هل انتهت العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل؟
29 يونيو 2026
29 يونيو 2026
ترجمة: أحمد شافعي
حتى وقت قريب، كان اليمين الإسرائيلي يعِد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حليفه الأعظم؛ فكثيرا ما كانت تخلع عليه أوصاف شبه دينية من قبيل المخلّص بل المسيح المبعوث لإنقاذ دولة إسرائيل من الضغط الدولي والقيود المفروضة من إدارات أمريكية سابقة.
نشأ هذا الإعجاب من رحم الدعم الثابت الذي قدّمه ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى؛ إذ نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، واعترف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان، وتبنى موقف نتنياهو بوجوب انسحاب واشنطن من الاتفاقية النووية مع إيران التي تم التفاوض عليها سنة 2015 في ظل رئاسة باراك أوباما.
ومن المفارقات أنه إذا ما نجحت المفاوضات الراهنة مع طهران فمن المتوقع أن تكون الاتفاقية الناجمة عنها شبيهة في كثير من عناصرها الجوهرية بالاتفاقية نفسها التي نبذها ترامب.
بعد الرجوع إلى البيت الأبيض في يناير من عام 2025، واصل ترامب في أول الأمر دعمه القوي لإسرائيل؛ إذ التقى بنتنياهو سبع مرات، ففاق بذلك أي زعيم أجنبي آخر، وساند إسرائيل في مواجهتها مع إيران. وخاضا معا حملة عسكرية يبدو بأثر رجعي أنها كانت تفتقر إلى هدف دبلوماسي واستراتيجية خروج ذات مصداقية.
ثم إن ترامب كان أول من أدرك الفخ الاستراتيجي، فما كاد يظهر خطر تحول الصراع إلى عبء اقتصادي باهظ ومواجهة مفتوحة، حتى بدأ البحث عن مهرب.
وبات الحد من الخسائر الأمريكية في الأرواح والتوصل إلى تسوية دبلوماسية أولويته وإن خاطر بما يمثل في ظاهر الأمر تقديم تنازلات للنظام الحاكم في إيران.
وفي ضوء هذا السياق، بات ترامب يرى نتنياهو ـ وعناصر أخرى من مؤسسة الأمن في إسرائيل ـ بوصفهم من أبرز أنصار الحرب وبأنهم روّجوا احتمالات تحقيق نصر عسكري سريع بل انهيار محتمل للنظام الإيراني الحاكم. فما بدأ بوصفه شراكة وثيقة تحول بازدياد إلى علاقة يسمها الارتياب والإحباط المتبادل.
فقد يمثل التفاهم الأمريكي الإيراني الناشئ أكثر من خلاف مؤقت بين الحليفين؛ إذ يمكن أن يكون بادرة لبداية تحول عميق في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وتآكل تدريجي لما ظل لأمد طويل يعرف بـ«العلاقة الخاصة».
ولم يبدأ التدهور بترامب؛ فقد ظل موقف إسرائيل في الحزبين الأمريكيين يضعف منذ سنين، وتسارع ذلك بحرب غزة.
ففي الحزب الديمقراطي لم يختف دعم إسرائيل لكن التعاطف مع السياسات الحكومية الإسرائيلية انخفض انخفاضا كبيرا. وبين الجمهوريين، وبخاصة في الجناح متزايد الانعزال المرتبط بنائب الرئيس جيه دي فانس، لم يعد بالإمكان التعامل مع مساندة إسرائيل باعتبارها أمرا مسلّما به.
على مدى أكثر من ستة عقود، كانت العلاقة الخاصة من ركائز الأمن الوطني في إسرائيل.
ابتداء بإدارة أيزنهاور في خمسينيات القرن العشرين، باتت إسرائيل تعد في آن واحد أصلا استراتيجيا وبلدا يشترك مع الولايات المتحدة في القيم الديمقراطية الأساسية.
وتعمق هذا الفهم بعد حرب الأيام الستة وبلغ ذروته في الجسر الجوي الأمريكي الذي أبقى إسرائيل في حرب أكتوبر سنة 1973.
وكانت فوائد هذه العلاقة هائلة، ففي أعقاب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية التي توسط فيها الرئيس جيمي كارتر سنة 1979، أصبحت إسرائيل أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الأجنبية بعد حقبة الحرب العالمية الثانية؛ فبلغ إجمالي المساعدات الاقتصادية والعسكرية ما يقارب مئتي مليار دولار على مدار العقود الستة الماضية.
وأثمرت الشراكة مشاريع بحثية وتنموية مشتركة، منها أنظمة دفاع صاروخي من قبيل القبة الحديدية، ومقلاع داود والسهم. ولعبت هذه الأنظمة دورا مركزيا في حماية إسرائيل من المقذوفات والصواريخ التي أطلقتها حماس وحزب الله وإيران والحوثيون.
تجاوز التزام واشنطن تجاه إسرائيل المساعدات المالية؛ فقد سعت إدارات أمريكية متعاقبة إلى الحفاظ على تفوق إسرائيل العسكري النوعي بتحديدها مبيعات الأسلحة المتقدمة التي قد تغير توازن القوى الإقليمي.
وبات التعاون العسكري ذا طبيعة مؤسسية من خلال المناورات المشتركة وتبادل المعلومات وتنسيق العمليات.
كانت العلاقة على مستوى أجهزة المخابرات مهمة بالقدر نفسه. فقد عملت «سي آي آيه» والموساد معا لعقود في عمليات مكافحة الإرهاب، وجمع المعلومات، والعمليات السرية ضد الخصوم المشتركين من أمثال حزب الله وداعش.
ولم يكن الدعم الدبلوماسي أقل أهمية؛ فقد كانت الولايات المتحدة باستمرار لإسرائيل درعا يقيها من الجهود الدولية لإرغامها على الانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي والتخلي عن قدراتها النووية غير المعلنة.
وفي المقابل، حافظت إسرائيل على سياسة الغموض العمدي فلا تؤكد حيازتها لأسلحة نووية ولا تنفيها.
تلك ترتيبات استثنائية بين قوة عظمى عالميا ودولة شرق أوسطية صغيرة، وهي ترتيبات ما كان ينبغي قط أن تعد من جملة المسلّمات.
أما اليوم فتبدو واهية متزايدة الضعف؛ فقد بات ترامب محبطا من نتنياهو الذي يراه مخادعا ومصرّا على تقويض المبادرات الدبلوماسية الأمريكية تجاه إيران وحزب الله.
ووفقا للعديد من التقارير الإعلامية الأمريكية قال ترامب لنتنياهو: «أنت مجنون. واليهود جميعا ضجروا منك». وتردد أيضا أنه قال: «لولاي أنا لكنت الآن في السجن»، في إشارة واضحة إلى قضايا الفساد المعلقة منذ ثمان سنوات ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي.
فليس مدهشا أن اليمين المتطرف في إسرائيل يكافح من أجل استيعاب تغير ترامب المفاجئ. وظهر المثال الدال على ذلك عند يينون ماجال أحد أبرز المعلقين في قناة 14 والذي يعد على نطاق واسع صوتا مؤيدا لرسالة نتنياهو السياسية؛ فقد وصف ترامب علنا بـ(الفاشل)، ووصف مستشاريه السياسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بـ(الصبيين) ووصف نائب الرئيس فانس بـ(الحثالة).
راجت هذه الأوصاف كثيرا في الإعلام الأمريكي ولفتت الأنظار في البيت الأبيض.
ووفقا لروايات عديدة، اعتبر مسئولون في الإدارة أنها تعبير عن تفكير نتنياهو.
والنتيجة أزمة عميقة في التوقعات لكثير من المحافظين في إسرائيل؛ فقد استثمروا على مدى سنين رأس مال سياسيًا وعاطفيًا هائلًا مؤمنين بأن ترامب يمثل لهم أصلا استراتيجيا لا يتزحزح.
وهاهم يجدون أنفسهم الآن في مواجهة واقع يبدو فيه الرئيس الأمريكي متزايد العزم على إعلاء المصالح الأمريكية، حتى لو انحرفت هذه المصالح انحرافا شديدا عما تحبذه الحكومة الإسرائيلية.
ومن ثَم، فمن المفهوم أن يصعب على كثيرين في اليمين الإسرائيلي التغلب على ما يعيشونه من صدمة وخلل إدراكي. ومع ذلك، تبقى شكوك حول ما لو أن هذه الصحوة التي يعيشها اليمين الإسرائيلي سوف تتوجه ـ في الانتخابات القادمة ـ إلى مسيح مخلِّص آخر يثير إعجابهم: وذلك هو نتنياهو نفسه.
يوسي ميلمان معلق في شئون المخابرات والأمن.
الترجمة عن مجلة سبكتيتور
