No Image
ترجمة

استثمارات الذكاء الاصطناعي في المنطقة تواجه تحديات متزايدة

18 يونيو 2026
آرون بارتنيك - ترجمة نهى مصطفى
18 يونيو 2026

عندما عاد الرئيس دونالد ترامب من جولة في الخليج في مايو 2025 أعلن عن اتفاقيات ثنائية بقيمة 2.2 تريليون دولار أبرمتها الولايات المتحدة. وإلى جانب الشراكات الدفاعية والاقتصادية، شملت هذه الاتفاقيات استثمارات كبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصة تطوير بنية تحتية أمريكية للذكاء الاصطناعي في منطقة الخليج. وفرت المنطقة لشركات التكنولوجيا الأمريكية مزايا مهمة، من بينها وفرة الطاقة منخفضة التكلفة، وإمكانية الوصول إلى تمويل صناديق الثروة السيادية، وتيسير إجراءات إنشاء مراكز البيانات، إلى جانب موافقة الحكومة الأمريكية على تصدير رقائق متقدمة كانت تخضع سابقًا لقيود. أما بالنسبة لواشنطن، فقد مثلت هذه الاتفاقيات فرصة لتسريع تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية، مع تشجيع دول الخليج على تقليص اعتمادها على الشراكات الصينية في هذا المجال.

غير أن التطورات الأخيرة سلطت الضوء على التحديات الأمنية التي تواجه هذه الاستثمارات. ففي الأول من مارس تعرض مركزان لبيانات شركة أمازون ويب سيرفيسز لهجمات بطائرات مسيرة. كما أثارت الاضطرابات في مضيق هرمز والبحر الأحمر مخاوف بشأن سلامة كابلات الاتصالات البحرية التي تنقل جزءًا كبيرًا من حركة البيانات بين آسيا وأوروبا والخليج.

لا تقتصر تداعيات هذه التطورات على مستخدمي الشبكات والبنية التحتية الرقمية في المدى القصير، وإنما تمتد إلى شبكة أوسع من الاعتماد المتبادل التي نشأت مع توسع الاستثمارات الرقمية في المنطقة، وأصبحت تشمل دولًا وشركات متعددة تتجاوز الأطراف المباشرة في هذه الشراكات.

يجادل منتقدو هذا التوجه بأن الاعتماد المتزايد على الخليج في بناء بنية تحتية حيوية للذكاء الاصطناعي يربط هذه الاستثمارات ببيئة أمنية وإقليمية معقدة. كما أن طبيعة الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرقمية تجعل إعادة توجيهها أو نقلها عملية مكلفة وصعبة بعد تنفيذها. ولذلك يرى هؤلاء أن على شركات التكنولوجيا وصناع القرار الأمريكيين إعادة تقييم مزايا الاستثمار في الخليج والمخاطر المحتملة المرتبطة به، خاصة بالنسبة للمشروعات التي لا تزال في مراحل التخطيط أو التنفيذ المبكرة، مع النظر في بدائل أخرى، بما في ذلك توسيع الاستثمارات داخل الولايات المتحدة.

يستضيف الخليج نحو 1.5% من القدرة الحاسوبية العالمية، أي ما يقارب ضعف حصته من سكان العالم، فيما تنمو هذه القدرة بمعدل يناهز 9% سنويًا. وتعد الاتفاقيات التي أُبرمت عقب جولة الرئيس الأمريكي ترامب في الخليج عام 2025 جزءًا مهمًا من هذا التوسع؛ إذ أعلنت شركة AMD عن شراكة بقيمة 10 مليارات دولار، كما التزمت شركة Nvidia بتوريد 18 ألف رقاقة متقدمة لدعم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

كذلك بدأت مجموعة من الشركات الأمريكية التخطيط لإنشاء مجمع للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه تنقل الكابلات البحرية في البحر الأحمر نحو 90% من حركة البيانات بين أوروبا وآسيا، وما يقرب من 17% من إجمالي حركة الإنترنت العالمية.

عندما تعطلت مراكز بيانات أمازون ويب سيرفيسز امتدت الآثار إلى قطاعات مختلفة من الاقتصاد الرقمي في المنطقة، بما في ذلك الخدمات المصرفية وأنظمة الدفع وخدمات النقل والتوصيل وبعض خدمات البيانات السحابية. كما انعكست التداعيات على شركات خارج الشرق الأوسط تعتمد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على بنى تحتية رقمية تمر عبر مراكز وخوادم موجودة في الخليج.

أظهرت هذه التطورات أن توسع البنية التحتية الرقمية العالمية يطرح تحديات تتجاوز الاعتبارات التجارية والتقنية التقليدية. فقد استند جزء من هذا التوسع إلى مبادرات دولية، مثل مبادرة «باكس سيليكا»، التي تقودها الولايات المتحدة لتعزيز أمن سلاسل إمداد الذكاء الاصطناعي. ومنذ إطلاقها في ديسمبر انضمت إليها 14 دولة في أوروبا وآسيا.

وركزت المبادرة على قضايا مثل الاستثمار المشترك، وتأمين سلاسل التوريد، ومنع انتقال التقنيات المتقدمة إلى جهات منافسة، وتعزيز متطلبات الشفافية والرقابة على التقنيات الأمريكية المستخدمة في الخارج. غير أن التطورات الأخيرة أثارت تساؤلات حول مدى جاهزية الأطر الحالية للتعامل مع المخاطر الأمنية التي قد تستهدف البنية التحتية الرقمية نفسها.

احتمال استهداف مراكز البيانات أو كابلات الاتصالات البحرية أمرًا ليس جديدًا في النقاشات القانونية والأمنية؛ فقد شهدت مناطق مختلفة من العالم حوادث طالت هذه البنى التحتية، بما في ذلك بحر البلطيق ومحيط تايوان والبحر الأحمر. إلا أن الهجمات التي استهدفت منشآت رقمية في شهر مارس أبرزت بصورة أوضح التحديات التي قد تواجهها مراكز البيانات في بيئات إقليمية تشهد توترات أمنية.

على مدى عقود طورت الولايات المتحدة أطرًا لحماية بنيتها التحتية الحيوية داخل أراضيها، شملت تصنيف بعض القطاعات باعتبارها حيوية وفرض معايير أمنية خاصة عليها. وتدفع التطورات الأخيرة إلى إعادة النظر في كيفية تطبيق اعتبارات مماثلة على مشروعات البنية التحتية الرقمية التي تنفذها الشركات الأمريكية خارج الولايات المتحدة، بما يضمن التوازن بين فرص التوسع ومتطلبات الأمن والاستدامة.

بالنسبة إلى العديد من الشركات دفعت التطورات الأخيرة إلى إعادة تقييم بعض الافتراضات التي جعلت منطقة الخليج وجهة جاذبة للاستثمار في مايو 2025. فحماية مراكز البيانات التجارية من التهديدات العسكرية المتطورة، مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة، تمثل تحديًا معقدًا ومكلفًا. كما أن تحويل هذه المنشآت إلى ما يشبه المواقع المحصنة قد لا يكون عمليًا من الناحية الاقتصادية، خاصة أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تعتمد على التشغيل المتواصل لتحقيق جدواها التجارية.

تبرز المسؤولية القانونية كأحد أهم التحديات التي تواجه الشركات. فقد لجأت بعض المؤسسات إلى بنود «القوة القاهرة» لتبرير تعطل عملياتها والحد من مسؤولياتها التعاقدية، إلا أن خبراء قانونيين يرون أن نجاح هذه الدفوع قد يختلف باختلاف العقود والاختصاصات القضائية، خصوصًا في مناطق شهدت فترات طويلة من التوترات الجيوسياسية. كما أن أي انقطاع في الخدمات قد يفتح الباب أمام مراجعات قانونية وتجارية بين مزودي الخدمات السحابية وعملائهم بشأن الالتزامات التعاقدية والتعويضات المحتملة.

في الوقت نفسه تعيد شركات التكنولوجيا التي لا تزال مشروعاتها قيد التنفيذ دراسة الجدوى الاقتصادية لاستثماراتها. فتعزيز أنظمة النسخ الاحتياطي، ورفع مستويات الحماية المادية، وارتفاع تكاليف التأمين، كلها عوامل تؤثر في تكلفة تشغيل مراكز البيانات. كما أن التغيرات الأخيرة في أسواق التأمين دفعت بعض الشركات إلى إعادة مقارنة تكاليف الاستثمار في الخليج بتكاليف إنشاء منشآت مماثلة في مناطق أخرى، مثل شمال أوروبا والهند وبعض الولايات الأمريكية.

ومع ذلك، لا تزال الحوافز التي تقدمها دول الخليج عامل جذب مهمًا للعديد من المستثمرين. إلا أن قرارات الاستثمار باتت تتطلب احتساب مجموعة أوسع من العوامل، تشمل تكاليف التأمين والأمن واستمرارية الأعمال وإدارة المخاطر التشغيلية والسمعة المؤسسية في بيئات تشهد توترات إقليمية.

أما الشركات التي تمتلك بالفعل بنية تحتية واسعة في الخليج فمن المرجح أن تركز على تنويع المخاطر، وتعزيز المرونة التشغيلية. ويشمل ذلك توزيع أحمال العمل على مراكز بيانات في مناطق مختلفة، وتوسيع التغطية التأمينية، وزيادة الشفافية تجاه العملاء بشأن مواقع معالجة البيانات واستضافتها. كما قد تتجه بعض الشركات إلى الفصل بصورة أوضح بين المشروعات التجارية والأنشطة المرتبطة بالجهات الحكومية أو الدفاعية، بما يقلل من التعقيدات المحتملة في بيئات متوترة.

ورغم عدم وجود ما يشير إلى استخدام البنية التحتية الرقمية التجارية في الخليج لأغراض عسكرية مباشرة؛ فإن تنامي التقاطع بين تقنيات الذكاء الاصطناعي والقطاع الدفاعي يثير تساؤلات حول كيفية نظر الأطراف المختلفة إلى هذه المنشآت.

وفي المقابل؛ وفرت الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي لدول الخليج فرصًا لتعزيز التنويع الاقتصادي، واستقطاب التقنيات المتقدمة، ودعم مكانتها كمراكز رقمية عالمية. ومع استمرار تطور المشهد التكنولوجي والجيوسياسي، من المرجح أن تتضمن العقود المستقبلية بنودًا أكثر تفصيلًا بشأن توزيع المخاطر والمسؤوليات في حالات الطوارئ أو النزاعات. كما بدأت بعض الشركات بالفعل في تنويع انتشارها الجغرافي عبر التوسع في أسواق أخرى إلى جانب استثماراتها في الخليج.

يرى منتقدو التوجه الأمريكي نحو توسيع استثمارات الذكاء الاصطناعي في الخليج عبر الاتفاقيات الثنائية وموافقات تصدير الرقائق الإلكترونية وإطار عمل «باكس سيليكا» أن التطورات الإقليمية الأخيرة أظهرت بعض المخاطر المرتبطة بتركيز بنية تحتية استراتيجية في منطقة تشهد توترات متكررة.

وبحسب هذا الرأي؛ فإن الترابطات الاقتصادية والتقنية التي نشأت عن هذه الاستثمارات قد تخلق تحديات إضافية للمصالح الاقتصادية والأمنية الأمريكية في حال تصاعد الاضطرابات الإقليمية. كما أن استمرار حالة عدم اليقين في الشرق الأوسط يدفع إلى إعادة تقييم المعايير التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند اختيار مواقع استضافة البنية التحتية المرتبطة بالتقنيات المتقدمة. ومن ثم فإن أطر التعاون التكنولوجي المستقبلية قد تحتاج إلى مراعاة الجوانب الأمنية واللوجستية للبنية التحتية الحيوية إلى جانب اعتبارات سلسلة التوريد والعوائد الاقتصادية.

ولكن لا يبدو التراجع عن إطار «باكس سيليكا» أو التخلي عنه خيارًا عمليًا؛ فقد صُممت هذه المبادرات لتعزيز الشراكات التكنولوجية بين الولايات المتحدة ودول الخليج، والحد من تنامي النفوذ الصيني في هذا المجال، وقد يؤدي التراجع عنها إلى إضعاف علاقات استراتيجية مهمة وفتح المجال أمام منافسين آخرين لتعزيز حضورهم. وفي هذا السياق تسعى شركات صينية، من بينها هواوي، إلى إبراز مزايا تنويع الشراكات التقنية، وتقليل الاعتماد على مناطق أو مسارات بعينها.

بدلاً من إعادة النظر في التعاون ذاته قد يكون من الأنسب توجيه هذا التعاون نحو مجالات أقل تعرضًا للمخاطر، مثل تأمين سلاسل إمداد المعادن الحيوية، وتطوير القدرات التصنيعية في الدول الحليفة، وتنويع مواقع البنية التحتية الحيوية. كما يمكن إعادة توزيع بعض أعباء العمل الرقمية، ومراجعة المشروعات التي لا تزال في مراحل التخطيط بما يحقق توازنًا أفضل بين الكفاءة الاقتصادية وإدارة المخاطر.

في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة تزداد أهمية اتخاذ قرارات استثمارية تراعي سيناريوهات متعددة للمستقبل. فكلما تأخر تقييم مواقع البنية التحتية الحيوية ومتطلبات حمايتها وتنويعها ازدادت كلفة التكيف مع المتغيرات المحتملة وتعقيداته.