا، شأنها شأن الطيارين قادرة على أن تصبح أكثر ذكاءً، غير أن الوقت لا يسمح بالمماطلة؛ فعلى وورش أن يدفع الكونغرس الأمريكي إلى تحديث الخريطة التنظيمية للاحتياطي الفيدرالي، وصقل أدواته التحليلية، وتذكير السياسيين بأن السياسة النقدية ليست طفاية حريق تُستخدم لإخماد الحرائق التي يشعلونها هم أنفسهم.

وإذا نجح في ذلك فقد يتمكن «جو سيكس باك» - المواطن الأمريكي العادي في استعارة الكاتب - من شراء علبة الجعة السادسة من جديد، وربما أيضًا من ادخار دفعة أولى لشراء منزل.