الهوية الوطنية.. جسر يربط الأجيال وذاكرة تثري المستقبل
19 نوفمبر 2025
19 نوفمبر 2025
متابعة - خلود الفزارية
تشكل البيئة العمانية مصدر إلهام غني للفنانين والكتاب على حد سواء. الجبال والسواحل، والسهول والواحات، إلى جانب القرى التراثية التي تزخر بألوانها وتضاريسها وعاداتها وتقاليدها، تمنح الأعمال الفنية روح المكان وتعزز الارتباط بالهوية الوطنية، ويساهم التراث في منح العمل الفني بصمة مميزة، تعكس مدى ارتباط الفنان بمحيطه، وتتيح له تقديم عمل يجمع بين الأصالة والمعاصرة. وبالرغم من التحديات التي تواجه الهوية العمانية بتأثير العولمة ووسائل التواصل الحديثة، إلا أنها تتيح للفنانين تقديم أعمال مبتكرة بتوظيف التراث بطريقة معاصرة دون فقدان الهوية الوطنية.
فالتراث العماني بمفرداته المتعددة من فنون وصناعات تقليدية وعمارة وزخارف ورموز يمثل مصدر إلهام للفنان العماني، ويمنح أعماله خصوصية تميزها بحضور الهوية العمانية في التجربة الفنية والثقافية لسلطنة عمان تشمل عناصر طبيعية واجتماعية وتاريخية وثقافية.
تظهر الهوية العمانية في الفنون التشكيلية بشكل واضح من خلال اعتماد الفنانين على الطبيعة والبيئة المحلية، إضافة إلى العادات والتقاليد الاجتماعية اليومية. فنرى الفنان العماني يستدعي الجغرافيا العمانية المتنوعة في أعماله، من جبال الحجر، إلى السواحل، والسهول والواحات، والقرى التراثية التي تحتفظ بالهوية العمرانية الأصيلة. ويستخدم الفنانون هذه البيئات لتشكيل رؤيتهم البصرية، مستفيدين من تضاريسها في نقل روح المكان إلى اللوحات، مع توظيف الرموز التراثية في أعمالهم الفنية. وعندما نتأمل الأعمال الفنية للتشكيليين العمانيين لا بد أن نصادف الأسواق التقليدية، والأزياء الشعبية، أو الحرف اليدوية، والمناسبات الاجتماعية كعناصر متكررة في الرسم أو النحت بما يعكس هوية المجتمع العماني. ناهيك عن توظيف الزخارف المعمارية في المنازل القديمة والأسواق الشعبية حتى في الأعمال الفنية الحديثة.
وحتى البيئة العمانية المعروفة بجبالها الصلداء وطبيعتها الهادئة تتجسد خلال اللوحات بألوانها التي تحاكي ألوان الجبال الرمادية والبنية، وزرقة البحر، والرمال الصفراء، والخضرة الطبيعية. فيجعل المشهد المحاكي للطبيعة ينطبع في ذهن المشاهد ليشعر بالانتماء المكاني والثقافي.
المسرح العماني يعرض اليوميات
شهد المسرح العماني حضورا قويا للهوية الوطنية من خلال عروض تمثل الإنسان العماني في صفاته الأصيلة كالبساطة، والفخر، والشجاعة، والروح النبيلة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مسرحية تغريبة القافر التي قدمتها فرقة مسرح الدن للثقافة والفن عام ٢٠٢٤، التي اعتمدت على الموروث العماني وسرد الرواية الأصلية، متضمنة الحكاية والسياق الدرامي والأزياء واللهجة وروح التعاون بين الشخصيات.
كما ساهم المسرح العماني في تصدير الهوية ثقافيا عبر العروض الدولية، مثل مسرحية بازار التي قدمتها نفس الفرقة في مهرجان فجر الدولي بإيران عام ٢٠١٥. هذه المسرحية استندت إلى قصة عمانية حقيقية من إحدى القرى، وحافظت على روح المكان والإنسان العماني، مؤكدة قدرة المسرح على تقديم صورة صادقة ومتكاملة عن القيم التقليدية، مع القدرة على الابتكار والتجديد في أسلوب العرض والتقنيات المسرحية.
السينما العمانية من
التوثيق إلى السرد الروائي
بدأت السينما العمانية بأفلام وثائقية منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي؛ حيث اعتمد تلفزيون سلطنة عمان على هذه البرامج في بثه لتقديم الحياة الاجتماعية والسياسية والتجارية والصحية والتنموية. وشكلت هذه الأفلام الوثائقية قاعدة لتطوير السينما العمانية لاحقًا؛ إذ أصبحت الهوية المحلية والرموز الثقافية جزءًا لا يتجزأ من السرد السينمائي.
وفي الأعمال الدرامية والسينمائية تحضر الهوية العمانية في عناصر المكان واللغة والسلوك والقيم. والحارات القديمة، والأبواب والنوافذ الخشبية، والأزقة الضيقة، والأسواق الشعبية كلها عناصر بصرية تؤكد خصوصية المجتمع العماني، كما تعزز اللهجات العمانية والموسيقى التقليدية شعور الانتماء. وفي فكرة الأعمال ومضمونها تظهر الشخصيات قيم الاحترام والانضباط والحفاظ على الروابط الأسرية؛ حيث تعكس الدراما العمانية الحكايات في البيوت العمانية والمكان التاريخي من الماضي إلى الحاضر، وتبرز عمق الانتماء الاجتماعي والثقافي.
الأدب العماني مرآة الهوية والتاريخ
تخطى الأدب العماني الحدود الجغرافية لسلطنة عمان، محتفظا بنكهته التي تميزه. ففي النصوص الأدبية تتجلى الهوية العمانية من خلال استحضار الأحياء القديمة والمدن الساحلية والداخلية، والأسماء العمانية القديمة التي توضح الحفاظ على البيئة الاجتماعية. ونلمس في الأدب حضور الملابس التقليدية، والأدوات المنزلية التراثية، والأطعمة المحلية المتوارثة، والحرف التقليدية، جميع هذه الملامح تشكل سردًا متكاملًا يعكس حضور الهوية العمانية في الأدب العماني. فضلًا عن استخدام الكاتب لبعض المفردات العامية والعبارات الشعبية لإيجاد لغة حية تنبض بروح المكان، وقد تستدعى بعض المعتقدات والعادات والطقوس الاجتماعية لتصوير حياة المجتمع في أزمنة مختلفة، ليصبح النص الأدبي مرآة للهوية العمانية، يعكس ملامح المجتمع وقيمه وتاريخه.
أما التجربة الشعرية العمانية فتكشف عن علاقة الإنسان بالتاريخ بحضور الهوية في الشعر، ونجد المكان حاضرا بالجبل والبحر والواحات والسهول لتترك أثرا في بنية القصيدة ومخيلة الشاعر. ونجد القصائد العمانية امتلأت بإيحاءات المكان؛ حيث يمثل البحر محورًا لحكايات التجارة والاغتراب والعودة، ناهيك عن كونه بعدا رمزيا للأمل والخوف. كما أن الموروث الشعبي بأدواته، ورموزه، وعاداته، ومفرداته يتحول في يد الشاعر إلى مادة جمالية تستخدم لإعادة قراءة الحاضر. وفي كثير من النصوص، يصبح التراث وسيلة لفهم التحولات الاجتماعية، والتذكير بالقيم التي صنعت تماسك المجتمع العماني عبر الزمن. وحضور المفردات المحلية يمنح اللغة بعدًا ثقافيًا لوصف البيئة والحياة اليومية.
أما الشعر النبطي فيشكل أحد أكثر الأجناس الشعرية ارتباطًا بالحياة اليومية للناس، أهمها لغة الأجداد ونبرتها ولهجتها. وتظهر فيها القيم العمانية الأصيلة كالكرم، والحلم، والصبر، والشجاعة، واحترام القبيلة والعائلة.
الفنون التقليدية لون الهوية لكل محافظة
رغم اختلاف الفنون التقليدية في سلطنة عمان من محافظة إلى أخرى، إلا أنها تشترك في تعزيز الهوية الوطنية؛ لأنها تحفظ الذاكرة الشفوية، وتعيد تمثيل العلاقات الاجتماعية القديمة، وتؤكد القيم التي تربت عليها الأجيال، وتشترك في الأداء، والإيقاع، والرقص الشعبي، وقرع الطبول. ففي محافظات شمال وجنوب الباطنة، يتجلى حضور الفنون التي تنتمي إلى البيئة الساحلية والبدوية؛ حيث يتربع فن «الوهابية» بوصفه فن المبارزة بالسيف، وهو فن يعكس قيمة الفروسية ومهارة الحركة واعتزاز العمانيين بتاريخهم العسكري. ويظهر فن «العازي» وفن «التغرود» المرتبطان بالبيئة البدوية، إضافة إلى فنون «الرزفة»، و«الونة»، التي تجمع بين الغناء الجماعي والحركة الإيقاعية التي تتناغم مع طقوس المناسبات، خاصة الأعراس والأعياد.
أما محافظة ظفار، فتتميز بفنون تحمل هوية جنوبية كفن «الهبوت» الذي يُؤدى جماعيًا بلا آلات موسيقية، بينما يمسك المشاركون بالخناجر والبنادق ويرتفعون بالقفز الحماسي، في تعبير عن القوة والتماسك والفرح. وتبرز في ظفار كذلك فنون، «الشرح»، و«الدان»، و«النانا» التي تعكس تأثيرات من البيئة البحرية والروابط التاريخية مع شرق إفريقيا.
بينما تتميز محافظتا الشرقية بفنون ترتبط بتاريخ القبائل والعلاقات الاجتماعية، وعلى رأسها فن «الرزحة» بأشكالها المتعددة، وهو من أهم الفنون التي تعبر عن القوة والرجولة وروح الجماعة. إلى جانب ذلك، نجد فنون «العازي»، و«التغرود»، و«المديمة»، وكلها فنون تشكل وجها من وجوه الهوية الشرقية القائمة على الانسجام بين الصوت والحركة والجماعة.
أما محافظة مسندم فتعكس تمازج البحر والجبل في فن «السحبة» التي تشبه في إيقاعها حركة البحر، وفن «النهمة» المرتبط بتراث البحر والغوص، إلى جانب الفنون الأخرى التي تتكرر في المحافظات الأخرى. وفي محافظة الظاهرة، التي تشترك مع الباطنة في العديد من الفنون مثل: «التغرود» و«الوهابية»، و«الحربيات» وهي فنون ترتبط بالقبيلة والفروسية وحياة الصحراء والبادية، وتُعد رمزًا لروح الشجاعة والاعتزاز بالنسب والتاريخ. وفي محافظتي الداخلية والوسطى، تتنوع الفنون فتظهر فنون «الرزحة» و«التغرود» و«الدان دان»، و«الونة»، و«التهلولة»، وتتقاطع فيها البيئة الجبلية مع الريف القديم وممارسات الأهالي في المناسبات، مما يجعلها من أهم الفنون التي ما تزال تُمارس بكثرة حتى اليوم.
المتاحف العمانية ذاكرة المكان
تحتفظ المتاحف في سلطنة عمان بالهوية الوطنية وترسخ حضورها، بفضاءات معرفية تروي قصة التاريخ العماني، وتعيد تشكيل علاقة المواطن بالماضي والحاضر والمستقبل، بتقديمها ملامح الحياة من الأدوات المنزلية القديمة إلى الحرف التقليدية، ومن الأزياء الشعبية إلى الأسلحة، ومن السفن الخشبية إلى أنماط العمارة المحلية. لتجسد منظومة من القيم عاش عليها العمانيون وأهمها الانتماء إلى الأرض.
وفي متاحف سلطنة عمان نجد قطعا نادرة تمثل مختلف الحقب التاريخية، وعروض تفاعلية تجعل الطفل والشاب قادرين على فهم التاريخ بصورة قصصية، كما يقوم القائمون بهذه المتاحف بربط الماضي بالحاضر من خلال معارض تبرز تطور المجتمع العماني، واستخدام تقنيات الصوت والصورة والتجربة التفاعلية، مما يسمح للجيل الجديد بفهم التراث ضمن لغة بصرية معاصرة.
الحرف التقليدية روح الأجداد
أما الحرف التقليدية فهي أهم الأعمدة التي تقوم عليها الهوية الثقافية العمانية، كونها منظومة متكاملة من القيم والمعرفة والخبرات التي تشكلت عبر قرون طويلة. فالحرفيون يحملون مهارات الأجداد، وحافظوا على تفاصيل تاريخ المجتمع، وجسدوا عبر أعمالهم روح المكان وتقاليد الإنسان العماني، ليبرزوا الشخصية العمانية بهدوئها وصبرها وإتقانها، وارتباطها بالأرض والبحر والبيئة، وتعكس الحرف علاقة الإنسان بالطبيعة، وتنوع البيئات العمانية، وتكامل الأدوار بين أفراد المجتمع، وتحويل المواد الخام إلى منتجات ذات قيمة.
كما أن كل قطعة وثيقة ثقافية تحمل قصة صانعها، وذاكرة بيئته، وملامح مجتمعه، ويتشارك الرجل والمرأة هذه الحرف، فالمرأة العمانية كانت تمارس بعض الحرف المنزلية التي تعزز دورها الإنتاجي، بينما كان الرجال يعملون في حرف الحجامة، ونسج الشباك البحرية، والحدادة، وصناعة السفن، وصناعة الفخار، والسعفيات لينتج عنها السلال، والمراوح، والحصير، والعلب المزخرفة، والأطباق. والخناجر العمانية وصناعة الفضة والمجوهرات، والنسيج والغزل.
جهود المؤسسات الحكومية
تولي المؤسسات الحكومية والثقافية اهتماما بإحياء المفردات التراثية لدورها المحوري في تعزيز الهوية العمانية، من خلال تنظيم المهرجانات والمعارض. وتمت إقامة العديد من الفعاليات مثل: ملتقى الفيلم العماني، ومهرجان الأغنية العمانية، وتخصيص مركز للموسيقى التقليدية، إضافة إلى جهود حفظ التراث غير المادي، بما يشمل الفنون الشعبية والحرف اليدوية والعادات الاجتماعية، كما تهدف هذه الجهود إلى إعداد جيل جديد قادر على تقديم أعمال تحيي أصالة التراث في الحياة المعاصرة. كما تولي الحكومة العمانية اهتماما خاصا بالأطفال، وتسعى منذ الصغر لتعريفهم بهويتهم الوطنية وترسيخ الانتماء الثقافي في نفوسهم. ومن أبرز هذه المبادرات إدخال منصة «عين» التعليمية، التي تم تصميمها لتكون وسيلة تعليمية تفاعلية تساعد الأطفال على استكشاف التراث العماني، والتعرف على الجغرافيا المحلية، والعادات والتقاليد، والموروث الشعبي. وتعمل المنصة على تقديم المعلومات بأسلوب ممتع وجاذب، يجمع بين التعلم والمعرفة التفاعلية، مما يعزز وعي الأطفال بالهوية الوطنية ويهيئهم ليكونوا جيلا يقدر التراث ويواصل الحفاظ عليه في المستقبل.
