مهرجان ليالي مسقط 2026

03 يناير 2026
03 يناير 2026

إن التنوُّع الثقافي أساس مهم لبناء المجتمعات الحضارية، ومنطلق للتسويق الثقافي القائم على إمكانات ذلك التنوُّع وقدرته على الانسجام مع القيم المجتمعية والمعارف التطويرية والفرص التي ترنو إليها؛ ولذلك فإنه قاعدة أساسية للهُويات، وبناء النسيج المتناغم الذي يضبط المنظومة الحضارية.

ولأن المجتمعات تعاني اليوم من تأثير المتغيرات التقنية والثقافية والاقتصادية؛ فإنها تتخذ مجموعة من الإجراءات التي تحاول خلالها الحفاظ على تلك المنظومة وحمايتها من ناحية، وتطوير آفاق جديدة لنموها وتعزيز مكانتها؛ لذا فإن المهرجانات والملتقيات من أهم تلك الإجراءات التي تربط بين الثقافة بتنوُّعها وتداخلها وأفراد المجتمع بكافة أطيافهم من ناحية أخرى؛ بُغية فتح أنماط مختلفة للتواصل المباشر والتبادل والمشاركة الفاعلة.

فالمهرجانات تعد واجهة حضارية قادرة على تمثيل الثقافة المجتمعية وتقديمها في أنماط متعددة؛ إذ تمثِّل التراث الثقافي وقيم المجتمعيات بما تقدمه من أنشطة وفعاليات تُسهم في إبراز العادات والتقاليد والفنون والآداب والتاريخ الحضاري وغير ذلك في قوالب جديدة معتمدة على التقنيات الحديثة والتطورات الإلكترونية، فتربط بذلك بين الماضي بما يحويه من أنماط ثقافية، والحاضر بما يتميَّز به من آفاق جديدة وفق مقتضيات سياحية واقتصادية بعيدة المدى.

وبذلك فهي لا تقدم الثقافة في عوالم التطورات الحديثة وحسب، بل تتخذ أشكالا تظهر باعتبارها صناعة متخصصة في السياحة الثقافية تقوم على جذب السيُّاح والزوار، ليس فقط من أجل قضاء وقت ماتع، بل أيضا للاستفادة من تلك الأنماط الثقافية والاجتماعية التي تستعرضها، وأداء تجارب جديدة قد يتعذر تجربتها في الحياة اليومية، خاصة على مستوى الصناعات التراثية والفنون إضافة إلى ما تقدمه هذه المهرجانات من فضاءات تعلُّم وتجريب واسعة للأطفال والناشئة.

ولأننا نشهد ضمن انطلاق مهرجان (ليالي مسقط) للعام 2026 ذلك الزخم الذي يُحدثه من حيث الترقُّب للفعاليات والمناشط التي يقدِّمها لأفراد المجتمع، وتلك الفرص التسويقية والاقتصادية والسياحية التي يمنحها للمشاركين في داخل عُمان وخارجها؛ فالمهرجان يُّعد نافذة مهمة لتوسيع الأثر الاقتصادي، وتقديم فرص العمل، وتمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة من تقديم نفسها، وترويج منتجاتها وتسويقها للمستهلكين.

إضافة إلى الدور البارز للمهرجان في دعم توجهات الحوار بين الحضارات والتبادل الثقافي من خلال ما يقدمه من مناشط ومشاركات عالمية مختلفة؛ تقدِّم فنونها الشعبية، وأنماطها المسرحية والغنائية وعروضها الفنية المتنوعِّة، الأمر الذي يرسِّخ التمازج الحضاري بين الثقافة العمانية والثقافات العربية والعالمية، فتُسهِم في تقديم الثقافة باعتبارها جسرا معرفيا وقوة ناعمة فاعلة في ربط ثقافات العالم، وتوطيد قيم التسامح والحوار والتفاهم.

إن مهرجان (ليالي مسقط) للعام 2026 يُعد منطلقًا ثقافيًا وسياحيًا يقدِّم الثقافة باعتبارها أساسًا معرفيًا وترفيهيًا واقتصاديًا ليس للمؤسسات فقط، بل للأفراد المبدعين أيضا؛ حيث يفتح لهم فرص للإبداع والابتكار من خلال ما يقدمونه من عروض ومشاركات في مواقع المهرجان المختلفة؛ ولذلك فإنه يستثمر في تلك المواهب والطاقات الإبداعية من ناحية، ويهيئ البيئة المناسبة الخصبة لتنمية الصناعات الثقافية الإبداعية من ناحية أخرى، فيوفِّر بذلك الفضاءات المناسبة لتطوير المناشط الثقافية والخدمات والمنتجات الفنية.

لذا فإن المهام التي يقوم بها المهرجان باعتباره بيئة محفِّزة تُسهم في إتاحة فرص الاستثمار الثقافي والإبداعي خاصة في المجالات الإبداعية الفنية؛ فتنشط المسارح ودور السينما، والمعارض بأنواعها المختلفة إضافة إلى الإبداعات والابتكارات التي يقدمها ضمن الفعاليات الثقافية والإبداعية الأمر الذي يوفِّر مساحات واسعة لتعزيز التبادل المعرفي؛ وتطوير المهارات والمواهب الإبداعية؛ وبالتالي يمكِّن المبدعين من تقديم أنماط جديدة من الابتكار الثقافي يتواكب مع طموحات الجمهور خاصة الناشئة والشباب منهم، الأمر الذي ينشِّط بيئة الأعمال الابتكارية، ويدفع نحو التنافس الإيجابي في التطوير والتميُّز.

إن المهرجان -بما يوفِّره من فرص للمبدعين والمبتكرين وأصحاب الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تقدِّم خدماتها للجمهور، وما يقدمه لأفراد المجتمع، وللشباب والنساء بشكل خاص من فرص عمل خاصة على المستوى الثقافي والإبداعي- يُسهم في إيجاد تواصل معرفي بين الأجيال؛ إذ يمنح الأطفال والناشئة فرصة التماس المباشر مع مفردات التراث الثقافي، والدخول في تجارب متميَّزة ترسِّخ قيم الأصالة وتعزِّز المفاهيم الثقافية الخاصة بالهُوية الوطنية؛ فقد تبدو بعض المناشط والخدمات التي يقدمها المشاركون في المهرجان بسيطة في شكلها العام، غير أنها تحمل أبعادًا ثقافية وحضارية ذات مغزى مهم لهذه الفئة العمرية.

فأنشطة من مثل الفنون الشعبية والقرية التراثية والأسواق وغيرها، وخدمات من مثل تقديم الطعام التقليدي بأنواعه لا تمثِّل ظاهرًا ثقافيًا عامًا بقدر ما تقدِّم عمقا حضاريا يؤدي بهؤلاء الأطفال والناشئة إلى التفاعل المباشر معها باعتبارها قيمة ثقافية عمانية. عليه فإن هذا التمازج الذي يقدمه المهرجان ما بين الفعاليات والخدمات المرتبطة بالتراث الثقافي والمناشط الترفيهية والتعليمية والرياضية ذات الأبعاد الحضارية الحديثة يدفع المشاركين إلى تعظيم تجاربهم وخبراتهم، والاستمتاع والترفيه في آن واحد.

لقد استطاع المهرجان منذ انطلاقه خلال السنوات السابقة ترسيخ فكرة التكامل المكاني الذي يجعل من محافظة مسقط وجهة شتوية متنوِّعة المناشط والفعاليات تربط بين مواقع وولايات متعددة في المحافظة، فتوازن بين الفعاليات والأمكنة من حيث النوع والكيفية، لتقدمها باعتبارها فضاءات إبداعية موظفًا التقنيات في الصوت والصورة والإبداعات البصرية المتنوعة في احترافية تعكس العمق المكاني والابتكار المعماري وعلاقته بالإنسان.

إن مهرجان ليالي مسقط 2026 يقدم تجربة فريدة تحتاج منَّا إلى المساهمة في إنجاحها من خلال المشاركة الفاعلة الإيجابية التي تدفع إلى دعم الطاقات الإبداعية وتمكين الشباب، والمضي نحو زيادة الاستثمار في المجالات الثقافية والإبداعية، وتعزيز جهود أولئك المشاركين الذي يسعون إلى تقديم كل ما يستطيعونه للمساهمة في تشكيل تجارب ثقافية ذات إبداعات وابتكارات ترسِّخ مفاهيم الهُوية الوطنية العمانية.

فما يقدمه المشاركون في المهرجان مؤسسات وأفراد يعبِّر عن الفضاء الثقافي العماني الذي يربط بين ثقافات العالم، ويفتح آفاق الاتجاهات المعاصرة للتطورات التقنية والتكنولوجية الواسعة. إنه فرصة للتعريف بما تتميَّز به عمان حضارة وفكرًا متطوِّرا؛ ولهذا فإن هناك مجالًا رحبًا للتفاعل الإعلامي المؤسسي والفردي من خلال المنصات الإلكترونية المختلفة لرفد العالم بمحتوى يليق بعُمان.

عائشة الدرمكية باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة