النازحون في فوهة القصف بانتظار الحل السياسي
غزة- «عُمان»- بهاء طباسي:
في خرقٍ متواصلٍ وسافرٍ لوقف إطلاق النار، استيقظ قطاع غزة، اليوم، على مشهدٍ ميداني متفجّر، تتداخل فيه أصوات المدفعية مع أزيز الرصاص، وتتشابك فيه الغارات الجوية مع صرخات النازحين، بينما تواصل آليات الاحتلال ورافعاته العسكرية دفع المشهد نحو حافةٍ أكثر دموية، غير عابئةٍ بأي ادعاءات عن تهدئة أو التزام باتفاقات معلنة.
من شمال القطاع إلى جنوبه، بدا المشهد أشبه بلوحة نارٍ مفتوحة؛ قصف مدفعي متواصل، إطلاق نار كثيف، غارات جوية متتابعة، وتهديد مباشر لحياة عشرات آلاف النازحين الذين احتموا بخيام مهترئة أو مدارس تحوّلت قسرًا إلى ملاجئ. في غزة ، لا تبدو الهدنة سوى كلمةٍ عالقة في الهواء، تتآكلها فوهات البنادق.
وسط هذا التصعيد، لم تقتصر الانتهاكات على الجبهات المفتوحة، بل امتدت إلى محيط المستشفيات ومراكز الإيواء، حيث تحولت الرافعات العسكرية الإسرائيلية إلى مصدر رعبٍ يومي، تُطلق رصاصها باتجاه خيام النازحين، في مشهد يعكس طبيعة المرحلة: حرب قائمة، بلا خطوط أمان، ولا مناطق محايدة.
بيت لاهيا وجباليا تحت القصف
في شمالي قطاع غزة، سجّلت بلدة بيت لاهيا واحدة من أعنف ساعاتها، عقب قصفٍ مدفعي إسرائيلي استهدف أحياءً سكنية، ما أسفر عن إصابة أربعة أفراد من عائلة معروف بجراحٍ وُصفت بالخطيرة. القذائف لم تفرّق بين جدارٍ وسرير، ولا بين منزلٍ مأهول وركامٍ سابق، لتضيف فصلًا جديدًا إلى سجل النزيف المفتوح.
وفي السياق ذاته، استُشهدت الطفلة فاطمة نمر معروف (11 عامًا) برصاص قوات الاحتلال في بيت لاهيا شمال غربي القطاع، لتتحول ضفائرها الصغيرة إلى شاهدٍ صامت على استهداف الطفولة. كما استُشهدت المواطنة سنيورة الشيش (45 عامًا) برصاص جيش الاحتلال في البلدة ذاتها، في تأكيدٍ جديد على أن الرصاص لا يفرّق بين عمرٍ وآخر.
القصف المدفعي طال كذلك المناطق الشمالية لمدينة بيت لاهيا، وسط تقارير عن إصابات إضافية، فيما واصلت آليات الاحتلال إطلاق النار بشكل مكثف ومتواصل في المناطق الشرقية لمخيم جباليا، بالتزامن مع إلقاء قنابل دخانية شرقي المخيم، ما ضاعف من حالة الاختناق والهلع في صفوف السكان.
شرق غزة... رصاص الشجاعية
في شرقي مدينة غزة، أعلنت مصادر طبية استشهاد الشاب هارون نمر بهار (27 عامًا) بعيارٍ ناري قرب موقف حي الشجاعية، في منطقة تشهد منذ أيام تصعيدًا متدرجًا في إطلاق النار. الرصاصة التي أنهت حياته جاءت في سياق نمطٍ متكرر من الاستهداف المباشر للأفراد في المناطق الشرقية.
بالتوازي، شنّ طيران الاحتلال غارات جوية استهدفت المناطق الشرقية لمدينة غزة، محدثًا انفجارات عنيفة سُمعت في أحياء متفرقة، وأعادت إلى الأذهان مشاهد القصف الجوي المكثف التي طبعت مراحل سابقة من العدوان، رغم الحديث عن وقف لإطلاق النار.
دير البلح تحت مرمى النيران
وسط قطاع غزة لم يكن بمنأى عن التصعيد. فقد شنّ طيران الاحتلال غارات جوية شرق مدينة دير البلح، فيما أطلقت الطائرات المروحية النار باتجاه المناطق الشرقية للمدينة، في مشهدٍ أعاد حالة التوتر إلى منطقة تعجّ بالنازحين الذين فرّوا إليها بحثًا عن أمانٍ نسبي.
هذه التطورات الميدانية المتلاحقة عكست اتساع رقعة الخطر، وتحوّل معظم جغرافيا القطاع إلى مسرح مفتوح للنيران، دون تمييزٍ واضح بين مناطق قتال ومناطق مدنية.
خان يونس... رصاص الآليات وتهديد البحر
في جنوب القطاع، وتحديدًا في مدينة خان يونس، كثّفت آليات الاحتلال إطلاق النار بشكلٍ متواصل جنوبي المدينة، فيما أطلقت الزوارق الحربية نيرانها بكثافة في عرض البحر بمحاذاة مواصي خان يونس والسطر والقرارة، ما زاد من حالة الرعب بين الصيادين والنازحين القاطنين قرب الساحل.
كما أُصيب مواطنان برصاص الاحتلال في الساحة الخلفية لمجمع ناصر الطبي بخان يونس، في حادثة خطيرة تعكس تمدد الاستهداف ليشمل محيط المنشآت الطبية، التي يفترض أن تكون مناطق محمية وفق القانون الدولي الإنساني.
رفح... خيام تحت الرصاص
في مشهدٍ وُصف بالأخطر منذ أيام، أطلقت الآليات الإسرائيلية نارًا كثيفًا باتجاه خيام النازحين في مواصي مدينة رفح، جنوب القطاع. ووفقًا لشهود عيان لـ«عُمان»، وصلت الطلقات النارية إلى محيط مفترق فش فرش جنوب غرب مدينة خان يونس، متسببةً بحالةٍ من الخوف والهلع في صفوف المواطنين.
شهود العيان أكدوا أن الوضع في محيط دوار العالم ومنطقة الشاكوش شمال غرب رفح «خطير للغاية»، مع ترجيحات بوجود اشتباكات، ودعوات متكررة للمواطنين بعدم التحرك. في الأثناء، تقدّم جيب عسكري من نوع «هامر» قرب مكعبات الباطون في منطقة الشاكوش، ترافقه طائرة «كواد كابتر»، في استعراضٍ عسكري مباشر فوق رؤوس النازحين.
نتيجة هذا التصعيد، نقلت سيارات الإسعاف 17 جريحًا من منطقة مواصي رفح، حيث وصلت الإصابات إلى مستشفى الصليب الأحمر، جراء إطلاق النار المباشر على خيام النازحين، في واحدة من أكثر الحوادث دلالة على هشاشة أي حديث عن مناطق آمنة.
السطر الشرقي... نسفٌ ونار بلا توقف
مصادر محلية أفادت لـ«عُمان» بوجود عمليات نسف واسعة شمال مستشفى دار السلام في منطقة السطر الشرقي شمال شرق خان يونس، وهي منطقة تقع ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر». وذكرت المصادر أن إطلاق نار كثيفًا من آليات الاحتلال يرافق عمليات النسف، ما يشكل خطرًا بالغًا على المدنيين.
القصف المدفعي المتواصل تسبب في اندلاع حريقٍ كبير في المنطقة، وأدى إلى احتراق منازل مواطنين شرق خان يونس، حيث لا تزال عائلات تقيم داخل بيوتٍ مهدمة، في ظل غياب أي بدائل آمنة أو مراكز إيواء كافية.
رصاص الرافعات..
في محيط مجمع ناصر الطبي، حيث تتكدس خيام النازحين، يروي الشاب الفلسطيني أبو إبراهيم فصولًا مرعبة من الاستهداف. يقف وسط «غابة من القماش»، وخلفه مدرسة تحولت من منبر للعلم إلى مأوى للمكلومين، وهو يحمل بين أصابعه رصاصة صغيرة الحجم، لكنها «تحمل ثقل الموت».
بصوتٍ مبحوح، يقول أبو إبراهيم لـ«عُمان»: «هذه الرصاصة التي أحملها بين أصابعي، كانت كفيلة بأن تزهق روح ابني وتنتزعه من بيننا. إلى كل من يتحدث عن هدنة أو تهدئة، أقول لكم بصوت القهر: لا وجود لأي هدنة على هذه الأرض». يضيف أن الرصاصة اخترقت سكون الإفطار، واستقرت في منتصف «صينية الطعام»، في لحظةٍ أعادت تعريف معنى الخطر اليومي.
أبو إبراهيم يؤكد أن رصاص الرافعات الإسرائيلية لا يزال يهدد أرواح النازحين في محيط مجمع ناصر ومراكز الإيواء المجاورة، عقب توسيع الاحتلال للمنطقة الصفراء في خان يونس، في انتهاكٍ واضح لكل الأعراف.
أمجد الشوا.. العمل الإنساني تحت النار
مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، أمجد الشوا، أفاد بإصابة أحد العاملين في جمعية مداد فلسطين الخيرية برصاصة في الرقبة، أثناء تنفيذ مبادرة داخل حرم مجمع ناصر الطبي. وأوضح أن هذه الحادثة تعيد إلى الواجهة حوادث مماثلة وقعت خلال الأيام الماضية في المكان ذاته.
الشوا أشار خلال حديثه لـ«عُمان» إلى أن الرصاص أُطلق من مواقع تمركز الجيش الإسرائيلي شرقي وجنوبي خان يونس، ما أسفر سابقًا عن استشهاد شاب وإصابة تسعة آخرين، مؤكدًا أن استهداف العاملين في المجال الإنساني يُنذر بكارثة أوسع تهدد استمرارية الخدمات الإغاثية.
وزارة الصحة... أرقام تثقل المشهد
وزارة الصحة في غزة أعلنت وصول ثلاثة شهداء إلى مستشفيات القطاع خلال الـ48 ساعة الماضية، بينهم شهيدان جديدان وشهيد جرى انتشاله، إضافة إلى 18 إصابة. وذكرت أن إجمالي الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر بلغ 418 شهيدًا، فيما وصل عدد الإصابات إلى 1,171، وعدد المنتشلين إلى 684.
أما الإحصائية التراكمية منذ بداية العدوان في 7 أكتوبر 2023، فقد ارتفعت إلى 71,384 شهيدًا و171,251 إصابة. وأوضحت الوزارة أنه جرى إضافة 110 شهداء إلى الإحصائية التراكمية بعد استكمال بياناتهم واعتمادهم رسميًا خلال الفترة من 26 ديسمبر 2025 حتى 2 يناير 2026.
وأكدت الوزارة أن عددًا من الضحايا لا يزالون تحت الركام وفي الطرقات، في ظل عجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم حتى اللحظة.
مساعدات عالقة... عودة الشاحنات
وفي تطورٍ يعكس استمرار القيود، عادت جميع شاحنات المساعدات التي توجهت، فجر اليوم، إلى معبر كرم أبو سالم، بعد إلغاء التنسيق من قبل جيش الاحتلال. وأُرجع الإعلام العبري السبب إلى انهيار في خط فيلادلفيا وانشغال جيش الاحتلال هناك بالمعارك، ما حرم القطاع مجددًا من شريان إغاثي حيوي.
ويعد معبر كرم أبو سالم المنفذ الرئيسي والحيوي لدخول شاحنات المساعدات والبضائع التجارية إلى قطاع غزة، حيث تمر عبره القوافل القادمة من مصر «بعد تفتيشها في معبر العوجة/ نيتسانا» أو القادمة من الجانب الإسرائيلي. وعن تعطيل العمل فيه، قال إسماعيل الثوابتة، مدير مكتب الإعلام الحكومي في غزة، إن هذا الإجراء «المتعسف» يحرم أكثر من مليوني إنسان من شريان إغاثي حيوي. مشيرًا إلى أن المساعدات الواردة إلى غزة منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر لا تلبي سوى 40% من احتياجات السكان.
هكذا، ينتهي يومٌ آخر في غزة على وقع الرصاص وانتظار الحل السياسي، حيث تتقاطع المأساة الإنسانية مع الخروقات الميدانية، وتبقى الهدنة، مرةً أخرى، مجرد عنوانٍ بلا مضمون.
