حديث اليابان عن الخيار النووي يفتح أبواب التصعيد مع بكين وبيونج يانج
واشنطن "د.ب.أ": أثار الحديث المتصاعد داخل اليابان عن الخيار النووي موجة قلق إقليمي، بعدما كسر أحد أبرز المحظورات في سياسة طوكيو الدفاعية منذ الحرب العالمية الثانية. هذا التحول الخطابي لم يمر مرور الكرام، إذ أيقظ حساسيات عميقة لدى الصين، ودفع كوريا الشمالية إلى ردود غاضبة، في وقت يتغير فيه ميزان القوى في شرق آسيا وتتراجع فيه الضمانات الأمريكية التقليدية.
هذا ما أكده في تقرير نشرته مجلة ناشونال انتريست الامريكية المحلل العسكري الأمريكي براندون وايكيرت، الذي يقدم استشارات دورية لمؤسسات حكومية ومنظمات خاصة في قضايا الجغرافيا السياسية. ويقول وايكيرت إنه إذا كان هناك شيء واحد يوحد منافسي الولايات المتحدة في آسيا، مثل الصين وكوريا الشمالية، فهو العداء التاريخي المشترك تجاه اليابان. ففي الأسابيع الأخيرة، أثارت حكومة رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة ساناي تاكايتشي حربا كلامية مع الصين بشأن مسألة سيادة تايوان. فقد أعلنت أن القوات اليابانية ستدافع عن تايوان إذا هاجمتها الصين.
وقد ألمحت طوكيو كذلك إلى أنها، إذا لزم الأمر، قد تبدأ في بناء ترسانتها النووية الخاصة.
هذا، بدوره، أثار موجة من الاستياء التاريخي والاتهامات، ليس فقط من الصين، بل من كوريا الشمالية أيضا. وبالطبع، لا تواجه اليابان تهديدا من جمهورية الصين الشعبية وحدها وصعودها شبه المستمر نحو الهيمنة الإقليمية، بل تواجه أيضا تهديدا من السباق المحموم لكوريا الشمالية نحو التفوق النووي، وحقيقة أن بيونج يانج، على ما يبدو، غير مقيدة بالمعايير الدولية في تطوير هذه الأسلحة.
وعلى الفور، أعلنت حكومة كوريا الشمالية أن طموحات اليابان النووية "يجب منعها بأي ثمن".
ويرى وايكيرت أنه ربما كان هذا مجرد نوع من المناورات على حافة الهاوية من جانب الكوريين الشماليين، الذين طالما كانوا موضوع غضب اليابان وأمريكا بسبب سعيهم المستمر نحو امتلاك أسلحة نووية. وربما ترى بيونج يانج أن الموقف قد انعكس عليها.
ومع ذلك، لا يمكن التقليل من الأهمية التاريخية للسماح لليابان بإعادة التسليح الكامل. فقد وثقت تاريخيا وحشية القوات اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية، وخاصة تجاه الكوريين والصينيين. ولهذا السبب قضت الصين وكوريا الشمالية سنوات في حالة توتر خشية أن يكون نفوذ اليابان العسكري يستعاد تدريجيا تحت إشراف حلفائها الأمريكيين، بحسب وايكيرت. ويقول وايكيرت إنه بالطبع، تمتلك الصين وكوريا الشمالية أيضا تاريخا مليئا بالوحشية. لكن لا ينبغي للأطراف الخارجية تجاهل الألم الحقيقي الذي تشعر به هاتان الدولتان عند رؤية سماح إعادة تسليح اليابان وسماع أخبارها. بل إن ذلك قد يستخدم من قبل هذه الدول لتبرير تسليحها العسكري وبسط عدوانها تجاه جيرانها.
كانت تصريحات طوكيو بشأن إعادة التسليح موجهة تحديدا نحو الصين. ومع ذلك، يجب على طوكيو الآن أن تأخذ في الحسبان التهديد الذي يبدو أن بيونج يانج توجهه إليها بوضوح.
ورغم أن الدفاع عن النفس يعد تقليدا متعارفا عليه في القانون الدولي، فإن الحقيقة تبقى أن الحكومة اليابانية الجديدة ربما أوقعت نفسها في صداع كبير بلا داع. فلم تكن الصين بالضرورة تهدد اليابان.
وبينما كان على اليابان دائما أن تقلق بشأن تراكم الأسلحة النووية في كوريا الشمالية، لم تكن بيونج يانج تهدد اليابان فعليا، إلى أن صدرت التصريحات الأخيرة من طوكيو بشأن إعادة التسليح.
ورغم كل الحديث عن تفوق اليابان العسكري- ولا شك أن القوة العسكرية اليابانية أقوى مما يعطى لها من تقدير- فمن المهم لصناع السياسة في طوكيو أن يدركوا أن ترسانة كوريا الشمالية النووية، إلى جانب مخزونها من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وصواريخها الباليستية المتقدمة بشكل متزايد، تجعلها خصما خطيرا.
ويقول وايكيرت إن التحشيد العسكري لليابان سيستغرق وقتا، وكلما شعرت كوريا الشمالية بالتهديد من هذا التراكم، زاد احتمال أن يرد قادتها على اليابان قبل أن تكون طوكيو مستعدة للرد.
ويقدر أن ترسانة كوريا الشمالية النووية تتألف من حوالي 50 رأسا نوويا، مع أن ذلك غير معروف على وجه اليقين نظرا لطبيعة نظام كوريا الشمالية الغامضة. وتشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن هناك مواد أكثر من كافية لإنتاج مزيد من الأسلحة النووية بسرعة. علاوة على ذلك، فقد أتقنت بيونج يانج تقنيات الصواريخ الباليستية بشكل كبير، وتمتلك اليوم مجموعة قوية من الصواريخ، بدءا من الصواريخ قصيرة ومتوسطة ومتوسطة المدى، وصولا إلى الصواريخ الباليستية العابرة للقارات. ولا يزال هناك بعض الجدل بين الخبراء، لكن وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية، قدرت منذ عقد أن الكوريين الشماليين قد أتقنوا بالفعل تصغير الرؤوس النووية. والآن، تقوم كوريا الشمالية ببناء صواريخ باليستية تطلق من الغواصات. بالإضافة إلى ذلك، تمنحها تحالفاتها مع روسيا وصولا إلى تقنيات عسكرية جديدة غير مسبوقة، بما في ذلك تقنيات الغواصات المتقدمة، مما يجعل كوريا الشمالية قوة إقليمية حقيقية على الصعيد العسكري. وتشعر اليابان، وبشكل مفهوم، بالقلق إزاء موقعها في منطقة تتعرض لاضطرابات متسارعة بفعل ثلاثة اتجاهات رئيسية: صعود الصين وتقدم القدرات العسكرية لكوريا الشمالية (بفضل روسيا إلى حد كبير) وتراجع مستوى الالتزام الأمريكي بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. وهذه الاتجاهات الثلاثة تشكل مصدر قلق واضح للحكومة اليابانية.
وهذا هو السبب الحقيقي وراء وصول الحكومة الجديدة برئاسة تاكايشي إلى السلطة وهي تطلق تصريحات تصعيدية على نحو غير معتاد. فقد أرادت طوكيو في الواقع اختبار رد فعل واشنطن على أي تحرك من جانب الصين أو كوريا الشمالية. وحتى الآن، بات واضحا لها أنها تجد نفسها على نحو متزايد وحيدة. ويختم وايكيرت بأنه من غير المرجح إلى حد كبير أن تكون طوكيو قد توقعت أن تؤدي تصريحاتها بشأن سيادة تايوان والصين إلى رد عدائي بهذا القدر من بيونج يانج. والآن، في ظل المظالم التاريخية وحقيقة أن النظام القائم في منطقة المحيطين الهندي والهادئ يشهد تغيرا جذريا، سيكون على طوكيو إعادة تقييم نهجها في المرحلة المقبلة. وإلا، فقد يصبح صعود الصين أقل ما يقلقها.
