وأعدوا ما استطعتم من قوة
03 يناير 2026
03 يناير 2026
في آخر يوم من العام المنصرم، وتحديدًا في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2025، تداولت الصحافة ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي صورًا وأخبارًا عن زيارة قام بها جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى مركز الدفاع الإلكتروني، وجاءت هذه الزيارة محمّلة برسائل عديدة؛ ولعلّ أولاها وأهمها تعريف من لا يعرف بهذا المركز، وتسليط الضوء على أهميته ودوره الوطني الدفاعي الذي لا يقل شأنًا عن بقية المنظومات الدفاعية الوطنية.
كثير من الناس بمن فيهم داخل سلطنة عُمان، لا يدركون وجود مركز للدفاع الإلكتروني، وبالتالي فإن هذه الزيارة فتحت أبواب الوعي والإدراك العام بوجود هذا المركز، وبما يمثّله من ركيزة أساسية في منظومة الأمن الوطني خصوصا السيبرانية، وسبق لنا الحديث في مقالات سابقة عن القدرات السيبرانية العُمانية، وأنها تُعد من بين الأكثر تقدّمًا عربيًا، وتتصدر المشهد في مؤشراته العالمية، وأفردنا لذلك تحليلات ومقالات متعددة.
كذلك تتميّز سلطنة عُمان بقدرات متقدمة في الأنظمة الرقمية والإلكترونية، وتسجّل تقدما متسارعا في مؤشرات الذكاء الاصطناعي والحكومة الإلكترونية.
من هنا، فإن وجود مركز الدفاع الإلكتروني يبعث برسالة واضحة مفادها أن عُمان تولي اهتماما بالغا بالأمن السيبراني وبالأنظمة الرقمية والتقنية المتقدّمة؛ حيث أُسس مركز الدفاع الإلكتروني بموجب مرسوم سلطاني في العاشر من يونيو عام 2020 بالتوازي مع انطلاق النهضة العُمانية المتجددة التي تعكس رؤية جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- العميقة المدركة بمتطلبات العصر الرقمي التي أضحت كل أبجديات الحياة ومفاصلها تستند إليه وإلى أنظمته المتقدمة، بدءا من أبسط مهام الحياة والأعمال اليومية ووصولا إلى الاقتصاد والمنظومات العسكرية والدفاعية؛ ليكون هذا المركز إحدى الركائز الوطنية الأساسية في منظومة الأمن السيبراني في سلطنة عُمان.
كذلك نشير إلى أن مركز الدفاع الإلكتروني يمتلك موقعا إلكترونيًا رسميًا يوضح بشكل تفصيلي طبيعة المهام التي يعمل عليها، إلى جانب هويته البصرية، وأهدافه الإستراتيجية الوطنية للدفاع الإلكتروني، وكل ما يتصل بالإطار التنظيمي والاختصاصات المنوطة به.
كذلك يتيح الموقع إمكانية التواصل المباشر مع المركز، والإبلاغ عن أي حوادث أو تهديدات إلكترونية؛ ليعزز من سرعة الاستجابة وفعالية المعالجة؛ وبالتالي، فإن مركز الدفاع الإلكتروني يُعنى بجميع القضايا المرتبطة بالأمن السيبراني والهجمات الإلكترونية في سلطنة عُمان، ويضطلع بدور رئيس في حماية الفضاء الرقمي الوطني، وتأمين البنية التحتية الرقمية، والتصدي لمختلف أشكال التهديدات السيبرانية.
تؤكد لنا المشاهدُ أن الحروب في عصرنا الراهن -في غالبيتها- تُسبق بحروب إلكترونية وسيبرانية، بل وتحسم أيضا، ولهذا لا يمكن التعويل على الأدوات العسكرية التقليدية وأسلحتها العوامل الحاسمة دون تحقق التفوق الرقمي والتقني، وغالبا ما تكون الاختراقات الرقمية المقدمة الفعلية للصراعات العسكرية، سواء لأغراض التجسس، أو التخريب، أو سرقة المعلومات والبيانات الحساسة للدول المستهدفة، أو لإرباك أنظمتها، أو زعزعة الثقة في مؤسساتها.
يضاف إلى ذلك ما نشهده اليوم من حملات تضليل إعلامي، وبث معلومات مغلوطة، وتشتيت للرأي العام عبر أساليب متعددة أشهرها ما يُعرف بـ«الذباب الإلكتروني» أو الحسابات الوهمية التي يمكن أن نعدّها أدوات عسكرية ناعمة تهدد استقرار الدول والمجتمعات؛ ولهذا سبق أن نبهنا أن الحروب الإلكترونية والرقمية لا يمكن أن نحصرها في الهجمات السيبرانية المتعارف عليها رغم خطورتها على الأمن الوطني بشقيه السياسي والاقتصادي، ولكن ما يثير القلق يكمن في الزعزعات الفكرية التي يمكن أن تصيب العقل الجمعي؛ فتقوده إلى مسارات مضللة هدّامة.
لهذا لا أرى أن دور مثل هذه المراكز الإلكترونية الدفاعية وما تحمله من أهداف وطنية يمكن أن تُحصر في دور الدفاع السيبراني وحسب؛ فيتسع الأمر إلى مواجهة كل أنواع الحروب الرقمية بما فيها التي تستهدف العقل الجمعي للمجتمعات.
يمكن أن نعود إلى الوراء للمقارنة بما في العصر الصناعي؛ إذ كان ميزان القوة يُقاس بقدرات السلاح التقليدي، سواء الجوي أو البري أو البحري، ولكن اليوم، أصبح الاعتماد الأول والأكثر حسمًا على القوة الإلكترونية والسيبرانية، لما لها من تأثير مباشر وعميق في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدول.
من هنا، فوجود مركز دفاع إلكتروني بهذه القوة ـ وما يدعو للفخر والاعتزاز أن طاقمه ومنتسبيه جميعهم من الكوادر الوطنية العُمانية ـ يبعث برسالة أخرى بالغة الأهمية مفادها: أن سلطنة عُمان جاهزة، وتمتلك المقدرات البشرية والتقنية القادرة على مواجهة التهديدات في العصر الرقمي بكفاءة واقتدار، وأنها منيعة أمام كل المخططات التي تستهدف المنطقة. وكما كانت عُمان منذ عصورها الغابرة في التاريخ قاهرة للمعتدين فستظل كما كانت أبية قوية بمنطلقاتها الوطنية، ووحدة مجتمعها الذي أكدت كل صروف العبث الرقمي وأسلحته أنه ذو وعي يفوق كل التوقعات.
لهذا تبعث هذه الرسالة -عبر الزيارة السامية لجلالة السلطان للمركز- على الطمأنينة، خصوصًا في ظل ما تشهده المنطقة من توترات وصراعات متصاعدة، والتي تنتقل عدواها من دولة إلى أخرى، في سياق إقليمي ملتهب. ولا يخفى على أحد وجود مشروعات تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة وتقسيمها، ورأينا شواهد متعددة على ذلك في أكثر من ساحة؛ وفي هذا الشأن، أستحضر حديثا دار بيني وبين أحد الأصدقاء تزامن مع الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة، وكان النقاش يتعلّق بالمخاطر والتهديدات المحتملة التي يمكن أن نكون عرضة لها بحكم ما تحمله هذه المنطقة من صراعات ومخططات يعود كثير منها ـ في صميمه ـ إلى مخططات صهيونية رأت في المنطقة غنيمة سهلة، فتسعى إلى تقسيمها وإضعافها إلى أقصى حد للاستفراد بالهيمنة المطلقة في الشرق الأوسط؛ ووجدت نفسي وبكل وضوح وثقة أقول إننا ـ بإذن الله ـ أبعد ما نكون عن هذه التهديدات، وذلك لأسباب عديدة في مقدمتها الحكمة العُمانية ودبلوماسيتها المتزنة والعميقة، ومن البلاغة أن أشبّه عُمان بالنهر العميق الذي يمر بهدوء فلا يُحدث ضجيجًا، ولا يشعر به الكثيرون، ولكنه في داخله يحمل قوة جارفة وقدرة هائلة على الاستمرار والتأثير.
وكذلك أعوّل كثيرًا على ما نملكه من مقدرات وطنية راسخة تتمثل في المنظومة العسكرية وعقيدتها الدفاعية، والأنظمة الأمنية ومؤسساتها الفاعلة، وما نشهده اليوم ـ كما أشرنا في هذا المقال ـ من تطور متقدّم في المنظومات الإلكترونية والدفاعات السيبرانية والرقمية.
غير أن الركيزة الأهم ـ في تقديري ـ تبقى في الوعي المجتمعي العُماني الذي أراه متماسكًا، لم تزعزعه العواصف الإقليمية، ولم تُضعف تماسكه المتغيرات المتسارعة؛ فأراه مجتمعًا متحدًا، وواعيًا بما يحاك ويخطط له، واثقًا بحكومته وبقدرتها على إدارة التحديات ومواجهة المصاعب بالحكمة المعهودة، وأننا في موضع الجاهزية بما استطعنا من قوة.
د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني
